Wednesday, October 29, 2014

المثقفون المزيفون.. الديمقراطية المزيفة!

المثقفون المزيفون.. الديمقراطية المزيفة!


إبراهيم فرغلي



حين صدر هذا الكتاب في لغته الأصلية بالفرنسية بيعت منه في الأسابيع الأولى لصدوره 200 ألف نسخة، فموضوعه الساخن يضمن مثل هذا الاهتمام الجماهيري بالتأكيد، كما أن كاتبه باسكال بونيفاس مفكر وأكاديمي فرنسي بارز، شغل منصب رئيس معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس، وأحد ابرز المحللين الاستراتيجيين الفرنسيين، والأهم أنه قرر عبر صفحات الكتاب أن يفضح من يعتبرهم "المثقفون المزيفون"، الذين يتوسلون الثقافة، ويعتلون المنابر الإعلامية المختلفة لكي يمارسوا الكذب، على حد وصفه، على الجمهور.

كتاب "المثقفون المزيفون" الذي صدرت ترجمته العربية عن دار ورد في دمشق، بتوقيع المترجمة روزا مخلوف، يكشف أنه ليس كتابا إشكاليا وجدليا فقط، بل لعله كتاب انتحاري أيضا، لأن كاتبه يتحدى منظومة التضليل الإعلامي الفرنسية ويغامر بالهجوم على لوبي الصهيوينة في فرنسا الذي يمنع أي محاولة للهجوم على اسرائيل أو الانتصار للعرب، متسلحا بالتهمة الأكثر شيوعا، والأقوى تهديدا في فرنسا وهي العداء للسامية. ولهذا رفضت 14 دار ناشر، على حد إشارة المؤلف نشر الكتاب خوفا من أن يلحق بها هذا اللوبي الخسائر! لكن كاتبا مثل بونيفاس سبق له أن نشر كتابا بعنوان "من يجرؤ على نقد إسرائيل" لا يبدو أنه يفتقر للشجاعة اللازمة لمواجهة اللوبي الصهيوني، وتحري ما يرى أنه الصدق والموضوعية في مناخ عام يفقتقر إلى تلك الخصال على ما يبدو.

فبالإضافة إلى مناقشة تفاصيل ما يسميه المؤلف محاولات التضليل الإعلامي لجمهور عريض، يتناول بالإسم ثماني شخصيات بارزة من المحسوبين على الوسط الثقافي والإعلامي بفرنسا، ويفضح بالتفصيل كل ما مارسوه على حد قوله من تضليل إعلامي في فرنسا.

"يذهلني كل اولئك المثقفين والخبراء الذين لا يتورعون عن اللجوء الى حجج مخادعة، وعن إطلاق الأكاذيب، من أجل حصد التأييد. تبدو وقاحتهم وانعدام ذمتهم بلا حد، وتشكل ورقة رابحة، وبدلا من مقابلتهم بالاستهجان العام يقابلون بمزيد من التهليل". هكذا يستهل باسكال بونيفاس كتابه قبل أن يشير إلى نوعين من المثقفين ممن يقصد ويسمي الفريق الأول منهم المثقفون المزيفون الذين "لكي يتمكنوا من إقناع المشاهدين أو المستمعين أو القراء يلجؤون إلى حجج هم انفسهم لا يصدقونها. قد يؤمنون بقضية لكنهم يعمدون إلى وسائل غير شريفة للدفاع عنها". أما الفريق الثاني ويعتبرهم بونيفاس أسوأ من الفريق الأول فهم "المثقفون المرتزقة" الذين، على حد وصفه، "لا يؤمنون بشئ سوى أنفسهم، ويتظاهرون بالانتساب إلى قضايا، ليس لقناعتهم بصحتها، بل لأنها في تقديرهم واعدة ولها مردود هام وتسير في اتجاه الرياح السائدة".
ويرى المؤلف ان كلا الفريقين يدركون مخالفتهم للأمانة الفكرية لكنهم لا يعبؤون بها لأن الغاية تبرر الوسيلة ولأنهم يرون أن الجمهور العريض ليس ناضجا بما يكفي، وبالتالي يمكن توجيهه ولو بوسائل لا تنطبق عليها معايير الأمانة. كما يرى أن اعضاء الفريقين، المزيفون والمرتزقة لا تتعرض وسائلهم للعقاب، لأن الكذب لم يعد سببا لفقدان الأهلية. "فمن الحماقة عدم الاستفادة من ذلك".

مع ذلك يؤكد المؤلف أن الجمهور في النهاية يفهم في النهاية حقيقة الأمور، ولو خدع جانب منه في البداية فإنه يفهم الحقائق في النهاية.

 يستعرض باسكال بونيفاس بعض الأسباب التي سهلت ظهور فئة المثقفين المزيفين موضحا أن الإعلام بأشكاله المعاصرة يتحمل جانبا كبيرا من ذلك مشيرا إلى أنه ف السابق حين كان أحد عمالقة الفكر مثل سارتر أو غيره يودون طرح قضية ما فإنهم يقومون بتأليف كتاب في الموضوع، أما الآن فهم يفضلون الظهور في وسائل الإعلام بدلا من إنتاج منتج فكري حقيقي. ويرى بالتالي أن المعايير اختلفت، إذ أصبحت "الصورة مفضلة على اللغة. من يبدو ظريفا ومن يجيد التعبير عن نفسه مفضل عمن يفكر على نحو سليم ومتسق".

وتزامن هذا مع الدخول القوي للأخلاق في الأجندة الدولية، بالإضافة إلى العولمة وتطور وسائل الاتصال، واعتبارا من هذه اللحظة لم يعد هدف الخبراء والإعلاميين إعلام الجمهور بل بالعكس؛ التأثير عليه لصالح بعض الداعمين أو الرعاة (سبونسور). ويصف بونيفاس ذلك بأنه "خيانة جديدة وجوهرية يقوم بها المثقفون. يتحول الوصول إلى الرأي العام بالنسبة لهم إلى وسيلة لتسويق أنفسهم. فهم يستخدمون الجمهور ولا يضعون أنفسهم في خدمته".

أما الأسوأ من ذلك هو عندما تتحول النزعة الأخلاقية إلى مكارثية حقيقية "ربما يميل البعض في الواقع الى اعتبار الخصم كائنا لا أخلاقيا، يجب محاربة حججهم وحتى منعها(..) وهم بتصرفهم على هذا النحو يغادرون الجدل الفكري ليدخلوا في نوع من الإرهاب الفكري".

