Sunday, September 10, 2017

توريل القديمة



فصل من رواية مفتاح الحياة 


توريل القديمة

 إبراهيم فرغلي 




Artist: Jane Ward
لوحة "قرية إيطالية" للفنان الإيطالي جان وارد


يقولون إن حي توريل من أكثر أحياء المنصورة هدوءا، ولم أشعر بذلك في أغلب الوقت. في الطابق الأول يمكن لنا سماع همسات المارة في الشارع، فما بالك بمناداة الباعة، الذين يتوالون على الحي من الصباح المبكر وحتى العصر. وضجيج شباب الحي وهم يلعبون الكرة في "ميدان فريد المصري"، كل يوم تقريبًا.

 لازلت أذكر حتّى تلك الأيام، حين كانوا يلعبون الكُرة الشراب، قبل أن تنتشر الكرة الجلدية الحديثة. ونداءات الشباب على بعضهم البعض من أسفل النوافذ. وإزعاج نفير سياراتهم الصاخبة. ففي توريل لا أحد يصعد ليدق جرس الباب، بل يتنادون من أسفل المنازل أو يقرعون نفير السيارات.
 ربما ورثنا فكرة هدوء "توريل" من الأجيال السابقة، لكني لم أعرف هذا الهدوء. فكل صوت يصل إلينا في البيت، من طرقات أقدام الخيل ورنات أجراس الحناطير، قبل اختفاء "الحناطير" مثل أشياء أخرى كثيرة، أو مرور بائع العرقسوس وهو يصلصل بطبقي النحاس، معلنا عن مشروب العرق السوس. ونداء الباعة المختلفة، من الخضراوات للفواكه إلى البقول، ومن بائع اللبن إلى الروبابيكيا، وغيرهم.
فابتداء من وقت العصرية يأتي "عم عَنْتر" بعربة الذُرَة المشوي، وإن كان من أكثر الباعة هدوءًا، لكن زبائنه ليسوا كذلك. ومن بعده يتوافد باعة التين الشوكي، وغيرهم، وغيرهم.
أحيانًا أستيقظ في الفجر، لأستمتع بتوريل الهادئة. أُمتّع بصري بالشارع الهادئ وهو مُغبّش بشبح النهار الذي لم يأت بعد، من النافذة، ولا أسمع إلا وشيشًا بعيدًا لموقد مطعم الفول والطَعْميّة، القريب، الذي يبدأ استعداداته مبكراً.
في الصيف أيضا، وقت الظهيرة والعصر، يُصبح الحي صامتًا أغلب الأحيان. وكثيرًا ما طاب لأمي في تلك الأيام الهادئة أن تجمع "لب البطيخ والشمام"، لعدّة أيام، ثم تغسله جيدًا، ثم تفصل لب البطيخ الأسود عن لب الشمام الأبيض، وتتركه ليجف، ثم تُحمّصه في الصينية مع الملح.
وبهذا يكتمل بالنسبة لها طقس العصاري في الصيف. حين تبدأ كافة الدكاكين والمحلات في رش المنطقة المواجهة لها من الشارع بالمياه لترطيب المكان. وتجلس لـ "تقزقز اللب" مع الشاي والبطيخ، في البلكون، وتطلب مني أن أجلس معها لنتسامر، إذا لم تأت جدتي، أو إحدى خالاتي أو صديقات أمي لزيارتنا.
 في مثل هذه الأوقات، ومع الهدوء الذي لا تقطعه إلا أصوات بعض السيارات العابرة بين آنٍ وآخر، اعتدتُ إقناع نفسي أن الحياة في توريل مثالية وجميلة.
لكن جاكلين التي تعبد الهدوء والتأمّل، رأت في الحي الهادئ موضعًا مستمرا للإزعاج؛ خصوصًا لسكّان الطوابق المنخفضة، بل إن الإزعاج كثيرا ما تحول إلى جحيم عندما تنشب المشادات المروّعة بين شباب الحي في "توريل" ومجموعات الشباب من الضواحي الأخرى القريبة، خصوصا أبناء حي "كفر البدماص"، حيث يتحول "ميدان فريد المصري" لساحة معركة.
أحيانا أتصور أن جاكلين خطّطت للهجرة مبكرًا، هروبًا من الضوضاء. لكني أعود وأسخر من سذاجة هذه الفكرة؛ لأن "جاكي" قد تكون الوحيدة التي فعلت الأمر الصحيح،  وقررت الهجرة من بلدٍ تحمل هويته، ولا يعاملها إلا كمواطنة درجة ثانية، لتذهب إلى بلدٍ لا تحمل هوّيته لكنه يعاملها كمواطنة تتساوى حقوقها مع أي شخص آخر يعيش في المكان.
 لم أمتلك هذا الحسّ بالمغامرة، خصوصًا أن تذهب واحدة مثلي لآخر العالم بحثًا عن المساواة، كما أرادت وفعلت جاكي. 
أما "ريمو"، شقيقتها، فتشبهني في طبيعة علاقتها وإحساسها بالمنصورة. تحب المدينة رغم كل شيء. تشعر أنها مثل سمكة خرجت من المياه إذا سافرت مع والدتها للقاهرة ولو حتى ليومٍ واحد. لا تستعيد قدرتها على التنفس بشكل طبيعي إلا حين تعبر كوبري المنصورة من جهة سندوب، الذي تبدأ بعده مباشرة أولى ملامح المدينة، بالطريق الطويل الذي تصطف على جانبيه الشجيرات الكثيفة التي جسدّت طابعًا مميزًا لمدخل المنصورة.
 لا شك في وجود ندّاهة جميلة، يؤويها النهر، تُنادي علينا إذا ما ابتعدنا عنها. تذكرت "الندّاهة"، التي اعتادت أمي إرهابنا بها أنا وبنات خالاتي، في الطفولة، حتى لا نبتعد عن البيت. عماد قال لي إنه سمع صوتها بالفعل مرة، ولكن رامي سبح في النيل لكي يؤكد لهم أنهم واهمون!

لكن، لكل أم من الأمهات، أبناء يحملون جينات العقوق والعصيان، ككل الذين هربوا منها وهجروها مع أول فرصة، مثل جاكلين، التي عرفنا أمثالها كثيرين باستمرار. عشرات من أصحاب الطموحات، بينهم أولئك الذين أحبّوا أن يكونوا نجوم غناء، ووقفت حدود المنصورة الخانقة عائقا لطموحهم. كل الفرق الموسيقية التي أحببنا أغنياتها، أو بالأصح؛ الأغنيات الغربية الشهيرة التي كانوا يقلدونها بإتقان، والذين كنا نستمع لأغنياتها في حفلات راقصة في رأس البر، فريق الـ"إيجلز" Eagles، أواخر السبعينيات، سنوات المراهقة، وفريق الـ"ديفلز" Devils. كان كلّ من الفريقين يضمّان شبابًا نرى في كل شخص منهم نموذجًا من نماذج فرسان خيالنا. نتابع عروضهم الموسيقية والغنائية في الحفلات الجامعية وفي بعض حفلات الزفاف، أو في إجازات الصيف في "رأس البر". بعد سنوات عرفنا أن أغلبهم هاجروا خارج مصر.

