Thursday, December 18, 2014

المرأة- الفتوة الوحيدة بين أساطير "الحرافيش"


المرأة- الفتوة الوحيدة بين أساطير "الحرافيش"
زهيرة الناجي.. القوة الناعمة التي ضلّت سبيلها للخلود


إبراهيم فرغلي




على الرغم من تعدد النساء اللائي فاضت بهن ملحمة الحرافيش لنجيب محفوظ، بداية من زوجتي عاشور الناجي: زينب، الفاسدة المزاج سليطة اللسان، وفُلّة الفاتنة التي تزوجها عاشور بعد أن تصارع أبناءه من زوجته زينب، عليها في خمّارة الحارة، وأصبحت أم أول وريث حقيقي لآل الناجي: شمس الدين،  مرورا بكل النماذج اللاحقة التي جسدّ كل منها الطرف الثاني مع أحد أحفاد الناجي في تمديد شجرة حياة العائلة وبالتالي شجرة حياة الحارة. اقول رغم ذلك فإن أكثر من استوقفني من تلك النماذج الأنثوية شخصيتا: زهيرة وزينات.

بطبيعة الحال، وبسبب تعدد الشخصيات وتعاقب الأجيال، لم تجد النساء في رواية الحرافيش فرصة جيدة لتأملها ونقدها، وفك رموزها، رغم غنى الشخصيات وتعبيرها عن تقلبات البشر وتغير أمزجتها، وتحولاتها النفسية حين تتغير حياتها من السراء إلى الضراء أو العكس. بالإضافة إلى أنني أظن أنه بالرغم من "ملحمية" الحرافيش، لكن هذا النص في الحقيقة شديد التكثيف والإيجاز، عمل فيه محفوظ على توفير الإيماءات والتلميحات أكثر من الإسهاب في الوصف، وعلى تكثيف الرؤى الصوفية عن الحياة في عبارات بالغة التكثيف محملة بالدلالات، وهذا سبب آخر، ربما، في الإحساس بأن الشخصيات لم تأخذ حقها من الوصف وكشف دواخلها بشكل دقيق ومفصل كما هو شأن أبطال وبطلات أعماله الأخرى، مع الأخذ في الاعتبار أن هذا التناقض بين البناء الملحمي والاقتضاب والتكثيف، ليس على مستوى السرد فقط بل وأيضا على مستوى الحوار بين شخصيات الرواية الذين لا يثرثرون بل ينطقون فقط بخلاصة الكلام، هو أحد الملامح الفنية الخاصة لهذا النص.

وللتذكير أقول أنموقع زهيرة ينتمي للحكاية الخامسة في الملحمة "قرة عيني"، بالأحرى تأتي الحكاية للتمهيد لظهورها لاحقا، وفيها أنه كعادة الكثير من رموز "آل الناجي"، الذين يختفون فجأة ويتحولون إلى أسطورة، غاب سماحة بكر الناجي من الجيل الرابع من أحفاد عاشور الناجي، مسلّما الراية لأبنائه الثلاثة: قرّة ووحيد ورمّانة، بعد أن تعرض عم أبيهم خضر للموت على يد الفتوات، في إطار الصراع المتوارث بين الفتوات من جانب، وبين آل الناجي من جهة أخرى؛ الذين حاول منهم من حاول أن يقتفي آثار عاشور الجد في إرساء القيم والعدل، ومنهم من حاد، وضعف واستسلم للفتوات. 

في زمن هذا الثلاثي عرف "آل الناجي" الفتن وقتل رمانة شقيقه قرة وانتقلت الفتونة إلى أحفاد الناجي لفترة وجيزة على يد وحيد، وهنا نرى سماحة قد عاد فجأة كأنه عاد ليطمئن على استعادة آل الناجي للفتونة، لكنه يموت ثم سرعان ما يعود الصعاليك لاستعادتها.

ويأتي أحد أحفاد سماحة، وهوعزيز قرة الناجي، كما سيتجلى مع
 مطلع الحكاية السادسةمن ملحمة الحرافيش "شهد الملكة"،
 ليقرر العناية بزهيرة حين مات والدها الذي عرف باسم عاشور، وهو ينحدر من سلالة سليمان الناجي. انتقلت الى بيت عزيزة أم عزيز الناجي في سن صغيرة لرعايتها، فعرفت الرفاهة والسعادة، وحين كبرت في العمر تقدم إليها عبد ربه؛ الفرّان فتزوجته بعد مماطلة، لكنها سرعان ما كشفت عن جانب خفي من شخصيتها تجسد في حب النفوذ، والقوة، ولذلك وضعت الحب في مصاف الخطوط الحمراء التي لم تقترب منها. فقد اعتبرت أن الحب هو مكمن ضعف المرأة، ولم تكن تنوي أن تكون ضعيفة يوما، إذ أنها أيضا ورثت العناد والتكبر من سلالتها. كما كان يصفها زوجها.
 وبسبب جمالها الطاغي كانت تتقبل ود أصحاب النفوذ والقوة وهم ثلاثة، الفتوة نوح الغراب، ومأمور القسم فؤاد عبد التواب، ومحمد أنور التاجر الثري. كان دلالها ووعدها غير المعلن لكل منهم سببا في أن يطلّق نوح زوجاته الأربع، وأن يحاول المأمور إبداء قدرته على استخدام كل نفوذه لأجلها سواء ضد الطامعين فيها وبينهم الفتوة، أو حتى إزاء زوجها الذي تزوجته بلا عاطفة، وبدا لكل من اقترب منها أنها مجبرة أن تعيش مع زوجها بلا حب، ولذلك انتهى الأمر بتطليق زوجها لها على غير إرادته، تحت ضغوط مارسها عليه كل أصحاب القوة منفردين. 