يضرب الكاتب عددا من الأمثلة على ما يمارسه من يسميهم المثقفون المزيفون في فرنسا من تضليل إعلامي تجاه كل ما يخص العرب والمسلمين، بدعوى محاربة الإرهاب حيث أصبح الدفاع عن إسرائيل يمر بشيطنة الفلسطينيين والتوسع إلى شيطنة العرب والمسلمين بعد الربط بينهم وبين الإرهاب على نحو لا يقبل التفريق". والهدف كما يراه المؤلف أن يكف المراقبون عن انتقاد الاحتلال والقمع الذي يتعرض له الفلسطينيون.

كما يرى أن الذين يقومون بفضح ما يسمونه الاسلام الفاشي يفعلون ذلك لنجدة مجمعات الصناعة العسكرية التي انتصرت عن طريق تشجيع سباق التسلح لا سيما أثناء الحرب الباردة.

وفيما يتعلق بممارسات من يسميهم المزيفين في وقائع الربيع العربي يعلق المؤلف قائلا:
"شرحوا لنا من قبل بأن تأخر هذه البلدان الذي لا شك بأنه فطري جعلها محكمة الإغلاق في وجه الديمقراطية. كان ذلك يبر الحرب من أجل تحرير هذه الشعوب من حكامها الطغاة، مثلما حدث في العراق. تحرر شعب تونس وشعب مصر بنفسيهما. إنه الموت الثاني للمحافظين الجدد. هذا يبرهن أن الديمقراطيات تتشكل من الداخل".

يخصص الكاتب قسما تاليا في الكتاب لعدد من الشخصيات الإعلامية في فرنسا ممن يرى أنهم مارسوا التضليل الإعلامي على حد وصفه. وهم: الكسنر آدلر، المحاور في احدى القنوات الفرنسية، كارولين فوريست، الاعلامية والصحفية والناشطة المدافعة عن حقوق المرأة، محمد سيفاوي الصحفي الذي يؤيد إسرائيل على حد قول الكاتب، تيريز تلبش مديرة الشؤون الاستراتيجية في وكالة الطاقة الذرية، فريدريك إنسل الذي يقدم نفسه بوصفه خبير في شؤون الشرق الأوسط، فرانسوا هزبورغ، مستشار وزير الدفاع الاسبق، فيليب فال الإعلامي والصحفي، وبرنار هنري ليفي، المفكر الذي يخصه الكاتب بتاريخ مفصل منذ بداية ظهوره وحتى اليوم.

خلال هذه التفاصيل يتعرف القارئ ليس على ما يرى الكاتب أنه تورط من تلك الأسماء فيما يسميه التضليل الإعلامي، فقط، بل وأيضا على الكثير من القضايا التي لا تخص فرنسا فقط بل والعرب بشكل عام لأنها تتعلق بوقائع مثل الكاريكاتير المسئ للنبي محمد مثلا، وفكرة الحجاب، وحرب العراق.
لكن ما يبدو مذهلا حقا هو تعرض المؤلف لتوضيح ان بعض هؤلاء المذكورين يتحول إلى قوة مؤثرة على الإعلام والنشر بفضل شبكات العلاقات، تمنع انتقادهم بل وقيام بعض المحررين او الناشرين بنوع من الرقابة الذاتية في الإعلام لكل ما قد يتعرض لهم.

قراءة هذا الكتاب في الحقيقة  كانت بمثابة قراءة موازية للواقع الإعلامي العربي والمصري على نحو خاص، فكل مما يذكر في الكتاب في الحقيقة يحيل على تفاصيل واقعنا الإعلامي بشكل مثير. ولعل هذا جانبا كبيرا من أهمية هذا الكتاب، لكنه في الوقت نفسه يوضح أيضا كيف أن الأزمة الإعلامية اليوم طالت حتى أعتى الديمقراطيات مثل فرنسا ما يجعلنا نعيد تأمل فكرة الديمقراطية بالفعل ، ومدى حقيقة وأصالة صورة ما نطالب به اليوم من ديمقراطية، إذ كيف لديمقراطية حقيقية أن تفرز إعلاما مزيفا؟ بصياغة أخرى كيف تنقى الديمقراطية من عوامل تزييفها؟


الكتاب: المثقفون المزيفون
المؤلف: باسكال بونيفاس
المترجم: روزا مخلوف.
الناشر: ورد للطباعة والنشر- دمشق


عدد الصفحات: 174

نشر في صحيفة "الأهرام" - في 6 أغسطس 2014

Tuesday, October 28, 2014

ملالا يوسفزاي تتحدى الطالبان وتلهم العالم


حصلت على نوبل للسلام باستحقاق..
ملالا يوسفزاي تتحدى الطالبان وتلهم العالم


إبراهيم فرغلي




قبل عدة أشهر وقعتُ بالصدفة على فيديو لخطبة ملالا يوسفزاي في الأمم المتحدة بمناسبة تكريمها في اليوم الذي عُرف باسم "يوم ملالا"، الموافق العاشر من نوفمبر، عقب شهر واحد من محاولة اغتيالها على يد أحد أتباع جماعة الطالبان بسبب دعوتها لتعليم الفتيات وانتقادها لجماعة طالبان، وهو اليوم الذي أحياه الأمين العام للأمم المتحدة،  بان كي مون باعتبارها رمزًا عالميا للتذكير بالهدف من التعليم الواجب توفيره لكافة أطفال العالم.



وأعترف أنني تأثرت بالثقة الشديدة التي تتخلص من شوائب الغرور أو المراهقة، وأعجبت بالخطاب المفوّه للفتاة ذات الخمس عشر ربيعا التي اتشحت بالوشاح الذي كانت ترتديه رئيسة وزراء الباكستانية الشهيدة بنازير بوتو.


ورغم ذلك فحين أعلن عن حصولها على جائزة نوبل للسلام الأسبوع الماضي، تلقيت الخبر بحذرٍ وتحفّظ، لا علاقة له بيقيني في أحقية هذه الفتاة الشجاعة الملهمة، بقدر ما تعلق بريبتي في الجائزة نفسها التي أظنها كانت محل جدل وريبة واختيارات مريعة على مدى سنوات.

