Sunday, June 7, 2015

فئران أمي حصة في المكتب الثقافي المصري

فئران أمي حصة لسعود السنعوسي

الهوية المشتتة والذاكرة المفقودة



إبراهيم فرغلي وسعود السنعوسي 



بعد أسابيع قليلة من صدور رواية سعود الأولى ساق البامبو، وبينما كنت اقرأها هتفت لنفسي، يا إلهي! رواية كويتية أخيرا! رددت ذلك لنفسي بينما أراجع ما أعرفه عن الرواية الكويتية التي كتبها رواد الرواية في الكويت اسماعيل فهد، ليلى العثمان، سليمان الشطي، ووليد رجيب وسواهم. كانت الملاحظة العامة لأغلب ما قرأت من أعمال كتاب الكويت أن المجتمع الكويتي، رغم كل ما كتبه كل هؤلاء ظل بالنسبة لي مجتمعا غامضا. رغم أنني قرأت مثلا أعمالا لليلى العثمان في وقت مبكر لكني أدرك الآن أن اهتمامها الأكبر انصب على الوضع الاجتماعي للمرأة في الكويت في مجتمع تقليدي.
لكن ساق البامبو، خصوصا في جزئها الثاني الخاص بسيرة ورحلة خوزيه مندوزا، بطل الرواية في الكويت بعد وصوله إليها تحقيقا لوصية والده، كشفت لي جانبا من المسكوت عنه في حياة الطبقات الكويتية المختلفة، وتأثير المجتمع الاستعراضي الاستهلاكي على القيم، مقارنة بما كانت عليه الأمور في الماضي. بالإضافة قطعا لكونها رواية حاولت بجدية تقديم نقد ذاتي  للمجتمع من خلال أحد ابنائه، منبها لصورة الكويتي لدى الآخر، ومنتقدا الشائع من تعامل الكويتي مع هذا الآخر خصوصا في داخل الكويت.

في نهاية المقال الذي كتبته عن الرواية، طالبت القراء بأن يتذكروا اسم سعود السنعوسي جيدا لأنه سيكون، وقريبا جدًا، فخرا للكويت. ولحسن الحظ لم تكن نبوءتي مجرد أمل بقدر ما كانت يقينا سرعان ما تحقق بعد شهور قليلة جدا، حين وصلت رواية ساق البامبو لشريحة واسعة من القراء العرب وأثرت فيهم بسبب الطابع شديد الإنسانية للنص، من جهة، ولقدرة سعود على التوغل في مجتمع آخر هو المجتمع الفلبيني، في نص حساس، ملهم. (ولهذا فكل نجاح يحرزه سعود أعتبره كأنه نجاح يخصني شخصيا).
وحين أعطاني سعود مخطوط روايته الجديدة فئران أمي حصة انتبهت إلى أنه يواصل مشروعا نقديا للمجتمع الكويتي، لكنه في الوقت نفسه يطور أدواته بشكل لافت من خلال اعتماد نص مركب يمتد بين زمنين أولهما زمن واقعي يفترض أنه يحدث الآن، لكن هذه الآن سرعان ما تتجلى للقارئ بكونها نبوءة أو محاولة متخيلة لمستقبل قريب هو تقريبا العام 2020، وتتمحور وقائع هذا الآن في يوم واحد تقريبا، أما زمن الرواية الثاني فيتجلى من خلال نص روائي، بعنوان "إرث النار" الثاني فيتضمن زمنا ماضيا يتراوح بين منتصف الثمانينات تقريبا وحتى الغزو وصولا للعام 2017.
في النص الذي يسرد وقائع اليوم على مدار الساعة، حيث نرى أهوالا وأحداث عنف بالغة أطرافها معسكرين يتجلى لنا أنهم طائفتي السنة والشيعة المتطرفين الذين أغرقوا البلد فيما يبدو حربا أهلية.

 بينما يبدو الراوي وفريقه المكون من أصدقاء الطفولة فهد وقاسم وابن خاله ضاري ومعهم أيوب، وهم يتبنون فريقا يشعر بخطورة التحزب لفئات المجتمع ويسمون أنفسهم عيال فؤادة، الذين يولون الوطنية اولوية تسبق كل انتماء طائفي أو طبقي. ويؤمنون بأن الوحدة في التنوع، وبقيم التسامح والاختلاف. لكنهم سرعان ما يصبحوا هدفا لنيران الفريقين المتناحرين، الذين يتفقان، رغم تنافرهما،  للمرة الأولى في نقد عيال فؤادة وسبهم واتهامهم بالإلحاد.