وكلما لجأت للأقوى نفوذا وجدت أنها تؤثر في الأحداث لدرجة تغيير المصائر؛ ولم تكن الأحداث التي مرت بها الحارة هينة، ففي يوم زواجها من الفتوة نوح الغراب وفي اثناء حفل الزفاف أردته قوات الشرطة قتيلا، وصادف ذلك ايضا موت رمانة عم عزيز الناجي، وانتحار زوجته رئيفة، خصمتها اللدود، والقضاء على زوجها السابق بالعار. وانتقلت الفتونة من نوح الى غيره ونقل المأمور فجأة بعد أن عرض عليها الزواج، وثارت الشكوك حول أنه من دبر مقتل الفتوة نوح الغراب.

زهيرة الناجي هي المرأة الوحيدة في سلالة آل الناجي والحرافيش التي كانت تشعر بأنها الفتوة، وترى في قوتها الأنثوية معادلا لنفوذ الفتوات، رغم اقتصار هذه السلطة تحديدا على الرجال، وتضمنها أساسا لقيم ذكورية بامتياز. وهي الوحيدة بين بطلات هذا العمل التي يسبغ عليها محفوظ صفة الفتوة، رغم فتنتها وجمالها الطاغي وأنوثتها التي كانت أحد أبرز مكامن قوتها. إنها الفتوة الأنثى. أو القوة الناعمة في أكثر حالاتها تجليا في تاريخ الحارة.
لذلك تبدو زهيرة كأنها هنا تجسيد للمساواة التامة لكل قيم المجتمع الذكوري. ولذلك فحين تزوجت أخيرًا من عزيز قرّة الناجي، نعمت بشعور رهيف خيالي مثل الإلهام المشرق، "آمنت بأنها فتوّة في إهاب امرأة وأن الحياة المقدّسة لا تمتثل إلا للأقوياء". أما الحب فطالما قهرته في سبيل ما هو أعظم وأجل، وطالما قالت لنفسها لست امرأة ضعيفة مثل غيري من النساء". (الحرافيش ص401).

هذه القوة الناعمة تمتد إلى ابنها جلال،ليس فقط باعتباره وريثا لأم عشقت النفوذ وتمكنت بقوتها الناعمة من أن تحظى بالثراء والرفاهية والقدرة على تغيير مصائر البشر، بل ومن خلال طيفها الذي ظل مستمرا بعد مقتلها في وعي ابنيها جلال وراضي، مرة في المشهد الدموي لمقتلها على يد طليقها وقد تهشمت جمجمتها وتناثرت دماها، أمام أطفالها، ومرات في إحساس الابن أينما ذهب بأنه ليس مقبولا بوصفه "ابن زهيرة"، التي اعتبرها الحرافيش مصدرا للشؤم ونموذجا لامرأة خرجت عن إطار تقاليد الحارة، ومنحت نفسها لمن يستطيع أن يحصل عليها، لأن "امتلاكها" كان في يقينها مرادفا لامتلاك القوة.

نجيب محفوظ وشخصياته


وهكذا امتد أثر "الفتونة الناعمة" لزهيرة، بعد مقتلها، في شخصية ابنها جلال، الذي لم يكن قد قوتها وجمالها فقط، حيث بات وسيما حسن الطلعة قوي الجسد،  بل وكان يحتقر الموت ويحتقر البشر لأنهم يخشون الموت. وبهذا استعاد الفتونة والسلطة معا ليجمع مجد جده القديم، ولكنه، لم يسر على درب عاشور الناجي الذي كانت القوة بالنسبة له تحقيقا للعدل، وخدمة الناس لا الشيطان وفق نصيحة الشيخ عفرة الذي تبناه ورعاه.

إن سيرة جلال ابن زهيرة الناجي، في جانب من جوانبها سيرة للأرق والقلق الوجودي وتجسيد لرحلة تحقيق القوة والنفوذ، ثم الانقلاب على الحرافيش بسبب احتقارهم، ثم هي سيرة البحث عن الخلود بسبب هاجس الموت الذي سيطر على خياله منذ مقتل أمه، ثم موت زوجته قمر التي لم تعش معه سوى أيام قبل أن يخطفها منه الموت مرة أخرى، فكان عليه أن يقاتل الموت وأن يجد لنفسه في العالم مكانا أبديا. كان عليه أن يبحث عن الخلود ليقاوم مصير أمه وزوجته. وهكذا بحث وجرّب وتناول أكاسير الشباب، وفتش عن وصفات العطارين التي تسبب الحيوية واستعادة الصبا، وباع نفسه لأحد الدجالين الذي طلب منه أن يعتزل العالم عاما كاملا لكي تنجح وصفة الخلود التي منحها له.