لكني حين انتهيت من قراءة  سيرة ملالا التي صدرت ترجمتها العربية على يد أنور الشامي عن المركز الثقافي العربي، قلت لنفسي هنيئا لنوبل للسلام، هذا الاختيار الذي يمكن أن يزيح عن الجائزة قدرًا كبيرًا من الآثام التي ارتكبتها باختيارات غير موفقة أو مبررة، أثرّت على  سُمعة الجائزة على مدى سنوات.  
تبين لي سرّ فصاحة ولباقة ملالا، عبر سطور الكتاب، حين قصّت في معرض تناولها لسيرة والدها ضياء الدين يوسفزاي، كيف أنه كان يعاني من صعوبات في الكلام حيث تتعلق الكلمات في فمه، ويتعتع في نطق كلمة ما كأن جدارًا يقف أمام الكلمة ويمنعها من الحركة، وكان ذلك مثار سخرية والده، فما كان من الأب إلا أن تحدى نفسه وشارك في مسابقة للخطابة، وفاز بها. ولا شك أنها ورثت هذه المقدرة المدهشة عن والدها.

يتضمن الكتاب سيرة سريعة لوالدها ووالدتها، وقصة حبهما التي تعد قصة نادرة في مجتمع ذكوري لا تُحترم فيه المرأة، وتجمع قصتهما، في الوقت نفسه، بين رجل وهب نفسه لكي يحقق حلمه في أن يمتلك مدرسة ويديرها لأنه لم يستطع أن يعمل مدرّسًا في مناخ يضيّق على الطلبة ويعيق القيم الحقيقية للتعليم القائم على الفهم والصداقة بين الأستاذ والطالب، وبين، بِكاي، المرأة الجميلة التي لم تتعلم رغم حصولها على فرصة التعليم في طفولتها، ولاحقا حين وقعت في حب ضياء الدين وتزوجته ندمت على الفرصة التي تخلت عنها حين اكتشفت عدم قدرتها على قراءة القصائد التي يكتبها لها، والتفاعل مع رجل يهوى القراءة وأمله أن يدير مدرسته الخاصة. لكن اللافت هو تقدير ضياء الدين المستمر لها، واستشارته له في كل شؤونه. "بكاي، لقد اختلط عليَّ الأمر فساعديني".

 تحكي ملالا كذلك عن الجد والد الأب، وتفاصيل نشأته خطيبًا وفقيهًا دينيًا، لكنه كان مستنيرًا مثلما نشأ ابنه الذي عُرف عنه أنه لم يخش النقاش في أي شأن يخص انتقاد الملالي أو الجيش أو السلطة بصوتٍ عال..

يتضمن الكتاب سردًا دقيقًا لتاريخ وادي سوات، شمال غرب باكستان قرب الحدود مع افغانستان، والذي تصفه يوسفزاي باعتباره قطعة من الجنة بتلاله الشاهقة وجداول المياه المنتشرة به وبساتينه، وثلوجه الشتوية، التي تزيح كل آثار الصيف المتفاعلة مع آثار الفقر وقلة المياه النظيفة وانتشار القمامة وندرة وسائل الصرف. وتتتبع تاريخ قبائل البشتون التي تنتمي لها، الذين يعلون من قيمة الشرف كقيمة لا تعادلها قيمة أخرى إلا الكرم، ولا يسير أي منهم بلا سلاح في الوقت نفسه، كما تشير لسلبيات البشتون فيما يتعلق بنظرتهم الدنيوية للإناث التي لا تجعل من ولادة الأنثى سوى موضعا للخزي، ولكنها تفخر بأن أباها كان ولا يزال فخورا بها رغم أنها حظيت لاحقا بشقيقين هما خاشوم وأتليل. فقد أسماها تيمنا باسم المناضلة الأفغانية ملالاي مايواند، التي شاركت في الحرب الأنجلو أفغانية عام 1880 وقتلت بين النيران فألهبت حماس الرجال وانتصروا في حربهم تلك ضد الانجليز.

كما تسرد تاريخ الوادي قبل الاستعمار، وصولا إلى التقسيم الذي جعل منه جزءا من باكستان أول دولة إسلامية في العصر الحديث على يد محمد علي جناح، ثم تاريخ الباكستان المعاصر، بحروبه الثلاثة مع الهند، مرورا بفترة نهاية السبعينات حين بدأت الحرب الأفغانية الروسية التي شهدت بداية تكون جماعات الجهات المسلحة، ودعمها من قبل الأمريكان، ثم تطورها بالدعم العاطفي من أناس متدينين بالفطرة وغير متعلمين ولا يعرفون العربية، مما جعلهم أسرى تفسيرات الملالي للدين غير الصحيحة. وحين انتبه الشعب للخطر الذي يمثله الطالبان وزيف دعاواهم كان الوقت قد تأخر كثيرًا.

ويلقي الكتاب الضوء بشكل مفصّل على العلاقة المركبة بين أمريكا وباكستان والتي وصلت طريقا شبه مسدود بعد تنفيذ عملية قتل "بن لادن" من دون معرفة المخابرات الباكستانية، ما أحرج الدولة الباكستانية أمام مواطنيها، وجعل الكثيرون يتأكدون مما تردد مطولا عن أن الجيش والطالبان بينهم توائمات ما تسببت في تغلغل طالبان في الحياة في باكستان، وأن تساهل الجيش لسنوات معهم أسهم في إطلاق قبضتهم حتى عادوا بالبلاد إلى زمن سحيق.

تسرد بالتفصيل معاناة شعب فقير، قليل الحيلة، لا يعرف شيئا عما يدور خارج واديه الصغير، تسلطت عليه قوى الملالي فضل الله ومن تبعه، وهم يمنعون الناس عن الغناء والموسيقى والتعليم، بالقوة حتى أنهم فجّروا 400 مدرسة، ومنعوا الفتيات من الالتحاق بالمدارس، بالتوازي مع قصة كفاح وعناد من أبيها وبعض أقرانه لقضية التعليم وأهميته في رفع شأن بلادهم من جهة وكسلاح رئيس لمواجهة الأفكار المتطرفة التي يمثلها طالبان والملالي. وتأثرها بذلك كله هي التي تصف نفسها أنها تقريبا نشأت في المدرسة وعاشت بها أكثر مما عاشت في منزلهم البسيط الفقير. 