 قائمة المهاجرين من المنصورة ضمّت الكثير من الفئات الأخرى، بينهم بعض الطامحين في الزواج من أجنبيات، بلا مبرر ربما غير عُقد النقص. أو لأسباب وجدت في الزواج منهن فرصة للهجرة. طبعا هناك عائلات مسيحية كثيرة فكرت في الهجرة بعد خروج الإخوان المسلمين من السجون في عصر السادات، وكذلك بعد اغتياله.
 بالنسبة لي الأمر مختلف تمامًا. أنا أعشق المنصورة حرفيًا. وأعشق فيها أشياءً بسيطة. مثلا حين كنت أزور "منال"، صديقة طفولتي أيضًا، بعد أن ترقّى والدها ليصبح مديرًا لتفتيش الريّ، انتقلت عائلتها للفيلا الجميلة الموجودة في نهاية الشارع الرئيسي في حي المختلط، قبل مزلقان القطار مباشرة. والتي لا يظهر شيء منها في الغالب بسبب عُلّو سورها وصِغَر بابها الخشبي.
أذهب لزيارتها سعيدة جدًا. أمشي الطريق من توريل للمختلط، إذا لم يوصلني بابا، ووجهي في الأرض، لا ألتفت يمينا أو يسارا حتى أصل لباب الفيلا. ورغم أننا نسكن بجوار فيلا، عُلقت على بابها الرئيسي لافتة مكتوب عليها "فيلا حسن الإمام"، لكنها ظلت خاوية باستمرار. "فيلاّ" بلا سُكّان، لكن الأشجار التي تظهر من خلف السور تبدو خضراء ونضرة. وما يدور داخلها يظل سرّا لا يعرفه أحد، أو يبقى مخترعا في تهيؤات أصحاب الخيال الواسع عن حياة أسرة المخرج الشهير في الداخل، رغم أنني لم أصادف رؤية أي منهم أبدًا.
 تمنيت ظهور أي من أفراد عائلة المُخرج السينمائي الشهير يومًا، لكن لم يحدث ذلك أبدًا.
أما الفيلا الثانية فهي تخص سكرتير عام محافظة الدقهلية، على بعد خطوات من ميدان فريد المصري، في الشارع الذي تقع فيه بقالة "دعدور"، ولا نرى من سورها الأبيض العالي سوى الأشجار، وأحيانا نرى سيارة سكرتير المحافظ السوداء تقف أمام الباب.

في الفيلا التي سكنت بها منال، في حي "المختلط" القريب من توريل، كنت أشعر أنني أنتقل إلى فيلم بالأبيض والأسود. الممر الطويل الذي يأخذ شكل حرف L، تحيط به حديقة تمتلئ بأشجار المانجو التي كنا نوقع ثمارها، لأننا نحبها خضراء ولاذعة، والجوافة، والكثير من أنواع الورد المختلفة، وخصوصا الورد البلدي، وشجيرات الياسمين الكثيفة التي تتبرقش فروعها الخضراء بزهور الياسمين البيضاء، والتي تمنح للحديقة عبقاً جميلاً. بينما يُظلل جانبًا من الممشى المؤدي للفيلا "تكعيبة" عنب خشبية، تتدلى منها القطوف الخضراء.
 أما البيت السكني فنصعد له بدرجات عديدة. وعندما أتأمل جمال الشجر والورد أقول لنفسي إن هذه الحديقة هي ما تصفه الكُتب بـ"البستان".
 بيتنا لم يكن صغيرًا، مثل أغلب البيوت القديمة التي بنيت في الخمسينيات والستينيات، لكن لا يمكن مقارنته ببيت منال أبدًا. كان السقف عاليًا بشكلٍ مدهش. والممرات بين الغرف طويلة. أما غرفة منال فواسعة وأنيقة بالنسبة لغرف نومنا العادية الصغيرة. ربما لم يكن البيت من الداخل حديثًا مقارنةً حتّى ببيتنا، لكنه كان عتيقًا وأنيقًا. كنت أشم فيه رائحة الخشب العتيق الداكن الذي يتمثل في أرضية البيت المغطاة بالسجاجيد.
 أحببنا اللعب في الحديقة، والثرثرة وتبادل النمائم ونحن نتمشّى بين الأشجار والورود. وحين يصادفنا سامح؛ شقيق منال، وأوجّه له أي كلمة يحمر وجهه حتى يُصبح مثل التُفاحة، رغم سُمرة وجهه الممتلئ. يُذكّرُني بشكل "تَخْتَخْ" بطل مغامرات "المغامرون الخمسة" الشهيرة.
أقول ذلك لمنال، فتضحك، فأضيف:
-         وأنت تذكريني بـ "نوسة" أخت "محب" في المغامرات.
 فتنهرني وتقول إنها أحلى كثيرا من "نوسة"،  فأوافقها بسرعة، مؤكّدة أنني أمزح معها.

مرّة قابلت نادية؛ توأم رامي، عند منال. تعاملت معي بتحفظ، ولم أفهم لماذا. هل لأنها تعتبرني بنت شوارع تلعب مع أولاد الجيران؟ أم لأنني مسيحية. هل تختلف عن شقيقها رامي لهذه الدرجة؟
 لم تكن عدائية، ولم تتجاهلني أبدا عندما أوجه لها أي سؤال. بالعكس، كانت دمثة جدا ولطيفة، لكن لا أعرف لماذا تعطيني الإحساس بالتحفظ. وبالفعل بعد فترة بسيطة من وجودي استأذنتْ وانصرفت.
منال ووالدتها طنط ليلى، لم تكن لديهما حساسية بتاتا في التعامل معي. طنط ليلى خريجة مدرسة "سانت فامي" هي أيضًا، وكثيرًا ما تحكي لي ذكرياتها في المدرسة.
كنتُ سعيدة أنني درست في مدرسة عريقة خرّجتْ أجيالاً مثل جيل طنط ليلى.
في إحدى زياراتي لهم طلبت منّا طنط ليلى أن نخرج معها إلى حي "ميت حَدَر" الشعبي، الذي يضم سوقًا شعبية. قالت لنا إنها تريد أن تشتري "حلوى المولد"، من أحد مصانع الحلوى، الواقع في حارة متفرعة من "شارع بنك مصر". ولأول مرة أدخل مصنعا للحلوى الشعبية.
شاهدنا أنا ومنال، بانبهار، كيف تُصَبُّ الحلوى البيضاء المصهورة في براميل خشبية ضخمة، ومنها إلى قوالب خشبية صغيرة تأخذ شكل عروس المولد أو الحصان، ثم كيف يقوم العُمّال، بعد أن تبرد الحلوى وتتجمد، بفصل القالب الخشبي إلى نصفين؛ فنرى قوالب الحلوى التي تتخذ إما شكل الحصان الشهير وعليه الفارس، وإما "عروس المولد" باللون الأبيض، قبل أن يُضاف إليها اللون الوردي الشهير. لازلت أذكر رائحة المكان الحار بسبب الأفران، هذا العبق المزيج من روائح العسل الساخن والسكر وماء الورد. ولم يكن ممكنا أن أعود للبيت في يوم كهذا بدون علبة "حلاوة المولد"، المهداة لي من طنط ليلى، والممتلئة بالحُمّصيّة والسِمْسِميّة والفوليّة والمَلْبَن. وكانت أمي تسعد كثيرا بهذه اللفتة، وتنتظر أي عيد من أعيادنا لكي ترسل إليهم معي علبة كحك من صنع يديها.
طنط ليلى مختلفة في الطريقة التي تتعامل بها مع منال، وتعتبرها كصديقة وليس ابنة فقط. منال أيضا ناضجة، وغالبا لا تسلك سلوكا يسئ لأمها.
 أجلس لمدة ساعة لأحكي لها حكاية تضايقني عن ماما أو عن معلمة من المعلمات، وتنصت لي ولا تظهر ضيقها أو استخفافها بما أقول.

