Tuesday, May 9, 2017

البلاد


البـلاد..

وهم الحدود!




إبراهيم فرغلي


استفت قلبك ولو أفتوك.
هكذا أردد لنفسي، في محاولتي الفردية المستمرة لاختبار أفكاري المستقرة عن ذاتي وعن العالم.
وهكذا فعلت حين تلقيت الدعوة من وزير الثقافة الفلسطيني لزيارة فلسطين. كنت أتأمل كلمة السلطة الفلسطينية باعتزاز، وكلمات الدعوة بفخر. كانت الكلمات تقدم لي حلما، كنت أظنه مستحيلا. زيارة فلسطين.
قبل عدة سنوات وقفت أمام البحر الميت في عمان حيث قيل لي أن أتأمل الضفة الأخرى حتى يمكنني أن أرى القدس. كان قلبي يرف لمجرد أنني أتطلع إلى ضفة كنت أعتبرها مجرد خيال. حلم سنظل نحلم به ولا يتحقق. رؤية فلسطين وعودتها لأهلها.
قبلت الدعوة فورا، لأنني بعد فترة وجيزة من رؤيتي لشبح القدس عبر البحر الميت، قرأت رواية باب الشمس، ثم شاهدت الفيلم المأخوذ عنها ببراعة بنفس الاسم.
تغيرت أفكاري كثيرا عن قضية فلسطين، لأن الرواية والفيلم نزعا قشرة الشعارات والدعاية السياسية والخطابات العروبية الفارغة، وحولت القضية إلى دم ولحم. إلى قلوب تنبض وتعيش ولا نعرف عنها شيئا لأنها محجوبة عنا بالشعارات، والبطولات السياسية الحزبية.
وكان قبولي الدعوة بالتالي واجبا لأغتنم فرصة أن اتنشق هواء البلاد الحلم. لكي أتواجد بين أهلها، وأن أعلن تضامني الكامل معهم في قضيتهم العادلة، وأن أشهد طبيعة الحياة اليومية لهم. متاعبهم، آمالهم، أحلامهم، فشكري بلا حدود لكل من وقف وراء هذه الدعوة الكريمة.
ولأن الحدود والمنفى والبلاد هي موضوع هذه الندوة فقد اخترت نصا أو شهادة تعبر عن خبرتي الشخصية ككاتب قضى أغلب فترات حياته خارج "البلاد" كما يقول اهل فلسطين عن بلدهم.

بين صور عديدة صاحبتني في أحلام يقظتي المراهقة، صورة الرحّالة الذي يمر على بلاد العالم، ملقيا نفسه بين البشر وآثار البلاد، ثم يترك البلد تلو الآخر، تاركا جزءاً من روحه في المكان كطيف، ويختفي.
أرى آثارَ أقدامِ امرأةً ترتدي خلخالا وتسير باتجاه الشمس على رمال الصحراء، رمالٌ ناعمة ورطبة تلتمع بلون هجين بين صُفرةٍ محمرة داكنة وظلالٍ من لون الطين. قدمان نحيلتان لامرأة نحيفة تتتابع خطواتهما بدلال ودأب. لا أسمع صوت الخلخال. ولا أعرف الجهة التي أتت منها صاحبة القدمين الخمريتين الناعمتين، ولا الجهة التي تسعى إليها. أين تذهب في هذا التيه الشاسع؟ من أي أرض جاءت وإلى أي أرض تنتمي؟ ولكني سرعان ما أشعر بعبثية السؤال حين ترتفع نبرة سؤال آخر أكثر إلحاحا: أليست الأرض كلها لنا؟
انفجر السؤال في ذهني وأنا أحدق من الطائرة التي تحوم حول الصحراء، رأسي قريب من رأس "دي ألماسي"؛ المريض الإنجليزي، الذي اصطحب جثة عشيقته كاثرين كليفتون، في الطائرة، ليحلق معها في سماء بلا حدود، أعلى صحراء رسمت تلالها ومسارات طبقات الرمال فيها أجساد بشرية عارية تطفو فوق بلاد بلا خارطة أو حدود. لوحة جسدية عالمية للبشر الذين يجسدون الأرض التي يجب أن يعيشوا عليها جميعا أحرارا بلا حدود سياسية أو جغرافية.
لم يتحقق حلمي ولم أكتسب صفة الرحّالة كما حلمت، ولكني أيضا لم أعش في مكان واحد. قضيت فترات طفولتي بين مسقط في سلطنة عمان ومدينتي دبي ورأس الخيمة في الإمارات. وظلت مسقط بجبالها، بعلاقاتها المتنافرة صلابة ورقة، مع البحر أو السحب، ووديانها، وأفلاجها وقلاعها بكل دلالاتها التاريخية، وتراث السحر عند أهلها وطيبتهم المتناهية، وقُراها الصامتة البسيطة الخاوية أحيانا، والغامضة في الوقت نفسه، وبقيظها الملتهب، هي أكثر ملامح ذكريات طفولتي رسوخًا وسطوعًا.
 بعد عودتي إلى مصر عشت دائما على الحد الفاصل بين كوني مزدوجا بين الغريب والآخر. كان إحساسي بالغربة يفوق وعيي بانتمائي للمكان. اكتفيت من المكان بتكوين الهوية بكل تراثها، اجتماعيًا وثقافيًا وتراثيًا، لكنني كفرد يعيش في المكان كنت نائيا وبعيدا وغريبا باستمرار.