وكان شغفها بالقراءة والتعلم والتفوق أمرًا أساسيًا تعده مصيرًا لا رجوع عنه هي وصديقتي طفولتها اللتين كانت تتقاسم معهما التفوق. وكانت واحدة منهما معها لحظة تلقّيها الطلقات التي أرادتها قتيلة لولا عنياة القدر. تصف أيام الرعب التي سادت حين امتلك طالبان السلطة من دون أي تدخل يذكر من الدولة، ونزوح أغلب السكان خارج الوادي حين قرر الجيش أخيرًا أن يقضي على سلطة طالبان، بعد شهور طويلة من الرعب ومشاهد الذبح للأهل والأصدقاء الذين كانوا يرون جثثهم ملقاة في الشوارع في صباح كل يوم. ثم عودتها من منفاهم الاختياري في قرية الأب شانجلا، وهي أكثر رغبة في التعلم وفي تبني قضية تعليم الفتيات في بلدها كقضية مصير، وهو ما جعلها تتحدث لوسائل الإعلام الأجنبية.

 ثم تلقت دعوة من بي بي سي لكتابة يومياتها باسم مستعار هو جول ماكاي، تسرد الفظائع التي تتعرض لها الفتيات اللائي يرغبن في إتمام تعليمهن في سوات. وسرد تفاصيل الواقع اليومي المخيف غير الآمن لأي شخص لا يتبع أهواء طالبان، حيث يقتحمون البيوت والمحال ويقومون بجلد الناس وتعذيبهم أو قتلهم، وتحظى الفتيات والسيدات بالجانب الأكبر من التهديد. وصولا إلى استهدافها شخصيا بالقتل حيث تروي الوقائع الدامية لهذه التجربة المأساوية.

هذا الكتاب مُلهم على أكثر من مستوى، فهو يقدم نموذجًا لفتاة لا يتجاوز عمرها 16 عامًا، لكنّها ذات إرادة قويّة ربما كان لها دور ليس فقط في مواجهة مخاوفها في تحديها لسلطة طالبان فقط، بل وفي تشبثها بالحياة وعودتها أكثر شجاعة وقوة. كما أنها تُقدم دليلا عمليا على أن التغيير لا يتم بالثرثرة والنقد السلبي فقط بل، أيضا وأساسا، بالمواقف والعمل حيث انها ساعدت والدها من خلال الجوائز التي تلقتها قبل نوبل في مساعدته لتحديث مدارسه، وفي إنشاء مؤسسة لمساعدة الأطفال الراغبين في التعلم في العالم. والأهم من هذا كله أنها قدمت ولا تزال تقدم للأطفال والشباب في أرجاء العالم وليس في باكستان فقط نموذجا ناصعا لكيفية مواجهة المستحيلات والقدرة على تغيير العالم حين يمتلك الفرد القدرة على أن يرفع صوته ثم يبادر بعد ذلك مباشرة بالفعل وهو يرى أحلامه في الأفق ولا يحيد عنها. بروح ناضجة لم تتخل عن طفوليتها في الوقت نفسه وهذا سر عبقريتها في تقديري. وهذه تحية مني لشخصية مميزة ألهمتني شخصيا.

الكتاب: أنا ملالا.
المؤلف: ملالا يوسفزاي
المحرر: كريستينا لامب.
المترجم: أنور شامي.
الصفحات: 416
الناشر: المركز الثقافي العربي – المغرب


 نشر مختصرا في جريدة الأهرام في 22 أكتوبر 2014، وهذه النسخة الكاملة من المقال 

لمن يرغب الإطلاع على لقاءات وخطب ملالا يوسفزاي قبل وبعد نوبل هنا بعض الروابط: 



Monday, October 27, 2014

الأب الروحي للرواية الكويتية


إسماعيل فهد إسماعيل
الأب الروحي للرواية الكويتية

إبراهيم فرغلي





يوصف إسماعيل فهد اسماعيل أنه الأب الروحي للأدب الكويتي، وهذا صحيح، على مستوى إنتاجه الأدبي أولا، وعلى المستوى الإنساني تاليا. فمسيرة اسماعيل فهد الأدبية الكبيرة بدأت مع منتصف ستينات القرن الماضي، وفي تقديري أنها بدأت من حيث انتهى الآخرون. فقد تجلى منذ أول نصوصه المنشورة "كانت السماء زرقاء" انحيازه للمغامرة الأدبية وللتجريب، وحرصه على تأسيس لغة وأسلوب يخصانه وحده. وكلما تقدم في مسيرته كلما بدا هذا الصوت أكثر خصوصية.
أما على المستوى الإنساني فهو بالتأكيد الأب الروحي للأدب الكويتي، تجمعه علاقات المودة والإنسانية مع الجميع، من الأجيال والتيارات الأدبية في الكويت كافة. ولا يمر يوم إلا وتجده حاضرا لأمسية أدبية أو مناقشة لكاتب شاب، أو شاعرة من الأجيال الجديدة، وفي مكتبه حيث يتفرغ للعمل الأدبي والكتابة منذ أكثر من عقدين، تجد بابه مفتوحا لمن يرغب من أصدقائه الكتاب والشباب، يمنحونه مخطوطات أعمالهم الأدبية، أو نسخا من أعمال جديدة، ولا تجده إلا مهتما، يقرأ ويمنح من وقته، ويعطي ملاحظاته وانطباعاته.
وأعتقد أن هذا السمت الإنساني يتجلى بشكل ساطع في نصوصه الأدبية، ربما بما يفوق أي كاتب عربي آخر، وأقصد بالإنسانية هنا، أن اهتمامه كأديب، بعد الأولوية الأولى المكرسة للتجريب والبحث عن أساليب سردية خاصة، لا يتوقف على المجتمع الكويتي وهمومه، بل يتعدى ذلك لقضايا الإنسانية أيا كان موطنها.