أتمنى أن تصبح أمي صديقة لطنط ليلى يوما. 

فصل من رواية مفتاح الحياة، الجزء الثالث من ثلاثية تصدر قريبا في كتاب بعنوان (جزيرة الورد) ثلاثية روائية، تضم "ابتسامات القديسين"، "جنية في قارورة" ثم "مفتاح الحياة

Sunday, June 11, 2017

غمزات الصخر الحنون في رام الله

لروائيّ المصريّ إبراهيم فرغلي: غمزات الصخر الحنون في رام الله!
أصبحت فلسطين واقعاً بالنسبة لي سيستمر في حياتي للأبد، لم تعد مجرد حلم بعيد، أو بكائيّات ومرثيّات، أو حتى فولكلور نضاليّ ووسيلة لبطولات "دون كيشوتات" زمننا البائسة، وشعارات يرتزق بها مرتزقو السياسة والثقافة. تنشقت هواء رام الله، ورأيت أهلها، بشراً على الأرض، لهم أحلام ورغبات ومشاعر، وطموحات، وآمال، وليسوا مجرد كائنات مصنوعة من كارتون الأخبار ومانشتات الصحف والإعلام. وليسوا أيضاً مجرد شعب لا يستحق إلا الشفقة والرثاء على وطنه المغدور. بل كائنات تملك القدرة على أن تعلمنا الكثير عن الأمل والحب والحياة المستمرة تحت الخطر ونحن نرسم ابتسامة. وقفت معهم على جسر اللنبي، متوتراً، متحفزاً وقلقاً، أداري هواجسي مثلهم، وأتمنى أن تنتهي ساعات المعبر الطويلة من دون كارثة متوقعة في أي لحظة. أراقب المحتلّ مثلهم، راجياً اليوم الذي يمكن لهم فيه العبور من دون تفتيش وإجراءات العبور المقيتة التي يمارس بها المحتلّ دوره كمغتصب للأرض. وجلست على المقاهي بينهم نضحك ونعيش اللحظات المسروقة من الخوف المسيطر على أجواء المكان الذي تشعر أن عيون المحتلّ تراقبه من أماكن غير منظورة، وتتوقع اقتحامه لأيّ مكان بلا سبب.
تابعت معهم فيلماً سينمائياً، شاركتهم فيه الشغف، والابتسامات التي تنشق من رحم مآسي السجن، رغم المعاناة، والضحكات التي يبحثون عنها رغم كل شيء. وشاهدت بينهم مسرحية كنت أتابعها كأنني متفرج بين مسرحيتين الأولى هي العرض الفني الحقيقيّ الذي يشاهده الجميع، والثاني هو الجمهور الفلسطينيّ الذي كنت أتابع ابتساماته وضحكاته محاولاً فهم الشفرة السريّة للكنة والسخرية المبطنة مما يغيب عنيّ من خارطة الطبقات واللكنات والاختلافات المذهبيّة والعرقيّة. وقفت في الغرفة التي حوصر فيها ياسر عرفات من قبل قوّات شارون، وأنا أستدعي مكان جلوسي في غرفة المعيشة في شقتي في مصر مذهولا من البجاحة التي بلغها المحتلّ الأرعن. وأحاول استدعاء مشاعر الختيار في تلك المساحة التي حوصر فيها مندهشاً من شدة تقشفه الذي تكشفه غرفة نومه البسيطة، ومطبخه الذي لا يختلف عن مطبخ أي عائلة صغيرة في أي منزل عاديّ.
رأيت رام الله عندها كمكان تم تخليصه من فم الأسد، حتى لو لم تكن السيادة كاملة اليوم بسبب الجيش الذي يحتلّ شعباً أعزل لا قوّة له إلا إرادة أهله. 
شاهدت المستوطنات وكيف تحيط بالمدينة على أعلى التلال، وأنا أشعر أن كاميرا خفيّة في مكان ما منها تراني كما تراقب كل ما يدور في المكان. ومع ذلك كنت أوجه الكاميرا لألتقط الصور بقدر ما يمكنني لأوثق صورة المستوطنة التي يعزل فيها المحتلّ نفسه.
تجوّلت في وسط المدينة مندهشاً ومغتبطاً من جمال العمارة والحجارة، ومن النظافة وجمال الطبيعة معاً. خطف بصري الصخر الحنون، هذا الذي تراه أينما وجهتّ وجهك في أرجاء فلسطين، الحجر الذي يشكل صورة الفضاء العامّ للمبنى الفلسطينيّ الكبير، أو "البلاد" كما يطلق عليها أهلها، والذي يُلفت الانتباه بمجرد أن يتنشق المرء النسمات الأولى لهواء فلسطين. الصخر الحنون في رام الله تجلى في الكنائس القديمة التي تتوسط مركز المدينة، وفي المساجد والبيوت العتيقة الجميلة والمحال والأسواق والمتاحف. الصخر الذي كنت ألمح ابتسامته وهو يغمز لي مذكراً أنه لا يغدو طيعاً إلا حين تمسك به أيدي أهل البلاد، الذين يعرفون أسراره، ويدركون متى يستخدمونه موضوعاً للجمال، وكيف يحوّلونه سلاحاً طيّعا في أيدي الكبار والأطفال حينما تنتفض فلسطين وتصبح الحجارة حُلماً يهز جدران الظلم، كما رأينا في الانتفاضتين الأولى والثانية.
هذا ما تسمح به هذه العجالة، لكن الحديث عن فلسطين سيطول كثيرا
نقلا عن موقع رمان - يونية 2017 

Saturday, June 10, 2017

اللاشيء المقدس!