كان لتجربة الخليج دور في نشأتي وحيدا متأملا، مصادقا لذاتي،
 راضيا وقانعا بالعزلة والفردية، وبالمونولوج الخاص المستمر مع الذات، وبذلك الإحساس المفرط بالأمان النابع من صحبة الذات.
في مصر، وبالتحديد في مدينة المنصورة؛ حيث ولدت، وإلى حيث عدت في بداية مرحلة المراهقة بعد سنوات الخليج، وجدت الشارع مخيفا، ولغته غريبة، وطباعه مختلفة. كان مزيجا مثيرا من الأليف البسيط التراثي الشعبي والبدائي معا، لكني بقدرتي على التكيف ورغبتي في التغلب على مظاهر خجلي وعزلتي، ألقيت بنفسي في الشارع، وأوجدت لنفسي مساحة خاصة في التعامل مع صبية ومراهقين من عمري، لم أستطع أن أزيل إحساسي بالاختلاف الكامل معهم، وحتى هذه اللحظة. كنت إذا مرّت على رفقتي المستمرة بهم ثلاثة أو أربعة أيام متصلة ينتابني شعور مؤرق بالضجر والارتباك والتوتر النفسي الشديد، وبرغبة حارقة في الجلوس مع ذاتي والاستماع لمخاوفي وأحلامي، والانطلاق بمساحة خيالي إلى مداها مع الفتيات اللاتي أحلم بهن، وبالبلاد التي أتوق لأن أعيش بها.
رافقت الكتب بديلا، عرفت صحبتها منذ الطفولة المبكرة، وكان لها فضل إنقاذي من هاويات العدم والعبثية السحيقة التي رأيت كثيرًا من هؤلاء الأصدقاء يسقطون فيها تباعا بلا أمل ولا هدف، ولا طموح ولا معنى. بل وكان لهذه الصحبة فضل انتشالي من تجربة الانخراط في الجماعات الإسلامية في ذروة نشاطها، الذي سبق اغتيال السادات مطلع الثمانينيات.
وهكذا تكشف لي مبكرا أن فكرة الوطن، بقدر ما تستأثر وجدانيا وعاطفيا بالفرد، غير أنها لم تجسد عندي منتهى الطموح، فكلما استقرت حياتي في مصر لسنوات أحسست بقوة الغربة، لأسباب لم أستطع تحديدها بشكل واضح، لكن ربما أهمها أنني عادة ما كنت أفتقد لغة مشتركة مع رفاقي، في زاوية النظر ورؤية الأمور، كنت مختلفا حريصا على إخفاء هذا الاختلاف، أعيش بينهم قارئا ولا اتحدث معهم عن أي كتاب، ولاحقا كاتبا، ولا أظهر ما أكتبه لأي منهم.
كان هناك ثمة شيء محدود وخانق ومحصور في المجتمع الصغير الممثل لحدود مدينتي الصغيرة المنصورة، وعندما هربت منها  إلى القاهرة قبل حتى أن أنتهي من دراستي الجامعية، كنت أشعر كمن كان غارقا في أعماق المياه وانتهى الأمر به أخيرا إلى سطح المياه، وانفتحت رئته على الحياة بعدما كاد أن يكون في عداد الأموات. لكن وجودي في القاهرة لم يستغرق سوى سنوات أربع، اكتشفت بعدها أنني استنفذت فضاء القاهرة، واكتسى لونها المشرق بلون رمادي كئيب جعلني راغبا في التحليق بعيدا إلى مكان جديد.
كانت مشكلتي مع المنصورة أنها مجتمع مسخ بين الريف والمدينة. مدينة شكلا، لكنها ريف من حيث القيم والعادات والتقاليد والطموحات، وبقدر ما بدت لي القاهرة في بداية انتقالي إليها مطلع التسعينيات عالما جديدا لانهائيا، يمتلك الكثير مما حلمت به لحياة عصرية مدنية ومتحررة، لكنها سرعان ما خذلتني؛ لأني اكتشفت أنها تجتذب دوائر الريف بقيمه العتيقة أيضا، وتفتح لها ذراعيها، حتى يختلط فيها كل شيء. مدينة تسلم ذاتها، لكنها تسلمها غصبا، وبدلا من ان تفرض قيمها المدنية على ساكنيها الجدد سرعان ما تمتثل لمنطق عكسي غريب، كأنها تنتقم لروحها التي سرقت منها، فتريّفت وأصبحت مكانا خانقا لم أقوَ على الحياة فيه.
 وسرعان ما بحثت عن أي وسيلة للسفر، ولم تُتح لي أي فرص سوى العودة إلى مركز طفولتي مرة أخرى.. مسقط.. التي عدت إليها مقتولا من الحنين إلى مواطن طفولتي فيها: المدرسة التي كنت أسير إليها يوميا على بعد ثلاثة كيلومترات من المنزل، فرن الخبز الإيراني القريب منها، المقهى الذي كنت أهرب إليه أحيانا من المدرسة، خوفا من مدرسين اشبه بـ"الغيلان"، البيت العتيق الذي عشت فيه، شجرة النبق التي كنت قد زرعتها في حديقة المنزل قبل سنوات، وهالني أنها لاتزال موجودة، بعد كل تلك السنوات التي تجاوزت العشر، وجذعها كبر وتمرد على جزء من السور المتاخم لها فكسرته، والكنيسة التي أديت بها طقوس الصلاة ذات مرة حين أودعني أبي في مدرسة تابعة لها يوم أحد وافق عطلة المدرسة، فما كان من راعية المدرسة إلا اصطحابي لتلك الكنيسة، وسوق روي العتيق الذي كنت أمر عليه يوميا ذهابا وإيابا من وإلى المدرسة. لكني أدركت، وبسرعة، أن الأشياء التي كانت ضخمة وكبيرة بوعي طفولتي قد تجردت من تلك العملقة الزائفة وأضحت صغيرة، وبعد سنوات ثلاث شعرت مرة أخرى بالاحتياج للرحيل.