أدب إنساني النزعة

على سبيل المثال ستجد أن عمله المتفرد "النيل الطعم والرائحة"، والذي صدر في عام 1987 يتبنى قصة حب بين البطل وهو فلسطيني الجنسية وبين بطلة العمل المصرية. رواية طويلة بينما زمن الحدث الرئيس فيها لا يتجاوز ليلتين يذهب فيهما الراوي سليمان الحلبي، الفدائي الفلسطيني، إلى القاهرة، لتنفيذ عملية اغتيال لأحد رموز التطبيع وخيانة القضية الفلسطينية في مصر، فيقع في غرام نادلة مقهى الفندق، فندق شبرد، شيرين، وتتوالى تداعيات الذاكرة وقصة حياة الفتاة ناسجة نصا سرديا بديعا. يتناول الكثير من الأفكار عن الحب والعمل الثوري والخيانة ومعنى العمل الفدائي والخوف والشجاعة. كما يتتبع مقاربة بين سليمان الحلبي الذي قام بعملية اغتيال كليبر الفرنسي في القاهرة في زمن الحملة الفرنسية، في موقع مؤسسة حكومية، هو نفس موقع فندق شبرد الراهن، وبين سليمان الحلبي المعاصر في الرواية. كما نجد نص مسرحية "سليمان الحلبي" لألفريد فرج، وما كتبه الجبرتي عن وقائع اغتيال كليبر، ماثلة في النص، وموظفة بحرفية وفنية عالية. لكن الأهم هنا هو الأسلوب السردي القائم على المزج بين المونولوج الداخلي، والأتو بيوجرافي، في تداعياته لسرد ما يحدث في مستوى، وعمل الذاكرة في اللحظة الراهنة للحدث في الوقت نفسه، وفي تداعيات الذاكرة للزمن الماضي في مستوى تال. وقد حصل اسماعيل فهد اسماعيل على الجائزة التشجيعية في الكويت في ثمانينات القرن الماضي عن هذه الرواية العلامة.

أما في رواية "الشياح" فيتناول تعقيدات الحالة اللبنانية من خلال تفاصيل الحرب الأهلية في بيروت منتصف السبعينات محاولا أن يلقي الضوء على تفاصيل هذا الواقع بالغ التعقيد للتركيبة الطائفية في لبنان وانعكاسها على المواطن اللبناني، محاولا أن يفك شفرة التعقيد الطائفي في التركيبة السكانية اللبنانية وانعكاسها على الذهنية اللبنانية وسلوكياتها، كما يتأمل في الوقت ذاته فكرة الطائفية نفسها حين تتحول من جوهر قضيتها الرئيس المتعلق بالعقيدة والأخلاق، إلى مجرد وسيلة للاقتتال الطائفي، ومحاولة ضرب المشروع التعددي اللبناني.
وقبل هذا كله يكتب عملا روائيا فريدا بعنوان "النيل يجري شمالا" يتناول بشكل درامي تعقيدات حياة فتاتين مصريتين تعيشان في قرية تدعى "كفر عسل"، قريبا من منطقة الجيزة، في فترة تاريخية تعود إلى عهد المماليك مسلطا الضوء على فكرة القهر والعبودية بين الإقطاع والسلطة وبين الشعب الفقير. وهو بالمناسبة ربما العمل الوحيد بين أعمال اسماعيل فهد جميعا، تقريبا، الذي تخلى فيه عن نزعته للتكثيف واستخدام الجمل المبتورة والحيل السردية القائمة على التقطيع بطريقة المونتاج السينمائي التي ميزت أعمالا أخرى عديدة من أعماله الروائية. فقد التزم في هذا النص، نبرة سردية تناسب الطابع التاريخي للرواية، ومنح السرد نفسا طويلا وأعطى للجملة السردية حقها كاملا، بشكل ربما لم يقم به في أي نص آخر مما كتبه.


جهد بحثي روائي

وفي كل هذه النصوص يمكن للقارئ أن يستشعر مستوى الجهد البحثي المبذول من الكاتب في تقمص روح البيئات التي يتحدث عنها، من حيث المشاهدة والتتبع الجغرافي ووصف الأماكن والطرقات والبشر، أو من حيث التقصي التاريخي للأحداث المعاصرة والتاريخية. إضافة للإقناع في تقمص الشخصيات والهوية التي يمثلها كل منها.



لكن في نصوص أخرى نجده يتخذ مسرحا عالميا أو عولميا للأحداث ، قد يكون الكويت أو العراق أو مصر أو الشام، إذ لا يكون تأثير البيئة المحلية على الشخوص هو هم الراوي هنا، بقدر ما يكون الهم الإنساني العام هو موضع الرسالة الفنية والأدبية، وعلى سبيل المثال ففي روايته القصيرة، أو بالأحرى "النوفيلا" التي تحمل عنوان "الحبل" يتتبع النص "حالة" شخص يبدو شديد التعلق بحبل الغسيل، ويبدو له هذا الحبل مثل هاجس ذهني، يقوم الكاتب باللعب به في أكثر من مستوى، فهو حبل الغسيل الذي يحمل ثياب زوجته، من جهة، وهو في مستوى تال حبل الغسيل المستهدف بالسرقة لأجل أن يحضر ما يستقر عليه من ثياب لها. وهو في مستوى ثالث وسيلته، كلص محترف في التسلق إلى نوافذ الشقق التي يرغب في سرقتها. ثم في مستوى آخر هو الحبل الذي أدمى كفيه حين كان طفلا صغيرا، وبعد أن دخل السينما للمرة الأولى ليشاهد فيلم طرزان، وحين حاول أن يقلد طرزان وكاد يسقط تشبث بالحبل حتى احترقت يديه بالتمزق والألم وسقط بهما داميتين.

والحبل، في الوقت نفسه، هو غاية بطل العمل في محاولته لكي يستعيد حقه المسلوب من السلطة. السلطة التي منعته من السفر من العراق إلى الكويت لكي يجد فرصة للقضاء على الفقر، وفي الساعات القليلة التي قضاها هناك وحصل على مبلغ عشرين دينارا كان سعيدا أنه سيعود بها لزوجته، صودرت منه، وظل بعدها لا يفكر سوى في الثأر من مغتصبي العشرين دينارا، وهكذا قرر أن يصبح لصا، لكنه لا ولن يسرق سوى رجال السلطة، وبالتحديد سوى رجال الشرطة. إنه روبين هود عربي، صوره اسماعيل فهد بأسلوبه الخاص، ليبدو لنا روحا ملتهبة بالقهر والألم والغبن والإحباط في عالم لا يحترم الفقراء ولا يساعدهم على أن يتجاوزوا فقرهم. مجتمع لا يجد فيه الفقير من ينصره، فيضطره للبحث عن حقه بنفسه وأخذ ثأره بيديه من مغتصبي حقه.