 اللاشيء المقدس 

وائل فاروق
 

 في ثلاثينيات القرن الماضي قدس اليابانيون هيروهيتو الامبراطور الإله الذي قادهم إلى تحقيق نهضة اقتصادية وبناء قوة عسكرية مكنتهم من السيطرة على مساحات واسعة من العالم، بعد الهزيمة المخزية لليابان في الحرب احتفظ الإمبراطور بقداسته، إلا أنها قد فقدت معناها ليس فقط لأن الإمبراطور قد تحول إلى ديكور ولكن لأن الإمبراطور الإله قد قاد شعبه إلى تدمير الآخرين قبل أن يدمر بلادهم، هكذا بدأ اليابانيون يطلقون عليه اللاشيء المقدس. (Japan: a Reinterpretation : Patrick Smith, Knopf dubleday publishing group 2011)
 اللاشيء المقدس هي أفضل عبارة نصف بها قيم الحضارة الغربية اليوم، فعلى مستوى الممارسة والثقافة يتم تفريغ هذه القيم من معناها بالرغم من تقديس الجميع لها مثل قيمة الحرية ، في القرن 18 تعرف المصريون على الحرية والإخاء والمساواة على إيقاع مدافع بونابرت، كما تعرف العراقيون على الليبرالية في القرن الواحد والعشرين عن طريق قنابل بوش الذكية، إن الضمير الجمعي العربي يربط الليبرالية بالخضوع للاستعمار لأنها كانت دائما ليبرالية بدون حرية. المؤسف في الأمر أن الأمر لا يتوقف عند الفشل في تقديم هذه القيم للآخر ولكنه يمتد لتفريغها من معناها في الداخل على مستوى الفكر والممارسة في الثقافة الإنسانية المعاصرة أصبح المؤقت مركزيا، نعيش حياة مؤقتة، أعمال مؤقتة، علاقات مؤقتة، زواج مؤقت، سكن مؤقت، كل ما نستخدمه أيضا في حياتنا اليومية أصبح مؤقتا كالمناديل الورقية والأكياس والأكواب والملاعق البلاستيكية، لا شيئ يحمل علامة، لا شيئ يحمل معنى لأن كل شيئ زائل، هكذا تحول الانتباه الثقافي المعاصر من الكينونة أو الوجود في العالم إلى الصيرورة أو العبور في العالم، إنه عالم العابر والمؤقت، نعم سقطت الأيديولوجية ولكن الخوف من الآخر يتزايد، تراجعت العدمية لكن الحياد السلبي من كل شيئ قد حل محلها، فمصطلح "المابعد" الذي يسبق كل أوجه المعرفة الإنسانية – مابعد الصناعة، التاريخ، الاستعمار، الحداثة – لا يعني إلا غياب القدرة على إضفاء المعنى على الحالة الإنسانية الراهنة. 
 وهو ما يرى هابرماس أنه أحد نتائج إقصاء الدين من الحياة العامة، إن كل ما نواجهه من تحديات اجتماعية في مجتمعاتنا يرجع بشكل أساسي إلى انعدام القدرة على انتاج معنى للحياة يعد الدين أحد أهم مصادره. 
 يعتقد ما بعد الحداثيون أنهم حرروا الإنسانية من أسر الثنائيات الفكرية ( الخير/الشر- الحضور/الغياب- الأنا/ الآخر) لكنهم في الحقيقة لم يفعلوا إلا الانتقال من التقابل بين الثنائيات وما يترتب عليه من القدرة على إصدار أحكام تعكس في مجموعها ثقافة وهوية وشخصية فردية/جماعية إلى التساوي بين الثنائيات وما يترتب عليه من عدم القدرة على إصدار الأحكام الذي يعني التوقف عن التفاعل مع الواقع وهو ما يؤدي بالهوية الفردية والجماعية إلى التنميط . 
 ناضلت ما بعد الحداثة ضد " إقصاء" الحداثة للآخر "المختلِف" ولكنها لم تجد طريقا لهذا إلا "إقصاء" الاختلاف. حيث الاعتقاد السائد أن التعايش السلمي فيها بين المنتمين لأديان وتقاليد وثقافات مختلفة لا ينجح دون استبعاد التجربة الدينية والأخلاقية من الفضاء العام للمجتمع، وهو ما يعني إقصاء الاختلاف، فإذا كانت التجربة الدينية أهم مكونات الهوية، فإن هذا الإقصاء للاختلاف هو في حقيقته إقصاء (للذات).
هل حققت هذه العلمانية المتطرفة في النهاية هدفها ؟
 لا تخلو عاصمة أوروبية كبرى اليوم من "مجتمع موازي" يعيش فيه المهاجرون المسلمون ؛ فقد انتهت المحاولات الحثيثة لدمج المهاجرين في مجتمعاتهم الجديدة إلى جعل الحدود الثقافية والدينية " لامرئية " في الفضاء العام حيث ترسخ مفهوم وممارسة لـ " التعددية " يحول الفضاء العام من بوتقة للقاء والتفاعل الإيجابي بين المكونات الثقافية المختلفة في المجتمع الأوروبي المعاصر إلى " حدود " تفصل بينها، كما نجد في فرنسا حيث التي أصدرت قانون يجرم ظهور الرموز الدينية في الفضاء العام لتصبح فرنسا دولة يحمي دستورها الاختلاف والتعدد الديني وتجرم قوانينها مظاهره. 
 إقصاء الاختلاف من الفضاء العام جعل " التكيف" وليس "التفاعل" هو الإطار الحاكم لعلاقة المهاجرين مع مجتمعهم الجديد وهو ما أدي - إلى جانب عوامل ذاتية أخرى خاصة بطبيعة ثقافة المهاجرين أنفسهم - إلى خلق هذه المجتمعات الموازية التي تصطدم بالمحيط الذي مازال غريبا/ أجنبيا .
الخلاصة 
 في سياق هذه الثقافة إذا سألت ما هي الحرية؟ ستكون الإجابة هي كل شيء، ولكن الحرية التي تعني كل شيء هي لاشيء، الحرية الحقيقية لها وجه واسم وحدود هي الخبرة الإنسانية، التي لا يمكن أن تكون إنسانية إذا نزعت الشخص من هويته من تاريخه من معنى وجوده وغايته، لأنها في هذه الحالة ستكون شكل يخلو من المعنى ولتشترك مع الثقافة الإسلامية المعاصرة في إقصاء الشخص وتجربته وهويته. هكذا ننتقل من "اللاشيء المقدس" إلى "لا شيء مقدس" ، لاشيء مقدس طالما كان الشكل في المركز والإنسان في الهامش
 في القرآن كما في الكتاب المقدس يبدأ آدم علاقته بالعالم بتسمية الأشياء، يفقد آدم المعاصر كل يوم جزءا من عالمه القديم، لأنه ينسى الأسماء، لأنه لم يعد يسمي الأشياء، لأنه لا يهتم بتسمية الأشياء، آدم لم أدم، إنه ما بعد آدم.

هذا المقال المهم نشره كاتبه الأكاديمي والناقد المصري وائل فاروق بالإيطالية وترجمه للعربية 

Tuesday, May 9, 2017

البلاد


البـلاد..

وهم الحدود!