يقدم الراوي الطفل، كتكوت، عبر صوته في رواية الراوي، معادلا لصوت الهوية الكويتية الوطنية. فكتكوت صبي لا يمل من الأسئلة وأغلبها أسئلة ذكية، غالبًا ما توقع الكبار في أزمة، بل وتحرجهم وتكشف تمسكهم بالموروث حتى لو لم يكن عقلانيا بسبب التقليد. ورغم أنه يصف نفسه بالجاهل، جريا على عادة أهل الكويت في تسمية الأطفال، وعادة ما يصف نفسه بأنه أقل معرفة من صاحبيه بكثير من الأمور، لكننا نشعر في الوقت نفسه أن براءته هذه هي المعرفة الحقيقية، وهو حين يدرك ما يعرفون يتمنى أن يظل جاهلا، بريئا، لا تلوثه معرفة الضغائن والتلاسن والاتهامات المتبادلة بين فريقين، يعيشون على أرض واحدة ويتكلمون بلسان واحد، وتجري في عروقهم جميعا نفس الدماء، لكنهم يخترعون صناديق هوية ضيقة وصغيرة يضخمونها بأوهام تورثها الأجيال من جيل لآخر.
وهو يعاني من حيرة شديدة من أمره حين بدأ يشعر بأن ثمة تفريقا يضعه الكبار بينه وبين صديقيه صادق وفهد، ويحاول أن يصل بشكل غير مباشر إلى المعسكر الذي يفترض أنه ينتمي إليه عبر سؤال يوجهه لأهله وعائلة صديقه وبينهم الجدة حصة التي يسميها أمي حصة.  وسؤاله البسيط هو أين تقع حديقة الحيوان؟
النص مهندس بحيث تبدو ذاكرة الكويت أكثر وقت احتضنت فيه هويتها ممثلا في كتكوت خلال فترة الغزو، سافر أهله وبقي في حماية أمي حصة، تحميه من مخاوفه.
وهذا الجزء من النص الروائي يأخذ عنوان الفأر الثاني لظى، بما يوحي به من كون أحداث الغزو قد اشتعلت فيها ظاهرة الاصطفاف، بأكثر من مدلول، لما صاحبها من خذلان بعض القيادات العربية للشعب الكويتي في محنته، وتأثير ذلك على وضع جالياتها في الكويت من جهة، وما تسبب فيه من أزمة ثقة للشعب الكويتي من جهة أخرى، لكنها كانت اللظى.
ثم الجمر وهي سنوات ما بعد الغزو، وأخيرا الرماد وهو قسم مكون من فصلين.
طبعا سنلاحظ أن هناك اختفاء لبعض الفصول في الرواية، وهي ثلاثة فصول من القسم الأول : شرر، الأول والثاني والسادس، ثم فصل آخر من القسم الثاني، والتفسير بالتأكيد لاحقا نفهمه من إصرار الناشر على حذف أربعة فصول بحيث تمر الرواية من الرقابة. تأكيدا ربما على أن هناك ما يقال أكثر وأكثر في تفاصيل التناحر والشقاق، وأن اللبيب بالإشارة يفهم في النهاية.

أما الملاحظة الثانية فهي استخدام الراوي لضمير المتكلم في الأقسام الأول والثالث والرابع لرواية "إرث النار"، التي تراوحت بين الضمير الفردي أنا، أو الجمعي نحن، بينما القسم الثاني لظى، والخاص بفترة الغزو فقد استخدم فيه ضمير المخاطب أنت أو أنتم. كأن فترة الغزو بكل مآسيها قد صارت بعيدة، أو لأنه اراد أن يحاكم فيه نفسه ومجتمعه مخاطبا إياهم لوثوقهم في الأوهام والاصطفاف خلف من ظنوا أنه حامي المنطقة فإذا به على العكس تماما. وهي عموما ملاحظة تحتاج لمزيد من التأمل والتأويل.

أعتقد أن هناك اختلاف واضح بين تقنيات السرد في النصين المتداخلين، فبينما تطغى حالة من المشهدية النسبية، ودقة وصف الأماكن، والتفاصيل، في فصول رواية إرث النار، فإن الأجزاء الخاصة بالرصد الآني لأجزاء الرواية المعنونة بـ"يحدث الآن" في أغلبها، رغم أنها وصفية، إلا أنها تخلو نسبيا من الوصف الدقيق للأماكن. ربما يعود ذلك إلى حالة التوتر التي تسود الأجواء، حيث تطغى روائح كريهة من نهر مياه راكدة تفصل بين حي السرة وحي الجابرية، والنيران الملتهبة والأدخنة والتفجيرات، وطيور تباع الجيف، وهي أجواء مشوشة تؤثر على الجميع بينهم الراوي بطبيعة الحال.

