Saturday, October 8, 2016

غشماء الكتابة



تغريدة

غشماء الكتابة!

إبراهيم فرغلي

استطرادا في موضوع العامية والفصحى الذي أشرت له الأسبوع الماضي، يهمني التأكيد على رفضي لفكرة استخدام العامية كوسيلة تدوين، أولا لخطورة ذلك على لغة الفن، التي ستكون في حالة كهذه مرتعا لكل غشيم من "غشماء السرد"، بوصف الدكتور عبدالله إبراهيم الدقيق، ممن سيجدون ملجأ  آمنا لإخفاء ضحالتهم اللغوية والسردية باسم تطوير اللغة، والتدليس على القارئ بما يتوهمونه تطويرا. فيما لا ولن يعدو جوهر ما يقدمونه حدود الـ"تهتهة" السردية، على أبعد تقدير.
وللتوضيح فإن غشماء السرد، بتوصيف الدكتور عبدالله إبراهيم، وأنا أوافقه تماما: "أولئك الجاهلين بأمور الكتابة السردية من وظيفة، وطريقة، وغاية، وأسلوب، والذين يأتون الكتابة بلا دراية، ولا ذوق، ولا خبرة، ويعارضون الفطنة، ويسفهّون رفعة القول الأدبي، ويحطّون من قيمته، ويطلقون الأحكام الخاطئة، وشريعتهم في كل ذلك الجهل، والاختيال، والغطرسة".
بالإضافة إلى أن الكتابة بالعامية مؤشر خطير على مدى الانغلاق الذي يصل إليه المجتمع في عصر الإنترنت والانفتاح على العالم. هذا الانغلاق الشوفيني لا يدل إلا على مجتمع غارق في ذاته إلى حد العمى، لا يرى إلا نفسه، وبالتالي لا يدرك أنه في الحقيقة أعمى، والنتيجة تضخم مفرط للذات، ونرجسية، وإحساس بالغرور عن جهل. وبالتالي تتفاقم مشاكله باطراد.
وكما قلت في موضع آخر، أنا من اصحاب القناعة التامة بأنه لا يمكن لمجتمع أن يدّون أفكاره بالعامية إلا إذا كان مجتمعا نصف نصف، يرقص على السلم في المجالات كافة. فلا هو يتقن لغته الأم، ولا يمكن أن يخترع شيئا ذا قيمة من هذه اللغة الهجين. ولا يمكنني وصف مثل تلك النصوص العاجزة المكسحة إلا بأنها مسخرة لغوية. وهي نتيجة طبيعية لمجتمع يحب الرقص على السلم فلا ينتج إلا نصفا من كل شيء: نصف لغة، نصف ثقافة، نصف أدب، نصف صحافة، نصف ثورة، وبالتالي؛ نصف مجتمع.
 أتخيل ترجمة نص لهيجل أو نصا علميا متخصصا للعامية، وتضحكني كل النتائج المتخيلة، نتيجة استخدام لهجة شفاهية ليس من بين اهتمام مستخدميها لا العلوم الطبيعية أو الفلسفة والعلوم الإنسانية، ولا حتى دقة الوصف، فهي أداة تواصل تعتمد الاختزال والتكثيف، وربما لذلك تغوي المتحذلقين.
أما ثاني أسباب رفضي لفكرة استخدام العامية أو اعتبارها وسيلة تطوير لغوية فيتمثل في أن هجر السرد للغة الفصحى سيكون بالضرورة مبررا لأن تصبح اللغة، التي يصفها البعض بأنها "لغة رسمية"، مرتعا لأصحاب الخطاب المتشدد.
فحين تُهجر الفصحى من قبل الأدب، سوف تجد، بالضرورة، ملاذها لدى أصحاب الخطاب الديني المتشدد، بوصفها لغة النص المقدس. أي أنهم سوف يحتكرون اللغة الفصحى باعتبارها وسيلتهم في التعبير عن أفكارهم. وبهذا يكون الغرب قد نجح، كما يشير الفيلسوف الهندي آمارتيا سن، في تأكيد ضرورة انشغال اللغة العربية بالإصلاح الديني فقط. وفي المقابل يحتكر الغرب لغة العلم، بالرغم من أن اللغة العربية في عصر التطور المعرفي العربي، خصوصا في الحقبتين العباسية والأندلسية، جسدّت لغة من لغات العلوم الأساسية نقل عنها الغرب بذور نهضته العلمية اللاحقة في عصر النهضة عبر الترجمة. وهو الدور الذي يريد الغرب أن يمحي أثره ليرسخ لأنها ثقافة موت ودمار، لغتها ميتة. وللحديث بقية.


نشرت في القاهرة سبتمبر 2016