إبراهيم فرغلي


استفت قلبك ولو أفتوك.
هكذا أردد لنفسي، في محاولتي الفردية المستمرة لاختبار أفكاري المستقرة عن ذاتي وعن العالم.
وهكذا فعلت حين تلقيت الدعوة من وزير الثقافة الفلسطيني لزيارة فلسطين. كنت أتأمل كلمة السلطة الفلسطينية باعتزاز، وكلمات الدعوة بفخر. كانت الكلمات تقدم لي حلما، كنت أظنه مستحيلا. زيارة فلسطين.
قبل عدة سنوات وقفت أمام البحر الميت في عمان حيث قيل لي أن أتأمل الضفة الأخرى حتى يمكنني أن أرى القدس. كان قلبي يرف لمجرد أنني أتطلع إلى ضفة كنت أعتبرها مجرد خيال. حلم سنظل نحلم به ولا يتحقق. رؤية فلسطين وعودتها لأهلها.
قبلت الدعوة فورا، لأنني بعد فترة وجيزة من رؤيتي لشبح القدس عبر البحر الميت، قرأت رواية باب الشمس، ثم شاهدت الفيلم المأخوذ عنها ببراعة بنفس الاسم.
تغيرت أفكاري كثيرا عن قضية فلسطين، لأن الرواية والفيلم نزعا قشرة الشعارات والدعاية السياسية والخطابات العروبية الفارغة، وحولت القضية إلى دم ولحم. إلى قلوب تنبض وتعيش ولا نعرف عنها شيئا لأنها محجوبة عنا بالشعارات، والبطولات السياسية الحزبية.
وكان قبولي الدعوة بالتالي واجبا لأغتنم فرصة أن اتنشق هواء البلاد الحلم. لكي أتواجد بين أهلها، وأن أعلن تضامني الكامل معهم في قضيتهم العادلة، وأن أشهد طبيعة الحياة اليومية لهم. متاعبهم، آمالهم، أحلامهم، فشكري بلا حدود لكل من وقف وراء هذه الدعوة الكريمة.
ولأن الحدود والمنفى والبلاد هي موضوع هذه الندوة فقد اخترت نصا أو شهادة تعبر عن خبرتي الشخصية ككاتب قضى أغلب فترات حياته خارج "البلاد" كما يقول اهل فلسطين عن بلدهم.

بين صور عديدة صاحبتني في أحلام يقظتي المراهقة، صورة الرحّالة الذي يمر على بلاد العالم، ملقيا نفسه بين البشر وآثار البلاد، ثم يترك البلد تلو الآخر، تاركا جزءاً من روحه في المكان كطيف، ويختفي.
أرى آثارَ أقدامِ امرأةً ترتدي خلخالا وتسير باتجاه الشمس على رمال الصحراء، رمالٌ ناعمة ورطبة تلتمع بلون هجين بين صُفرةٍ محمرة داكنة وظلالٍ من لون الطين. قدمان نحيلتان لامرأة نحيفة تتتابع خطواتهما بدلال ودأب. لا أسمع صوت الخلخال. ولا أعرف الجهة التي أتت منها صاحبة القدمين الخمريتين الناعمتين، ولا الجهة التي تسعى إليها. أين تذهب في هذا التيه الشاسع؟ من أي أرض جاءت وإلى أي أرض تنتمي؟ ولكني سرعان ما أشعر بعبثية السؤال حين ترتفع نبرة سؤال آخر أكثر إلحاحا: أليست الأرض كلها لنا؟
انفجر السؤال في ذهني وأنا أحدق من الطائرة التي تحوم حول الصحراء، رأسي قريب من رأس "دي ألماسي"؛ المريض الإنجليزي، الذي اصطحب جثة عشيقته كاثرين كليفتون، في الطائرة، ليحلق معها في سماء بلا حدود، أعلى صحراء رسمت تلالها ومسارات طبقات الرمال فيها أجساد بشرية عارية تطفو فوق بلاد بلا خارطة أو حدود. لوحة جسدية عالمية للبشر الذين يجسدون الأرض التي يجب أن يعيشوا عليها جميعا أحرارا بلا حدود سياسية أو جغرافية.
لم يتحقق حلمي ولم أكتسب صفة الرحّالة كما حلمت، ولكني أيضا لم أعش في مكان واحد. قضيت فترات طفولتي بين مسقط في سلطنة عمان ومدينتي دبي ورأس الخيمة في الإمارات. وظلت مسقط بجبالها، بعلاقاتها المتنافرة صلابة ورقة، مع البحر أو السحب، ووديانها، وأفلاجها وقلاعها بكل دلالاتها التاريخية، وتراث السحر عند أهلها وطيبتهم المتناهية، وقُراها الصامتة البسيطة الخاوية أحيانا، والغامضة في الوقت نفسه، وبقيظها الملتهب، هي أكثر ملامح ذكريات طفولتي رسوخًا وسطوعًا.
 بعد عودتي إلى مصر عشت دائما على الحد الفاصل بين كوني مزدوجا بين الغريب والآخر. كان إحساسي بالغربة يفوق وعيي بانتمائي للمكان. اكتفيت من المكان بتكوين الهوية بكل تراثها، اجتماعيًا وثقافيًا وتراثيًا، لكنني كفرد يعيش في المكان كنت نائيا وبعيدا وغريبا باستمرار.