 قررت أخيرًا أن أحقق حلمي بالذهاب إلى المدينة – الحلم، ورفيقة خيال الطفولة:  باريس.
في نافذة غرفة الفندق الصغير في شارع 4 سبتمبر كنت أحدق إلى الشارع غير مصدق. أنا في باريس.المدينة الحلم التي أثار خيالنا عنها طه حسين في أيامه الصعبة الأليمة والشاقة ومعه توفيق الحكيم متقنعا بقناع عصفور الشرق. وكلما استعدت هذه اللحظة التي استيقظت بها في أول صباحاتي في باريس أدرك كم كانت لحظة استثنائية.
تنشقت الهواء واطلقت نفسي في باريس . كنت أعيش في حلم، ومع ذلك فقد باغتني الواقع مرتين: الأولى حين تأملت باريس ليلا من على جسر صغير مطل على نهر "السين" وعلى كاتدرائية نوتردام، وبدت على عكس خيالي عنها؛ مدينة حزينة بلا إضاءات مبهرة كما كنت أتصور. وفي المترو كان الأفارقة الكثر يمنحوني إحساسا متناقضا عن باريس الأخرى، وذلك الشاب الباريسي الذي يشبه شخصية "تان تان" الكارتونية الشهيرة؛ الذي كان ينام جالسا طول الليل ملتحفًا بالصوف الذي يرتدي، مادًا يديه لما قد يمنحه إياه المارة. كان يخطف قلبي، ويريني باريس الفقر والعنصرية،  باريس الإمبريالية التي تعلم العالم الثورة والحرية بينما يعيش في هوامشها فقر مدقع، وبطالة، واحلام موءودة على رصيف الرأسمالية العالمية، التي راحت تشوه كل قيمة في العالم بامتياز.
أما الثانية فكانت تتعلق بضرورة الرحيل؛ خوفا من الإضرابات التي كانت تزداد يوميًا، ومنعتني من ركوب المواصلات الا نادرا.
تجاهلت خوفي من المغامرة باستمرار الإقامة في باريس؛ حيث انتويت أن أكمل إقامتي بها مغامرا الى أن يقضي الله أمرا، بدعوى الخوف من الإضرابات واحتمال وصولها إلى فئة عمال المطار؛ ما قد يمنعني من السفر أذا قررت، ولكني لم أستطع أن أمنع نفسي ولسنوات عن المقارنة، وعن إحساس الفرنسي بوطنه مقارنة بإحساسي انا المصري بوطني. ففي النهاية ورغم كل شيء كيف يمكن أن يكون إحساس فرد ينتمي لبلد تفتخر بثورة الديمقراطية والحرية والعدل في العالم وشخص ينتمي لبلد أنهكه المستعمر حتى كاد أن يقضي عليه؟
لكني، وبالرغم مما تشربته من نوازع وطنية، لم اكن شوفينيا قط. كنت بسبب حياتي خارج مصر لسنوات طويلة منذ الطفولة قد اكتسبت قدرة على التكيف مع أي مكان يقدّر لي أن أعيش فيه، كما تخلصت من تلك الميوعة العاطفية المصرية الشائعة لدى المصريين ، يقيناً مني بأن الوطن فكرة أكثر من كونه مكانا. وأن اغترابي المستمر لا علاقة له بالأماكن بقدر ما له علاقة بالبشر. وكلما وجدت من أستريح اليهم، أيا كانت جنسياتهم، واوطانهم، تبدد إحساسي بالغربة، تماما كما شأني مع مقهى آلفه فيصبح لي وطنا صغيرا، لأنه يمنحني ما يسعدني من صحبةٍ للذات والتأمل والكتابة والإحساس بالإنسانية.
لماذا تخايلني صورة القدمين الحافيتين لتلك الفتاة، التي لا أعرف لها ملامحا، وإلى أين؟ هل الوطن هو مجرد الحلم بالحياة معها في مكان ما؟ أم أن اقتفاء أثرها هذا في حد ذاته هو يقين بأن الحياة ليست سوى رحلة للبحث عن وطن؟
لعلها فتاة هجين، والدها من بلد بعيد نصف أوروبي ونصف شرقي، وهو ما يعني أنه أيضا متعدد الهويات، ولعل والدتها نصف مسلمة ونصف مسيحية، أو ربما نصف سنية ونصف شيعية، أو لعلها هجين من هذا كله: امرأة العالم الجديد مختلطة الهوية بكل ما يعنيه ذلك من زوال حدود فاصلة بين البلاد والعقائد والطوائف. إنسانة تخطو في صحراء الإنسانية، بحثا عن أرض جديدة بلا تمييز.
حين قرأت رواية "حبل سري" للكاتبة السورية مها حسن، اكتشفت أزمة الأكراد لأول مرة: كانت قضية الشعب الفلسطيني، هي النموذج المخيف لفكرة شعب تنتزع منه أرضه تحت بصر العالم، وباستخدام الأساطير والسلاح. وبدفع القوى المؤهلة للدفاع عن هذا الشعب للتفتت والتشرذم لأبعد مدى. وبحيث يكون الشتات للشعب الفلسطيني هو المصير البديل للوجود على ارضهم.
وفاجأتني مها حسن بقضية من نوع آخر، قضية شعب يعيش بهوية ولكن بلا وطن، ليس كالفلسطينيين حتى الذين انتزعوا من أوطانهم، بل هم يعيشون في مكان يشبه الوطن، لكنه لا يمثل هويتهم الحقيقية، شعب يعيش في شتات وجودي حقيقي، ولم يغب عن مخيلتي باستمرار  في أثناء قراءة هذه الرواية التي فتنت بها، فئة البدون، هذه الفئة التي تختلف عن الأكراد في جزء آخر، فهم يمتلكون هويتهم لكنهم يعيشون بلا حقوق من أي نوع؟

