Saturday, October 8, 2016

مصطفى ذكري ويوسف رخا



تغريدة

تجربتان في اللغة

إبراهيم فرغلي

بعيدا عن القضية المستهلكة التي تأخذ أحيانا شكل الصراع حول الفصحى والعامية، هناك تجربتان في تطوير لغة السرد الأدبي، أوليهما الكثير من الاحترام، هما تجربتا الكاتبان الموهوبان القديران مصطفى ذكري، ويوسف رخا.
السبب الأول في احترامي لهاتين التجربتين أن أيا منهما لم يقدم موضوع اللغة وتطويرها بتعسف أو افتعال، بقدر ما أنهما جاءتا في سياق التجربة الأدبية. وهذا لا يعني أنهما التجربتين الوحيدتين المتعلقتين باقتراح تجارب سردية مختلفة تعتمد وتتضمن تطويرا للغة السردية، فهناك في الأدب المصري المعاصر تجارب كثيرة مهمة، لكني أتوقف عند الأحدث والأكثر معاصرة.
اللغة عند مصطفى ذكري هي جزء أساسي من نسيج التجربة السردية. تشعر أن كل كلمة مختارة بدقة وبعناية ومعرفة. كل كلمة ينبغي أن تصنع في النهاية أسلوبا لا يمكن أن يماثل أسلوب كاتب آخر، وهذا هو ما يسميه ذكري شرف الكاتب. وهو توصيف شديد الدقة.
بهذه اللغة التي بدا جليا انشغال ذكري بها منذ بواكير أعماله نحت أسلوبه الخاص، كما أن اهتمامه الشديد بالتفاصيل، أو بالأحرى ولعه بالتفاصيل أثر كثيرا أيضا في طبيعة اللغة السردية التي أنتجها في نصوصه.
على سبيل المثال، سنجده حتى حينما تأثر بألف ليلة وليلة في روايته التي صدرت مطلع التسعينات "هراء متاهة قوطية"، انشغل بحرف واحد هو حرف "الواو"، وهو حرف يوسم أو ينظر إليه بشكل دوني، بتعبير ذكري، لكي يوظفه في المناطق اللغوية البلاغية الضعيفة في اللغة، أي لكي يقوم بما يسميه "هتك البلاغية" الشائعة في ألف ليلة وليلة.
بالإضافة إلى أن نصوص مصطفى ذكري في غالبيتها العظمى تميل لأن تكون مكثفة، وهو ما يحتاج إلى طاقة خاصة لشحن الكلمات بطاقة التكثيف، واختيار الكلمات بأعلى درجة من الحساسية.
بالنسبة ليوسف رخا، فقد مارس أكثر من شكل أدبي، لأنه بدأ بالشعر، ثم انتقل إلى السرد، وأدب الرحلة، وفي كل هذه التجارب بدا جليا أنه مشغول بطرق تعبير فنية مختلفة، ولذلك فحتى حين كتب تجاربه فيما قد ينضوي تحت مسمى أدب الرحلة في "بيروت شي محل" مثلا، أو في كتابه عن تونس أو غيرهما، لم يكن مشغولا برصد ما يرى، بقدر ما بدا جليا انشغاله بالكيفية التي يوجد لهذه الملاحظات وسيلة بلاغية، أو أسلوب لغوي يلائم النص، ويقدم تجربة لغوية جديدة.
وطبعا كانت الطاقة المبذولة في اختلاق بلاغة أدبية جديدة أكثر وضوحا في روايته "الطغرى"، لأنه حاول فيها المزج بين اللغة السائدة في مدونات المرحلة العثمانية مع اللغة المعاصرة تدوينا وشفاهة على مستوى الخطاب اليومي، من دون الوقوع في فخ التحيز لأي منها، لأنه قدمها فقط لخدمة النص، ولإيجاد شكل يناسب مضمون الرواية، وبلغة تخصها وتعبر عنها.
لا ادعاء هنا بأهمية الفصحى أو العامية، ولا تحيز بين الاثنين، بل فقط محاولة لغوية تأتي كجزء من نسيج النص الأدبي، سواء كان الأمر في أعمال مصطفى ذكري، أو في أعمال يوسف رخا.
أما السمات الفنية الدقيقة التي تميز هاتين التجربتين اللغويتين شديدتي الأهمية بين تجارب النصوص السردية المعاصرة فسوف أعود لها تفصيلا، ولكل منهما على حدة في المقالات اللاحقة.

 القاهرة في سبتمبر 2016