كان لتجربة الخليج دور في نشأتي وحيدا متأملا، مصادقا لذاتي،
 راضيا وقانعا بالعزلة والفردية، وبالمونولوج الخاص المستمر مع الذات، وبذلك الإحساس المفرط بالأمان النابع من صحبة الذات.
في مصر، وبالتحديد في مدينة المنصورة؛ حيث ولدت، وإلى حيث عدت في بداية مرحلة المراهقة بعد سنوات الخليج، وجدت الشارع مخيفا، ولغته غريبة، وطباعه مختلفة. كان مزيجا مثيرا من الأليف البسيط التراثي الشعبي والبدائي معا، لكني بقدرتي على التكيف ورغبتي في التغلب على مظاهر خجلي وعزلتي، ألقيت بنفسي في الشارع، وأوجدت لنفسي مساحة خاصة في التعامل مع صبية ومراهقين من عمري، لم أستطع أن أزيل إحساسي بالاختلاف الكامل معهم، وحتى هذه اللحظة. كنت إذا مرّت على رفقتي المستمرة بهم ثلاثة أو أربعة أيام متصلة ينتابني شعور مؤرق بالضجر والارتباك والتوتر النفسي الشديد، وبرغبة حارقة في الجلوس مع ذاتي والاستماع لمخاوفي وأحلامي، والانطلاق بمساحة خيالي إلى مداها مع الفتيات اللاتي أحلم بهن، وبالبلاد التي أتوق لأن أعيش بها.
رافقت الكتب بديلا، عرفت صحبتها منذ الطفولة المبكرة، وكان لها فضل إنقاذي من هاويات العدم والعبثية السحيقة التي رأيت كثيرًا من هؤلاء الأصدقاء يسقطون فيها تباعا بلا أمل ولا هدف، ولا طموح ولا معنى. بل وكان لهذه الصحبة فضل انتشالي من تجربة الانخراط في الجماعات الإسلامية في ذروة نشاطها، الذي سبق اغتيال السادات مطلع الثمانينيات.
وهكذا تكشف لي مبكرا أن فكرة الوطن، بقدر ما تستأثر وجدانيا وعاطفيا بالفرد، غير أنها لم تجسد عندي منتهى الطموح، فكلما استقرت حياتي في مصر لسنوات أحسست بقوة الغربة، لأسباب لم أستطع تحديدها بشكل واضح، لكن ربما أهمها أنني عادة ما كنت أفتقد لغة مشتركة مع رفاقي، في زاوية النظر ورؤية الأمور، كنت مختلفا حريصا على إخفاء هذا الاختلاف، أعيش بينهم قارئا ولا اتحدث معهم عن أي كتاب، ولاحقا كاتبا، ولا أظهر ما أكتبه لأي منهم.
كان هناك ثمة شيء محدود وخانق ومحصور في المجتمع الصغير الممثل لحدود مدينتي الصغيرة المنصورة، وعندما هربت منها  إلى القاهرة قبل حتى أن أنتهي من دراستي الجامعية، كنت أشعر كمن كان غارقا في أعماق المياه وانتهى الأمر به أخيرا إلى سطح المياه، وانفتحت رئته على الحياة بعدما كاد أن يكون في عداد الأموات. لكن وجودي في القاهرة لم يستغرق سوى سنوات أربع، اكتشفت بعدها أنني استنفذت فضاء القاهرة، واكتسى لونها المشرق بلون رمادي كئيب جعلني راغبا في التحليق بعيدا إلى مكان جديد.
كانت مشكلتي مع المنصورة أنها مجتمع مسخ بين الريف والمدينة. مدينة شكلا، لكنها ريف من حيث القيم والعادات والتقاليد والطموحات، وبقدر ما بدت لي القاهرة في بداية انتقالي إليها مطلع التسعينيات عالما جديدا لانهائيا، يمتلك الكثير مما حلمت به لحياة عصرية مدنية ومتحررة، لكنها سرعان ما خذلتني؛ لأني اكتشفت أنها تجتذب دوائر الريف بقيمه العتيقة أيضا، وتفتح لها ذراعيها، حتى يختلط فيها كل شيء. مدينة تسلم ذاتها، لكنها تسلمها غصبا، وبدلا من ان تفرض قيمها المدنية على ساكنيها الجدد سرعان ما تمتثل لمنطق عكسي غريب، كأنها تنتقم لروحها التي سرقت منها، فتريّفت وأصبحت مكانا خانقا لم أقوَ على الحياة فيه.
 وسرعان ما بحثت عن أي وسيلة للسفر، ولم تُتح لي أي فرص سوى العودة إلى مركز طفولتي مرة أخرى.. مسقط.. التي عدت إليها مقتولا من الحنين إلى مواطن طفولتي فيها: المدرسة التي كنت أسير إليها يوميا على بعد ثلاثة كيلومترات من المنزل، فرن الخبز الإيراني القريب منها، المقهى الذي كنت أهرب إليه أحيانا من المدرسة، خوفا من مدرسين اشبه بـ"الغيلان"، البيت العتيق الذي عشت فيه، شجرة النبق التي كنت قد زرعتها في حديقة المنزل قبل سنوات، وهالني أنها لاتزال موجودة، بعد كل تلك السنوات التي تجاوزت العشر، وجذعها كبر وتمرد على جزء من السور المتاخم لها فكسرته، والكنيسة التي أديت بها طقوس الصلاة ذات مرة حين أودعني أبي في مدرسة تابعة لها يوم أحد وافق عطلة المدرسة، فما كان من راعية المدرسة إلا اصطحابي لتلك الكنيسة، وسوق روي العتيق الذي كنت أمر عليه يوميا ذهابا وإيابا من وإلى المدرسة. لكني أدركت، وبسرعة، أن الأشياء التي كانت ضخمة وكبيرة بوعي طفولتي قد تجردت من تلك العملقة الزائفة وأضحت صغيرة، وبعد سنوات ثلاث شعرت مرة أخرى بالاحتياج للرحيل.
 قررت أخيرًا أن أحقق حلمي بالذهاب إلى المدينة – الحلم، ورفيقة خيال الطفولة:  باريس.
في نافذة غرفة الفندق الصغير في شارع 4 سبتمبر كنت أحدق إلى الشارع غير مصدق. أنا في باريس.المدينة الحلم التي أثار خيالنا عنها طه حسين في أيامه الصعبة الأليمة والشاقة ومعه توفيق الحكيم متقنعا بقناع عصفور الشرق. وكلما استعدت هذه اللحظة التي استيقظت بها في أول صباحاتي في باريس أدرك كم كانت لحظة استثنائية.
تنشقت الهواء واطلقت نفسي في باريس . كنت أعيش في حلم، ومع ذلك فقد باغتني الواقع مرتين: الأولى حين تأملت باريس ليلا من على جسر صغير مطل على نهر "السين" وعلى كاتدرائية نوتردام، وبدت على عكس خيالي عنها؛ مدينة حزينة بلا إضاءات مبهرة كما كنت أتصور. وفي المترو كان الأفارقة الكثر يمنحوني إحساسا متناقضا عن باريس الأخرى، وذلك الشاب الباريسي الذي يشبه شخصية "تان تان" الكارتونية الشهيرة؛ الذي كان ينام جالسا طول الليل ملتحفًا بالصوف الذي يرتدي، مادًا يديه لما قد يمنحه إياه المارة. كان يخطف قلبي، ويريني باريس الفقر والعنصرية،  باريس الإمبريالية التي تعلم العالم الثورة والحرية بينما يعيش في هوامشها فقر مدقع، وبطالة، واحلام موءودة على رصيف الرأسمالية العالمية، التي راحت تشوه كل قيمة في العالم بامتياز.
أما الثانية فكانت تتعلق بضرورة الرحيل؛ خوفا من الإضرابات التي كانت تزداد يوميًا، ومنعتني من ركوب المواصلات الا نادرا.
تجاهلت خوفي من المغامرة باستمرار الإقامة في باريس؛ حيث انتويت أن أكمل إقامتي بها مغامرا الى أن يقضي الله أمرا، بدعوى الخوف من الإضرابات واحتمال وصولها إلى فئة عمال المطار؛ ما قد يمنعني من السفر أذا قررت، ولكني لم أستطع أن أمنع نفسي ولسنوات عن المقارنة، وعن إحساس الفرنسي بوطنه مقارنة بإحساسي انا المصري بوطني. ففي النهاية ورغم كل شيء كيف يمكن أن يكون إحساس فرد ينتمي لبلد تفتخر بثورة الديمقراطية والحرية والعدل في العالم وشخص ينتمي لبلد أنهكه المستعمر حتى كاد أن يقضي عليه؟
لكني، وبالرغم مما تشربته من نوازع وطنية، لم اكن شوفينيا قط. كنت بسبب حياتي خارج مصر لسنوات طويلة منذ الطفولة قد اكتسبت قدرة على التكيف مع أي مكان يقدّر لي أن أعيش فيه، كما تخلصت من تلك الميوعة العاطفية المصرية الشائعة لدى المصريين ، يقيناً مني بأن الوطن فكرة أكثر من كونه مكانا. وأن اغترابي المستمر لا علاقة له بالأماكن بقدر ما له علاقة بالبشر. وكلما وجدت من أستريح اليهم، أيا كانت جنسياتهم، واوطانهم، تبدد إحساسي بالغربة، تماما كما شأني مع مقهى آلفه فيصبح لي وطنا صغيرا، لأنه يمنحني ما يسعدني من صحبةٍ للذات والتأمل والكتابة والإحساس بالإنسانية.
لماذا تخايلني صورة القدمين الحافيتين لتلك الفتاة، التي لا أعرف لها ملامحا، وإلى أين؟ هل الوطن هو مجرد الحلم بالحياة معها في مكان ما؟ أم أن اقتفاء أثرها هذا في حد ذاته هو يقين بأن الحياة ليست سوى رحلة للبحث عن وطن؟
لعلها فتاة هجين، والدها من بلد بعيد نصف أوروبي ونصف شرقي، وهو ما يعني أنه أيضا متعدد الهويات، ولعل والدتها نصف مسلمة ونصف مسيحية، أو ربما نصف سنية ونصف شيعية، أو لعلها هجين من هذا كله: امرأة العالم الجديد مختلطة الهوية بكل ما يعنيه ذلك من زوال حدود فاصلة بين البلاد والعقائد والطوائف. إنسانة تخطو في صحراء الإنسانية، بحثا عن أرض جديدة بلا تمييز.
حين قرأت رواية "حبل سري" للكاتبة السورية مها حسن، اكتشفت أزمة الأكراد لأول مرة: كانت قضية الشعب الفلسطيني، هي النموذج المخيف لفكرة شعب تنتزع منه أرضه تحت بصر العالم، وباستخدام الأساطير والسلاح. وبدفع القوى المؤهلة للدفاع عن هذا الشعب للتفتت والتشرذم لأبعد مدى. وبحيث يكون الشتات للشعب الفلسطيني هو المصير البديل للوجود على ارضهم.
وفاجأتني مها حسن بقضية من نوع آخر، قضية شعب يعيش بهوية ولكن بلا وطن، ليس كالفلسطينيين حتى الذين انتزعوا من أوطانهم، بل هم يعيشون في مكان يشبه الوطن، لكنه لا يمثل هويتهم الحقيقية، شعب يعيش في شتات وجودي حقيقي، ولم يغب عن مخيلتي باستمرار  في أثناء قراءة هذه الرواية التي فتنت بها، فئة البدون، هذه الفئة التي تختلف عن الأكراد في جزء آخر، فهم يمتلكون هويتهم لكنهم يعيشون بلا حقوق من أي نوع؟