أول نص

بينما نشر هذا العمل في العام 1972 لأول مرة، إلا أن اسماعيل فهد اسماعيل أوضح لي أن هذا النص قد كتب قبل رواية "كانت السماء زرقاء"، وبالتحديد في العام 1961. والمعروف أن أول نص نشر لاسماعيل فهد، بدعم من صلاح عبد الصبور وعبدالرحمن الأبنودي هو رواية "كانت السماء زرقاء" في عام 1970، وكان قد انتهى من كتابتها في العام 1965، لكنها منعت من النشر في العراق وفي سوريا، ولم يتم نشرها الا في القاهرة أخيرا في 1970.  وقد كتب صلاح عبدالصبور في تقديمه للرواية :" الشاعر صلاح عبد الصبور في تقديمه للرواية:
 "كانت الرواية مفاجأة كبيرة لي، فهذه الرواية جديدة كما أتصور. رواية القرن العشرين. قادمة من أقصى المشرق العربي، حيث لا تقاليد لفن الرواية، وحيث ما زالت الحياة تحتفظ للشعر بأكبر مكان. ولم يكن سر دهشتي هو ذلك فحسب، بل لعل ذلك لم يدهشني إلا بعد أن أدهشتني الرواية ذاتها ببنائها الفني المعاصر المحكم، وبمقدار اللوعة والحب والعنف والقسوة والفكر المتغلغل كله في ثناياها".

نقد اجتماعي

في مرحلة متقدمة من مشروعه الفني سنجد أن اسماعيل فهد لا يفلت مشروعه الأدبي الإنساني العالمي حتى وهو يقارب بعض المشكلات الاجتماعية في الكويت. ففي روايته "بعيدا إلى هنا" يتناول مجتمع الوفرة الكويتي بعد النفط، وما أصابه نتيجة هذه الوفرة من بعض السلوكيات السلبية وفي قلبها قضية تربية الأطفال، حيث سادت ظاهرة استعانة الأزواج بالخادمات للعناية بالأطفال، بشكل تام، بل ولدرجة انقطاع العلاقة الصحية بين الوالدين وأطفالهما، مشيرا إلى التأثير السلبي على القيم والسلوكيات. لكنه في الوقت نفسه لا يدع عينيه تشردان عن قضية تخص هؤلاء الخادمات من جهة أخرى، القادمات من مجتمعات فقيرة، من أجل الحصول على بعض المال لإعانة أسر فقيرة، وقلوب مريضة أو تربية أبناء لا يجدون الطعام.
يتوزع السرد في النص بين ضمير الغائب حين يصف وقائع اكتشاف الزوجة فقدانها لعقد ماسي ببضعة آلاف من الدينارات، أصرت على أن يشتريه لها زوجها رغم معارضته من أجل إرضاء نزعة استهلاكية أصابت الكثير من سيدات المجتمع الكويتي آنذاك، واتهامها للخادمة السيلانية التي كانت تعمل على رعاية ابن العائلة الكويتية بضمير أمومي تام، حتى يتعلق بها الطفل تعلق الابن بأمه، ثم يأتي ضمير المتكلم ليعبر عن مونولوج داخلي للفتاة السيلانية كومار، التي وجدت نفسها بين ليلة وضحاها في المخفر متهمة بجريمة لم ترتكبها، مصابة بالرعب والألم، بينما تتوزع مشاعرها المشتتة بين الطفل الذي لم تتخلى عنه لحظة واحدة منذ وطأت قدميها أرض الكويت، وبين الكوارث التي تركتها خلفها في بلادها، في مدينة كولومبو، أب مريض بالسرطان بعد وفاة الأم، وحبيب ينتظر عودتها لكي يعيش معها حياتها المؤجلة، وتفاصيل الواقع المأساوي الفقير.
لكن النص في الوقت نفسه يبدو كمتنين سرديين الأول ينحو نحو الاختزال والتكثيف بشكل يصل إلى حد المبالغة، بينما الآخر يبدو أكثر ترابطا، وكذلك تماسكا، وميلا للجملة الطويلة، ربما بسبب الالتجاء للوصف للمجتمع السيلاني، والعاصمة السيلانية كولبو، وخصوصا مشاهد مزارع الشاي وقطافه، وأنواع أشجار الشاي، وغيرها من التفاصيل.

مراحل سردية

أجدني هنا مضطرا للتوقف أمام ظاهرة خاصة بنقلة ما في السرد الإسماعيلي. وأظن أنني، في حدود ما قرأت من أعمال اسماعيل، وقد قرأت نصف أعماله تقريبا من أصل 25 رواية وقصة. يمكنني أن أجد أن السرد لديه مر بأربعة مراحل تقريبا.
المرحلة الأولى التي تبدأ مع أولى نصوصه وحتى رواية "النيل الطعم والرائحة" الصادرة عام 1989. وقد كان انحيازه فيها جميعا للتجريب واضحا، لكنه حافظ على نوع من التوازن المقبول بين الاختزال والتكثيف بما لا يتعارض مع سيولة السرد والجملة السردية.
ثم جاءت فترة الغزو، وبقي اسماعيل فهد بين من قرروا البقاء في الكويت، بل وانخرط في أعمال المقاومة الوطنية، سواء المدنية أو المسلحة. وبعد التحرير، سافر إلى الفلبين وهناك أنجز سباعيته الشهيرة "إحداثيات زمن العزلة"، التي قدم فيها ملحمة سردية لقصة غزو الكويت وتحريرها من الاجتياح الصدامي الغاشم، وانعكاس تلك الوقائع على الحياة اليومية لمواطني الداخل الكويتي، ومن بقي معهم من الوافدين. وهذه هي المرحلة السردية الثانية في مشوار اسماعيل فهد.