الذاكرة الكويتية التي يجتمع عليها كل الكويتيين تمثلت في عناصر عدة بينها مثلا أغنيات عبد الكريم عبد القادر، والتذكير بالمناسبات والبطولات الرياضية والشخصيات البارزة في كرة القدم مثلا في الثمانينات مثل مؤيد الحداد، وتراث الحكايات عند أمي حصة، والتقاليد وعادات الأطفال خلال الطفولة، وقصائد خليفة الوقيان، ومسلسلات الدراما في العصر الذهبي للدراما الكويتية، وعلاقة البشر بالنخل والطير. وبعض ما تبدأ به الفصول من شذرات شعرية لعلي السبتي وسعاد الصباح وغير ذلك.
يلفت الانتباه في النص  أيضا استخدام كلمة إشاعات، فهي  كلمة لها دلالة قوية جدا، لأن العم صالح أبو فهد استخدمها في بداية الغزو لأنه لم يكن قادرا على أن يصدق أن ما صدق فيه عن الديكتاتور العراقي بوصفه حامي الجبهة الشرقية، وأسد العرب، قد أصبح كذبة، وإشاعات هي مدلول موازي لفكرة (العيش بالوهم) والتي تنسحب لاحقا على تكذيب احتمالات تطور الاصطفاف الطائفي في المجتمع إلى حقيقة رغم الشواهد التي تتعاقب يوما بعد آخر من دون أن يبذل أحدا جهدا لدرئها.

وسنلاحظ أن العم صالح الذي كان يصرخ إبان الغزو كلما سمع عن تطور جديد يشي ببدء دخول قوات صدام إلى الكويت وكل تطور لاحق بأنها مجرد إشاعات، كان ابنه فهد يكررها لاحقا في ختام رواية إرث النار التي تنتهي بخبر تفجير لأحد المجمعات التجارية الكبيرة في الكويت. بعد نحو 27 عاما من تكرار أبيه لنفس الكلمة.