في حال الغضب أصرخ لنفسي كثيرًا بأننا نحن الوطن، نحن الأوطان: حتى لو كانت أوطانا لا مرئية، أوطانا تصنعها أرواحنا، التي تهفو لكل ما يجسد ضمير الإنسانية وقيمها.
في كهف معتم وبارد انطفأت شمعته الأخيرة، فاضت روح كاترين كليفتون، عشيقة المريض الإنجليزي، قضت عليها شكوك الولاءات المريضة لحدود أوطان تقدس رسم الحدود على كل قيمة أخرى، ولأجلها تقتل كل من لا يقع داخل هذا الإطار الحدودي، المصنوع باسم سلطة متعطشة لحكم أي بقعة من الأرض، تبيع نفسها لمن يرسم لها تلك الحدود وتمنحها كل ما تملك من كرامة مقابل أن تغذي عطشها المريض للسلطة والنفوذ والتحكم في مصائر البشر.
في الفضاء الافتراضي اليوم، يبدو العالم بالفعل عالما بلا خرائط، مفتوحًا على بعضه، تتدفق بينه الأفكار والأحلام والثورة والدموع بلا حدود، تنسال بينه الأحزان وتتدفق القصائد تشكل هوية جديدة لوطن يتسع للإنسانية؛ لحق الشعوب في أن تعيش أينما تشاء وكيفما تشاء، تقتفي أثرها الأوطان بينما لا تقتفي هي سوى الضمير الذي فقده وضيعه كل من رسموا الحدود والخرائط والأوطان.


قرأت في ملتقى الرواية العربية الاول في فلسطين- رام الله 9 مايو 2017

Saturday, April 22, 2017

إنجاز منيف شهادة إدانة للقمع وليس توثيقا لعذابات شخصية



من أسبوعين تقريبا أو اقل نشرت الحياة مقالا غريبا عجيبا
للدكتور فالح عبدالجبار زعم فيه إن الكاتب الروائي الراحل عبد الرحمن منيف سطا على مذكرات معتقل عربي مرموق في الاوساط الثقافية ليكتب رواية شرق المتوسط. والمقال ده غايظني 
أكثر من تردد أو تأخر أو امتناع الحياة عن نشره، ولذا أنشره هن
ا

فالح عبد الجبار يتذكر الآن فقط بطل شرق المتوسط!
 إنجاز منيف شهادة إدانة للقمع وليس توثيقا لعذابات شخصية

بداية أنوه أنني لا أعرف حيدر الشيخ علي، إلا بعد أن قرأت ما كتبه الكاتب العراقي فالح عبدالجبار باعتباره بطل رواية "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف. وأعرف الدكتور فالح عبدالجبار معرفة عابرة من خلال لقاء صحفي أجريته معه مطلع التسعينات لصحيفة عربية، وقرأت له كتابين إن لم تخني ذاكرتي هما "معالم العقلانية والخرافة في الفكر العربي"، "المادية والفكر الديني المعاصر". وأزعم أنني لا أعرف الكاتب الراحل عبدالرحمن منيف، بشكل شخصي، سوى أنني كنت بين من وقفوا ليصفقوا مطولا وبحماس وصدق وتقدير لحظة إعلانه الفائز بأول دورة من دورات جائزة الرواية العربية في القاهرة، وبإجماع أغلب الحضور الذين كانوا يرون في منجزه ما يستحق الافتخار في مسيرة السرد العربي الحديث.
 لكني، وهذا هو موضوعي هنا، أعرف منيف روائيا قديرا عبر أعماله التي أتيح لي قراءتها وبينها الجزئين الأولين من مدن الملح، وشرق المتوسط، والآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى، والأشجار واغتيال مرزوق وقصة حب مجوسية، وربما أعمال أخرى تخونني ذاكرتي الآن في تذكرها.
 لهذا روعني مقال فالح عبدالجبار الذي تهم فيه منيف بسرقة مذكرات حيدر الشيخ علي، ليكتب منها رواية شرق المتوسط، وأنه فقير الخيال! وأنه أي عبدالجبار هو الذي منح تسجيلات السجن لمنيف.
 وبالرغم من إعلان اعتزازه بنشر تجربة حيدر في شكل روائي، فإنه يعود ليقول : "لكن الرواية خلت من أي إشارة الى صاحبها، صحيح ان مكان وزمان الحوادث ألغيا تماماً، في إطار ترميز فني او تهرب من الواقع، الا أن حيدر، شأني انا، أصيب بما يشبه الصدمة بسبب اغفال ذكر مصدر القصة الذي اخذ في شكل نصيّ. ما السبب في إلباس هوية البطل طاقية إخفاء او اغفال المصدر؟ هل هو الاعتقاد بأن من حق الروائي أخذ كل ما يصادفه، نوع من الاعتقاد بامتلاك الأشياء بمجرد ان يقع بصر المرء عليها؟ ام الاعتقاد بأن تحرير المادة فنياً يلغي حق انتسابها إلى لآخر؟ أم هو إغفال غير مقصود؟ ام هو إقصاء لهوية الشيوعي بدافع تحزّب أيديولوجي؟ لقد رحل منيف ولن نعرف جليّة الأمر. لعله اودع مكنونه لشخص ما، سنظل بانتظاره حتى لو كان غودو بيكيت! لكن الثابت ان حق الملكية الفكرية غائب".
ما يدهشني حقا هنا، أن منيف أرسل في العام 19911 ثلاث نسخ من الرواية النشورة لملهم العمل، ومع ذلك فلم ينطق الرجل بحرف منذ 27 عاما، إلا اليوم! ولم يقل عبدالجبار أيضا شيئا إلا بعد مضي كل هذا التاريخ، رغم أن منيف لم ينشر هذه التجربة فقط، بل وأعاد توسيعها وتأكيدها في روايته "الآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى".
 وما يعنيني هنا أنني أرى أن منيف قد أدى واجبه الفني كروائي قدير، أي أنه سجل عملا فنيا بالدرجة الأولى، وتوثيقيا تاليا، قدم به وثيقة إدانة فنية لتجربة الاعتقال المهينة واللاإنسانية للمعارضين السياسيين العرب خلال الستينات وحتى الثمانينات، وألقى الضوء على بشاعة ما يتعرض له المعتقلين السياسيين العرب من الجلادين في السجون العربية، مؤكدا شمولية فكرته حين أصر على تجريد مكان الحدث والسجن، لأن السجن فكرة أكبر من دولة بعينها والمعتقلون أيضا.
 قدم منيف شهادة فنية صادقة، وأوصل لأسماعنا جميعا صرخات الألم التي كانت مسجونة داخل الزنازين المغلقة، وبتفاصيل مدهشة ومرعبة، ليفضح عالما من القمع المرعب الذي عرفه عدد كبير جدا من مثقفينا ومناضلينا.
 بالتالي في تقديري لو ذكر منيف اسم الشخص، وليس هذا مقصده بالتأكيد لأضعف النص فنيا، ولأصبح مجرد شهادة توثق حالة وحيدة من حالات التعذيب والقمع، بينما اقترح البديل الأكثر رمزية ودلالة وفنية وهو منح التجربة سمة عربية وربما إنسانية وعالمية، وجعل بطل العمل رمزا لكل معتقل في سجون الظالمين.
 أما هذه المرارة التي يتحدث بها فالح عبدالجبار عن غبن حق صديقه المناضل، فكان احرى به أن يوثقها بنفسه، أو أن يقنع صاحبها بأن يكتب مذكراته الشخصية طالما أنه مهتم بإعلان مدى الظلم والتعسف الذي تعرض له في المعتقل، بدلا من إدانة العمل النبيل الذي أنجزه منيف على أفضل وجه ممكن فنيا وتوثيقيا ودلاليا.