وثالثا بدأت مرحلة أدبية أخرى منذ نهاية التسعينات، بينها نص "بعيدا إلى هناك"، وفيها بدأ ينحاز بشكل كبير إلى التكثيف والإيجاز بشكل مبالغ فيه. وبالحوار الذي يشغل جانبا كبيرا من متن تلك الأعمال. وربما يعود ذلك إما إلى تأثره بكتابة السيناريو للدراما، أو لانحيازه لقيم التكثيف بشكل أكبر. وربما أيضا لتأكيد شكل سردي مميز، يذكرنا أحيانا بأعمال آلان ديلون في السينما، أو بالطريقة التي يتحدث بها أبطال أعمال الفنان المصري الراحل يوسف شاهين، حيث يبدون جميعا وكأنهم يتحدثون بطريقة المخرج. وربما يعود ذلك إلى حلم اسماعيل فهد اسماعيل القديم بالكتابة للسينما، أو العمل فيها كما صرح هو بنفسه قائلا :" قال إسماعيل إنه تمنى في صغره أن يكون مخرجا سينمائيا ورتب نفسه على هذا الأساس، وكان يحضر لدور السينما بشكل شبه يومي ليتابع الأفلام المتميزة وتاريخ المخرجين، إلا أن حلمه تبدد على صخرة المعوقات الاقتصادية والعائلية والدراسية، وتم تأجيل الحلم. غير أنه حقق حلمه بشكل أو بآخر عن طريق الرواية".

وأخيرا المرحلة الرابعة مع رواية "العنقاء والخل الوفي"، التي استعاد فيها الحس السردي الملحمي، مع تقنيات سردية جديدة بدا فيها اهتمامه بالوصف والسرد على حساب الحوار. وببناء روائي له تكنيك شديد التركيز والتماسك على الرغم من النفس الملحمي. وأظنه هنا قد وفق في عمل توازن كبير بين السرد وفجوات النص التي يريد القارئ أن يشاركه إياها، وهو ما عبر عنه بالقول :" لمّا يضع الواحد نصب وعيه أنه يخاطب قارئا نبيلا نبيها في الوقت ذاته، يلزمه احترام ذكاء شريكه، ولأنه شريكه يتوجب تحقيق فسحة مشاركة في كتابة العمل، وبعكسه لا توجد فراغات وسط المعاني تقتضي إشغال الذهن بمعالجتها، القارئ حسب رأيي يعيد كتابة النص خلال تلقيه له".
مضيفا أنه "يبقى واجب الاعتراف: لا كتابة مسؤولة من غير أيديولوجيا متخفية وراء المعاني، بيد أن أيديولوجيا متسقة مع موقف الكاتب شأن اتساقها مع الظرف الموضوعي ستكون مادة حوار داخلي لدى القارئ المعني، دون خدش لذكائه أو مساس بمشاعره".

مسك وظاهرة "التقليلية"!


أظن أن روايته القصيرة، او بالأحرى النوفيلا التي صدرت بعنوان "مسك" كانت بمثابة ذروة ما وصل إليه من الاختزال والاقتضاب في أعماله الأدبية جميعا.
فعندما انتهيت من قراءة نص مسك، بل وفي أثناء القراءة، لاحظت تنبه حواسي للاختزال الشديد في النص، وهو ما استدعى لديَّ ظاهرة فنية تجلت خلال ستينات القرن الماضي في مجالي الفن التشكيلي والموسيقى، تمثلت في تقليل عناصر اللوحة التشكيلية أو القطعة الموسيقية من حيث الآلات أو النوتة الخاصة بكل آلة، وتحولت إلى صرعة حداثية عرفت بالمينيماليزم، Minimalism، ظهرت لمناهضة بعض الاتجاهات العبثية في الفن سرعان ما أصبحت جسرا بين الحداثة وما بعد الحداثة، خصوصا بعد أن انتقلت لاحقا إلى مجالات فنية أخرى مثل الفنون البصرية، ووصولا إلى التصميم الداخلي المستلهم من الفلسفة اليابانية، وخاصة من أسلوب "الفينج شوي".

في نص "ِمسكْ" يعتمد إسماعيل فهد إسماعيل هذه النظرية الفنية ببراعة، إذ انه يعمد إلى تقليل عناصر الرواية إلى اقل حد ممكن، سواء على مستوى الحيز المكاني الذي لا يزيد عن مساحة طائرة ضيقة، ثم ردهة انتظار ضيقة في أحد المطارات الأوربية، أو على مستوى الزمن؛ حيث لا يتجاوز زمن الرواية الأساسي مسافة الرحلة من الكويت إلى أثينا ومنها إلى برلين، أو مستوى الشخصيات؛ حيث لا نرى في الرواية سوى الراوي وثلاثة نماذج اخرى ممن تعرضوا للاشتباه في مطار أثينا من سلطات المطار في إطار فوبيا الإسلام والعرب التي أصابت الغرب عقب احداث الحادي عشر من سبتمبر التي ما زالت آثارها ماثلة حولنا حتى هذه اللحظة.
أما الزمن الاعتباري للرواية فيمتد إلى عشرين عاما تحملها ذاكرة الراوي وتختزلها في واقعة حضوره لليونان مع حبيبته وزوجته السابقة إيمان قبل عشرين عاما إلى أثينا لقضاء شهر العسل.

    وتتقاطع وقائع قصة الحب – الزواج- الطلاق، مع قصة الرحلة التي يتعرض فيها الراوي؛ الديبلوماسي الكويتي، للتحقيق من قبل سلطات مذعورة، تشتبه في كل شخص؛ لمجرد أنه عربي، وتخفق، رغم كل احتياطاتها، من تمرير شخصيات الإرهابيين إلى طائرة أخرى متجهة إلى برلين، تصادف كونها الطائرة نفسها التي يتوجه فيها الراوي إلى جهة سفره.
  وهكذا يضغط الكاتب المكان والزمن والحدث والشخصيات، ويستخدم لغة مكثفة مختزلة تتناسب مع هذا التقليل في كل عناصر السرد.

   ومن المهم هنا التأكيد على أن "المينيماليزم" لا يعني التبسيط، بل الاختزال، وإعادة التركيب بالتركيز على عناصر أساسية، وإضاءتها بحيث تكشف ما يتعلق بها من تفاصيل، دون اللجوء إلى وصفها بتفاصيلها المركبة، وكأنها محاولة لتفكيك الحدث المركب، وإعادة تنظيم عناصره.
تلعب اللغة في هذا العمل دورا بطوليا في تأكيد التناول الفني لظاهرة المينيماليزم، أو التقليلية كما تترجمها بعض المعاجم، وصحيح أنها سمة عامة من سمات أعمال إسماعيل فهد، لكنها هنا تبدو مختزلة إلى أبعد حد ممكن، بحيث تبدو أحيانا كأنها مجرد دلالات مشفرة لمعاني قد تحتاج إلى العديد من الصفحات لوصفها.