الفكرة التي يتبناها هذا النص في الحقيقة تعبر عن اهتمام الرواية الكويتية بأزمة الهوية خلال السنوات الأخيرة، مع تقديم نوع من النقد الذاتي للمجتمع، وهو ما تجلى في عدة أعمال من بينها مثلا العنقاء والخل الوفي وطيور التاجي لإسماعيل فهد اسماعيل، ورواية لأني أسود لسعداء الدعاس، ورواية الصهد لناصر الظفيري، ورواية سلالم النهار لفوزية الشويش، ورواية لا تقصص رؤياك لعبد الوهاب الحمادي. وربما غيرها مما لم تتا فرصة الاطلاع عليه.
وهو دليل على أن هاجس الهوية أصبح هاجسا في المجتمع الذي يعبر عنه هؤلاء الكتاب.
بالرغم من أن رواية إرث النار تبدو رواية سيرة ذاتية لكنها في الوقت نفسه رواية رمزية بامتياز، تؤسس لمفهوم الذاكرة الكويتية عبر عشرات التفاصيل التي تمر عبورا، بينما هي في الحقيقة تبدو كقطع موازييك صغيرة؛ يحفرها سعود بدقة وتأن لكنها معا تصنع قطعة مهمة من ذاكرة المكان. مثل قول الجدة حصة أنها لا تعرف تاريخ ميلادها، في إشارة إلى جانب من تراث المكان الذي كان يؤرخ لتفاصيل حياته بالأحداث الكبرى مثل عام غرق السفن الشهير مثلا، وبالإشارة إلى الحياة في الماضي قبل النفط، حيث كان الشائع لدى الأسر النوم في أعلى أسطح البيوت، وعلاقة هذا التراث أيضا بتراث آخر له علاقة بالكيفية التي يحدد بها ذلك الجيل حركة فصول السنة، وعلاقته أيضا بالأساطير عن نجم سهيل، مثلا، أو التراث الخاص بالجن "سكنهم مساكنهم". بالإضافة إلى الأسماء التي كانت الجدة حصة تطلقها على أبنائها وكنتها ومدلولاتها: تضحك علي يا يهودي!، الست الناظرة، شبّاب النار، وغيرها من التفاصيل التي تمتد على طول نص إرث النار.
أيضا نجد رمزية النخلات الثلاث الموجودة في حوش منزل أمي حصة، بنات كيفان كما اسمتهن، سعمرانة وبرحية وإخلاص، فقد أحضرها أبو صالح، زوج حصة من القصيم والأهواز والبصرة، لكنها عاشت معا، ونمت في مكانها الجديد بروح جعلت منها شقيقات ثلاث بنات الكويت وبنات أمي حصة طبعا، شاهدات على الخير الذي جعل كل منها تنمو وتزدهر، وعلى الجفاف الذي أصابها بعد الشقاق والفتن الذي أصاب أهل المجتمع فأدى إلى إهمالها.
أمي حصة هي نفسها رمز للهوية ومعادل جوهر تراث الكويت ووعيها الثقافي، ذاكرة تاريخ المجتمع، التي تؤكد أن اي مجتمع بلا ذاكرة لا يمكن أن يكون له مستقبل، أو هوية. فهي حافظة التراث، (حتى غرفتها بما تحتويه تمثل اشياء لا تشبه ما اعتاده الجيل الجديد، الصابون العتيق والسرير النحاسي، قطع سجاد عتيق، الخ) وحاملة القيم الأصيلة التي انبنى عليها المجتمع الكويتي وتطور ونهض، وهي ذاكرة المجتمع أيضا، المجتمع المتماسك الذي مكن دولة صغيرة من البقاء وتكوين خصوصيتها عبر إصرارها كمجتمع قابل لاحتضان الجاليات العربية وإعلاء شأن القومية العربية كواحد من سمات أساسية، تتجلى في ما ينثره كتكوت عن هذا المزيج المتنوع من القوميات المختلفة التي عاشت في الكويت من دون إحساس بالتمييز. والذاكرة والجدار الذي يتكئ عليها الجميع والذين أحسوا جميعا بغصة لا نهاية لها برحيلها.
صالح وعباس لعلهما يمثلان رمزان للشرر المتبادل الذي بدأ مع الحرب الإيرانية العراقية، وكل منهما يجسد مرايا للآخر، وفي تماثلهما حول قناعاتهما في وهم الهوية الطائفية يظنان أنهما مختلفان بينما هما في الحقيقة العنصران اللذان يجسدان بأفكارهما معاول هدم المجتمع، عبر نفيهما التام لفكرة الآخر والتنوع.
 وكذلك فوزية عمة فهد، والتي كانت تكبره هي وكتكوت بسنوات قليلة، والتي وقع الأخير في غرامها، يمكن أن تبدو كرمز مزدوج لنصف مجتمع يتم تعطيله تحت شعارات اجتماعية تبتغي كتم صوتها وتقييد حريتها، وعزلها، كما قد تبدو في الآن نفسه رمزا لمجتمع يقيد طاقته الفتية فيمنع المعرفة والفن ويحرم الجمال، لأنها كانت محرومة من التعليم ومن الخروج وحتى من إظهار زينتها أو جمالها.. فيحول هذه الطاقة التي كان من الممكن أن تبني إلى أفراد معزولين فاقدي البصر والرغبة في الحياة والتكيف مع الواقع.
أما الفئران فهي ترمز أيضا إلى فكرة الطاعون أو الوباء الذي يمكن أن تتسبب في نقله لمجتمع تمثله بيضات مكسورة لا تجد من يحميها بعد أن فقدت راعيها ( الذاكرة والتراث ومشاعر الوطنية والمعرفة).
فكرة الرواية فكرة لا تخص الكويت فقط كما قد يتصور البعض،  في الحقيقة، بل تخص مجتمعات عربية عدة، وربما غربية أيضا في ظل ما يشهده العالم اليوم من جنون طائفي حرفيا نيرانه تلتهب حولنا في كل مكان(تابعوا احد المشاهد الدموية التي وصفتها الرواية ممثلة في خليط من الدم والطين والأعضاء البشرية، بما حدث مؤخرا وقريبا جدا منا في القطيف مثلا) ما يضفي أهمية كبيرة على هذا النص ورسالة الكاتب سعود السنعوسي، الذي لا يزال، في تقديري، يحافظ على أهم سماته الأدبية وهي الصدق الفني والإخلاص، والولع بالتفاصيل والدقة.

لكن الأهم أنها رواية تؤسس لذاكرة مجتمع، تأكيدا على أن المستقبل لن يتحقق إلا بامتلاك ذاكرة الماضي، وهي رسالة قوية للمجتمع الكويتي ولكل المجتمعات العربية، التي تتماهى مع خطابات وسلوكيات الفتن والتفريق بين أبناء المجتمع الواحد تحت دعاوي وشعارات يذكيها الجهل.

 سعود السنعوسي مرة أخرى لم يخذلني أنا وقراءه جميعا، فكلما سؤلت عما إذا كان سيواصل بعد ساق البامبو كنت أؤكد لمن يسألني أنه سيواصل بنفس القوة، لأنه كاتب موهوب ويعرف جيدا ما يريد. كما أنه لم يخذل بلاده بهذه الرسالة القوية المباشرة، الفنية أيضا، يصل ماضيها بمستقبلها، وهو يؤكد تمكنه وموهبته بهذا العمل، الذي ربما ما كان ينقصه إلا أن نسمع تعليق أمي حصة، عنه ولعلها إذا أخبرها سعود بمضمونه لسارعت تبتسم من دون أن تولي اهتماما بطقم أسنانها  كاشفة عن موضع أسنانها المفقودة وهي تربت على كتفه وتقول بفخر: عفية عليك يا وليدي!