Monday, February 20, 2017

حارة المعجزات!


حارة المعجزات!

إبراهيم فرغلي





شاهدت بالصدفة غلافين مختلفين لرواية زقاق المدق لنجيب محفوظ في ترجمات للإسبانية، حين كنت أتصفح الإنترنت.

لفت انتباهي أن الغلافين يصوران زقاقا من أحد أحياء مدن الجزائر القديمة، وأن المرأة في الصورة ترتدي الحايك، أو "الحائك" وهو الزي التقليدي القديم للنساء في الجزائر والمغرب وربما منطقة شمال إفريقيا عموما.
اندهشت، لأنني لم افهم هل القائمون على دار النشر الإسبانية لا يعرفون الفارق بين الحارة المصرية وتلك الجزائرية أو المغربية، أم أنهم لا يهتمون بالفروق بين خصوصيات دول تلك الكتلة المشوشة المضطربة من العالم التي يعرفونها بالشرق الأوسط؟
هل الخيال القديم للشرق لا يزال طاغيا إلى هذا الحد في عقول الناشرين الغربيين، أم أنهم يغازلون هذا الخيال لدى القطاع الأوسع من جمهور أوربا الذي لا يعرف بالفعل عن الثقافة العربية والمجتمعات العربية سوى قشور مما خلفه المستشرقون، وكوارث الأخبار اليومية إذا مست حياتهم اليومية؟
في أي الأحوال، وبغض النظر عن كون الدار تملك مستشارا فنيا عربيا، أو لا تهتم، فإن الغلافين أكدا لي ما أشعر به حيال حالة النخبة الغربية المعاصرة، التي تبدو لي نخبة مما يمكن أن نطلق عليهم خبراء، بتعبير الصديق مهاب نصر أيضا، أكثر كثيرا من كونهم مفكرين.
النخبة الغربية اليوم، ومهما تظاهرت باهتمامها بالشرق، تبدو لي مهتمة وفق منهج أكاديمي، ممتلئ بالكلاشيهات.
كلاشيهات تعرفها هذه النخبة عن الحريات الشخصية، حقوق المرأة، الديمقراطية، الاقتراع في الانتخابات. وتحاول فهم ما تراه وفقا لمعاييرها الغربية، الإجرائية. بالتالي فالديمقراطية لدى النخبة الغربية الإجرائية تعني وجود صندوق انتخابي ومقترعين مثلا. لا علاقة لهم بنوع المقترعين، بالوعي، أو بوجود أو عدم وجود ثقافة ديمقراطية أساسا بين هؤلاء المقترعين وبعضهم البعض. لا معرفة بحقيقة التباينات الثقافية بين الريف والحضر، وبين المدن والقرى أو طبقات المجتمع المصري.  
ولهذا فمن البديهي أن تباغت هذه النخب، ليس بما يحدث في الشرق الأوسط، فقط، بل بما يحدث في الغرب، في موطنهم، من تغيرات ثقافية يظل النخبوي الغربي الإجرائي مصرا أنها "تغيرات ثقافية علينا القبول بها"، من دون محاولة فهم جدية لأخطاء الشكلية الإجرائية، التي تحولت إليها الديمقراطية الغربية، أو لمراجعة سلبيات المنهج النيوليبرالي في جعل مفهوم "الحرية" الشكلاني وسيلة لتحويل مقدرات الشعوب وثرواتهم بين أيدي بضعة مئات من المليارديرات في العالم مقابل ملايين البشر الذين لا يمتلكون ما يكفي حاجتهم الأساسية. من دون أدنى محاولة للوقوف بجدية أمام سياسات حكوماتهم الديمقراطية تجاه العرب، والتي دمرت أكثر من دولة عربية ولا زالت مستمرة في سعيها.
وهناك اليوم أفكار بالغة الأهمية في نقد تناقضات الحكومات الغربية في سلوكها بين الشعارات الديمقراطية التي ترفعها من جهة، والممارسات الإستغلالية التي تقوم بها لتوسيع مجال نفوذها الاقتصادي والسياسي في العالم، بل وحتى ازدواجياتها في قضية الصراع العربي الإسرائيلي. 
بين أصحب هذه المراجعات مثلا الفيلسوف السلوفيني المثير للجدل سلافوي جيجيك، والمفكر الماركسي ديفيد هارفي، والناشط  والسينمائي مايكل مور في الولايات المتحدة وغيرهم.

لكن ما يهمني الإشارة له هو العديد من الأفكار المهمة التي يضع ديفيد هارفي، يده عليها في كتابه "الليبرالية الجديدة"، والذي سأتعرض له بالتفصيل. 
تغريدة نشرت في صحيفة القاهرة