في حال الغضب أصرخ لنفسي كثيرًا بأننا نحن الوطن، نحن الأوطان: حتى لو كانت أوطانا لا مرئية، أوطانا تصنعها أرواحنا، التي تهفو لكل ما يجسد ضمير الإنسانية وقيمها.
في كهف معتم وبارد انطفأت شمعته الأخيرة، فاضت روح كاترين كليفتون، عشيقة المريض الإنجليزي، قضت عليها شكوك الولاءات المريضة لحدود أوطان تقدس رسم الحدود على كل قيمة أخرى، ولأجلها تقتل كل من لا يقع داخل هذا الإطار الحدودي، المصنوع باسم سلطة متعطشة لحكم أي بقعة من الأرض، تبيع نفسها لمن يرسم لها تلك الحدود وتمنحها كل ما تملك من كرامة مقابل أن تغذي عطشها المريض للسلطة والنفوذ والتحكم في مصائر البشر.
في الفضاء الافتراضي اليوم، يبدو العالم بالفعل عالما بلا خرائط، مفتوحًا على بعضه، تتدفق بينه الأفكار والأحلام والثورة والدموع بلا حدود، تنسال بينه الأحزان وتتدفق القصائد تشكل هوية جديدة لوطن يتسع للإنسانية؛ لحق الشعوب في أن تعيش أينما تشاء وكيفما تشاء، تقتفي أثرها الأوطان بينما لا تقتفي هي سوى الضمير الذي فقده وضيعه كل من رسموا الحدود والخرائط والأوطان.