 ليست سيرة جلال سيرة لكل ما سبق فقط، بل هي،أيضا وأساسا، تمثل تجسيدا للتناقض الكبير بين فهم فكرة الخلود التي حققها عاشور الناجي باعتباره نموذجا للعدل، والذي اختفى من الحارة للأبد ليتحول إلى أسطورة العدل، ملهما الأجيال اللاحقة بإمكانية تحقيق العدل، وبين فهم أجيال أخرى من آل الناجي بينهم زهيرة وجلال، الذي ورث من أمه فكرة الخلود وأراد أن يمجد ذكراه فأنشأ، وفقا لنصيحة الساحر الذي أوهمه بوهبه الخلود أن يقيم مئذنة من عشرة طوابق، من دون مسجد أو صلاة، فأصبحت نموذجا لفكرة الخلود البشرية كفكرة مادية.
يمنحنا محفوظ هنا مثالا آخر بين إصرار جلال على عدم الزواج والعقم عن الإنجاب، إذ يحاول أن يكون خلوده ماديا بوجود المئذنة التي ستكون شاهدا على خلوده، بينما هي ليست سوى أثر مادي عقيم، لأنها مئذنة بلا مسجد، ولا هدف منها سوى أن تكون مثار حيرة وتندر ودهشة أهل الحارة. وهكذا يأتي عقمه عن الإنجاب كوسيلة من وسائل استمرار الحياة، والمئذنة العقيمة مثالان متماثلان لإنتاج وهم لا طائل من وراءه، ولا أثر حقيقيا يمكن أن ينجزه.
فمن الذي سيثبت خطأ أوهامه؟ويؤكد له أن إحساسه المتصاعد بالقوة والشباب ليس سوى وهم، وأن الخلود لا تصنعه الأوهام بل لا يتحقق إلا بإرساء العدل؟
 إنها زينات. فتاة الهوى الشقراء، التي كان يراها ويرد تحيتها له بلطف، والتي قررت أن تقتحم قصره وتعرض عليه نفسها وتوقعه في أسرها، على أمل أن يتزوجها يوما. وحين اختلى بنفسه عاما كاملا من أجل تحقيق الخلود، عاد إليها أخيرا، لكن سرعان ما بدأت الفجوة بينهما تظهر من خلال تعارض إحساسها بالزمن مقابل إحساسه بحيويته وبتجدد شبابه، وإقباله بالتالي على كافة مظاهر الحياة والعبث، وبينها التنقل بين نساء أخريات غير زينات.
 وهكذا لم يكن أمامزينات، التي لم تتقبل فكرة إقباله على الأخريات والنأي عنها، هي التي كانت مثالا للجمال، والأنوثة ورغبة الرجال فيها، إلا أن تدس له السم وتتركه وتهرب مجنونة. جنت بفعلتها وتركته يعاني آلام الموت ومواجهته شبح الموت أخيرا وحده يكاد لا يصدق أنه يموت بالفعل، حتى يقع في حوض الدواب ليكون أمثولة للحارة ولكل من يتوهم الخلود.
إن فتونة زهيرة الناجي ليست سوى مستوى آخر من مستويات الفكرة التي كان محفوظ يحاول التعبير عنها على امتداد النص مرارا وتكرارا، وعبر تقلبات المصائر، ليؤكد أن القوة الحقيقية ليست في النفوذ والجاه، وأنها لا تكون قوة إذا شابها ضعف النفس البشرية. وهو هنا يصنع،  من خلال زهيرة، نموذجا للقوة الناعمة مجسدا أولا في شخصيتها وطموحاتها وسلوكها ثم في امتداد تأثيرها على ابنها، الذي يرث وهم الخلود من أمه، ولا يدرك ذلك الوهم إلا على يد قوة ناعمة أخرى لا يمكن لأحد أن يتخيل قدرتها عليه، تأكيدا، ربما، لأن القوة الناعمة الحقيقية هي تلك التي أسسها عاشور الناجي، بخدمة السلطة للناس لا لمصالحها أو لخدمة الشيطان بتعبيره، ولتحقيق العدل الذي يجسد تمام الجمال، لأنه الخالد الوحيد حتى لو ضاع مرة ومرات على يد من يستبدلونه بالجمال المادي المزيف الذي لا يعدو أن يكون شكلا مختلفا لوليمة واحدة تنتظرها ديدان الأرض طال الوقت أم قصر. فيما العدل هو حلم البشرية الحقيقي الذي يخلد دوما من يحققوه باعتباره أمل البشرية وسبيلها الوحيد للتعايش على أرض الحارة، وعلى أرض حارتنا البشرية العملاقة أيضا.


نشرت في جريدة القاهرة في 9ديسمبر2014