   ولا يتوقف الأمر في اللغة المشفرة على السرد، والمونولوج الداخلي الذي يتفجر بين آن وآخر بجملة مكثفة كاشفة ودالة، بل ويتجاوز ذلك للحوار الذي يأتي مقتضبا في الحوارات الخاصة بمرحلة التحقيق مع المشتبه فيهم، أو بين الراوي وحبيبته.
  ويأتي مسرح سرد وقائع تعرض الراوي للتحقيق، في أجواء الترقب والقلق والتوتر والخوف، ثم تعرض الطائرة التي تقله لاحقا إلى عمل إرهابي حقيقي، كمساحة مثالية للغة المتوترة التي تتناسب تماما مع هذه الأجواء.

 وهي لغة قريبة جدا من اللغة التي استعملها الكاتب في قصة "بوغريب مع التحية" من مجموعة "ما لا يراه نائم"، ربما لأن لها أجواء قريبة الشبه من أجواء هذه الرواية بشكل أو بآخر.

هنا يبدو النص منحازا للشكل، والإيجاز، والتقليل، والتجريب على حساب المضمون، وخصوصا في هذ االجانب الذي يعتبر من صلب أبرز ما يثيره النص من إشكالات كان من الممكن أن يمنح النص قدرا أكبر من العمق، ليس في تقديم الإجابات بل حتى في توسيع مساحات السؤال حول الذهنية الأحادية في المجتمعات العربية واسباب تكريسها في هذه المجتمعات، خصوصا وأن السرد يقدم نموذجا شكليا للظاهرة عبر اعتماد صوت رئيس واحد هو صوت السارد.
ولعل اسماعيل فهد قد انتبه بالفعل إلى ذلك وقرر أن ينقل نقلة جديدة في سرده حيث قال لي تعليقا على هذه الملاحظة : أعمالي بشكل عام بالفعل، باستثناء أعمال قليلة جدا بينها "النيل يجري شمالا"، تتسم بهذه السمة، وهو ما أسميه دراما اللغة، بكل ما يقتضيه ذلك من اختزال وتكثيف واختصار. لكني أشعر الآن وخلال العمل الذي اكتبه باحتياجي لاستعادة روح اللغة المسهبة المشبعة بما تقتضيه الشخصيات ونكهة المكان، وأريد ان أكتب رواية بمعناها الحقيقي، وهو ما ينعكس على إنجازي حيث أكتب الآن يوميا نصف صفحة فقط، على الرغم من تفرغي، وهو معدل اقل كثيرا مما اعتدت عليه، لكي تأخذ اللغة حقها كما أريد".

إن مسيرة إسماعيل فهد إسماعيل الروائية والسردية عموما واحدة من التجارب الأدبية العربية الخصبة، والتي رغم أهميتها وما راكمته من منجز، ورغم ما حظيت به من اهتمام نقدي أيضا، فإنها حتى الآن لم تدرس بالشكل الكافي، ولم تحصل على حقها من التأمل والنقد الأكاديمي، وهو ما يأتي في إطار إشكالات ضعف مستوى العلوم الإنسانية العربية والنقد في جوهرها.
لكنها تظل تجربة استثنائية ألهمت العديد من أجيال الكتاب، ووجدت صداها عند مساحة واسعة من قراء الأدب العربي، وأظن أن الجيل الجديد في الكويت اليوم يقبل على قراءة أعمال اسماعيل فهد اسماعيل رغم حداثتها، ونزوعها للتجريب مما يؤكد تشكل ذائقة جديدة في الأدب لا أشك أنها ستتسع في المستقبل القريب.

تبقى الإشارة إلى أن اسماعيل فهد لعب دورا بارزا في تأريخ أجيال القصة في الكويت، وخصوصا أجيال الرواد، كما كتب عن بعض الكتاب من مجايليه وبينهم الشاعر علي السبتي، والكاتبة الرائدة ليلى العثمان. إضافة إلى العديد من الدراسات الأدبية والنقدية في الأدب والدراما والمسرح.



برواز :


إسماعيل فهد إسماعيل


 كاتب وروائي كويتي. من مواليد 1940م. حصل على بكالوريوس أدب ونقد من المعهد العالي للفنون المسرحية - دولة الكويت. عمل في مجال التدريس وإدارة الوسائل التعليمية، وأدار شركة للإنتاج الفني. وتفرغ للعمل اأدبي والكتابة منذ العام 1985 وحتى الآن.
الجوائز التي حصل عليها:
  • جائزة الدولة التشجيعية في مجال الرواية، عام 1989.
  • جائزة الدولة التشجيعية في مجال الدراسات النقدية، عام 2002.
-         جائزة الدولة التقديرية. عام 2004.


أعمال إسماعيل فهد إسماعيل :



1-   البقعة الداكنة. قصص (1965).
2-    كانت السماء زرقاء. رواية (1970).
3-    المستنقعات الضوئية. رواية (1971).
4-    الحبل. رواية (1972).
5-   الضفاف الأخرى. رواية (1973).
6-    الأقفاص واللغة المشتركة. قصص (1974).
7-    ملف الحادثة 67. رواية (1975).
8-    الشياح. رواية (1975).
9-      الطيور والأصدقاء. رواية (1979).
10-                      خطوة في الحلم. رواية (1980).
11-                      النيل يجري شمالا - البدايات رواية (1983).
12-                      النيل يجري شمالا - النواطير رواية (1984).
13-                       النيل الطعم والرائحة رواية (1989).
14-                      إحداثيات زمن العزلة - رواية سباعية
15-                      الشمس في برج الحوت. رواية (1996).
16-                       الحياة وجه آخر رواية (1996).
17-                       قيد الأشياء. رواية (1996).
18-                       دوائر الاستحالة. رواية (1996).
19-                       ذاكرة الحضور. رواية (1996).
20-                      الأبابيليون. رواية (1996).
21-                      العصف. رواية (1996).
22-                       يحدث أمس. رواية (1997)
23-                       بعيدا.. إلى هنا رواية (1997).
24-                      الكائن الظل رواية (1999).
25-                      سماء نائية رواية (2000).
26-                      مسك.. (رواية) 2009.
27-                       مالا يراه نائم (مجموعة قصصية)2009.

28-                      في حضرة العنقاء والخل الوفي. رواية. 2012.
29-        طيور التاجي 2014




نشر في مجلة العربي - في ملف عن إسماعيل فهد إسماعيل - عدد إبريل 2014