قرأت في ملتقى الرواية العربية الاول في فلسطين- رام الله 9 مايو 2017

Saturday, April 22, 2017

إنجاز منيف شهادة إدانة للقمع وليس توثيقا لعذابات شخصية



من أسبوعين تقريبا أو اقل نشرت الحياة مقالا غريبا عجيبا
للدكتور فالح عبدالجبار زعم فيه إن الكاتب الروائي الراحل عبد الرحمن منيف سطا على مذكرات معتقل عربي مرموق في الاوساط الثقافية ليكتب رواية شرق المتوسط. والمقال ده غايظني 
أكثر من تردد أو تأخر أو امتناع الحياة عن نشره، ولذا أنشره هن
ا

فالح عبد الجبار يتذكر الآن فقط بطل شرق المتوسط!
 إنجاز منيف شهادة إدانة للقمع وليس توثيقا لعذابات شخصية

بداية أنوه أنني لا أعرف حيدر الشيخ علي، إلا بعد أن قرأت ما كتبه الكاتب العراقي فالح عبدالجبار باعتباره بطل رواية "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف. وأعرف الدكتور فالح عبدالجبار معرفة عابرة من خلال لقاء صحفي أجريته معه مطلع التسعينات لصحيفة عربية، وقرأت له كتابين إن لم تخني ذاكرتي هما "معالم العقلانية والخرافة في الفكر العربي"، "المادية والفكر الديني المعاصر". وأزعم أنني لا أعرف الكاتب الراحل عبدالرحمن منيف، بشكل شخصي، سوى أنني كنت بين من وقفوا ليصفقوا مطولا وبحماس وصدق وتقدير لحظة إعلانه الفائز بأول دورة من دورات جائزة الرواية العربية في القاهرة، وبإجماع أغلب الحضور الذين كانوا يرون في منجزه ما يستحق الافتخار في مسيرة السرد العربي الحديث.
 لكني، وهذا هو موضوعي هنا، أعرف منيف روائيا قديرا عبر أعماله التي أتيح لي قراءتها وبينها الجزئين الأولين من مدن الملح، وشرق المتوسط، والآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى، والأشجار واغتيال مرزوق وقصة حب مجوسية، وربما أعمال أخرى تخونني ذاكرتي الآن في تذكرها.
 لهذا روعني مقال فالح عبدالجبار الذي تهم فيه منيف بسرقة مذكرات حيدر الشيخ علي، ليكتب منها رواية شرق المتوسط، وأنه فقير الخيال! وأنه أي عبدالجبار هو الذي منح تسجيلات السجن لمنيف.
 وبالرغم من إعلان اعتزازه بنشر تجربة حيدر في شكل روائي، فإنه يعود ليقول : "لكن الرواية خلت من أي إشارة الى صاحبها، صحيح ان مكان وزمان الحوادث ألغيا تماماً، في إطار ترميز فني او تهرب من الواقع، الا أن حيدر، شأني انا، أصيب بما يشبه الصدمة بسبب اغفال ذكر مصدر القصة الذي اخذ في شكل نصيّ. ما السبب في إلباس هوية البطل طاقية إخفاء او اغفال المصدر؟ هل هو الاعتقاد بأن من حق الروائي أخذ كل ما يصادفه، نوع من الاعتقاد بامتلاك الأشياء بمجرد ان يقع بصر المرء عليها؟ ام الاعتقاد بأن تحرير المادة فنياً يلغي حق انتسابها إلى لآخر؟ أم هو إغفال غير مقصود؟ ام هو إقصاء لهوية الشيوعي بدافع تحزّب أيديولوجي؟ لقد رحل منيف ولن نعرف جليّة الأمر. لعله اودع مكنونه لشخص ما، سنظل بانتظاره حتى لو كان غودو بيكيت! لكن الثابت ان حق الملكية الفكرية غائب".
ما يدهشني حقا هنا، أن منيف أرسل في العام 19911 ثلاث نسخ من الرواية النشورة لملهم العمل، ومع ذلك فلم ينطق الرجل بحرف منذ 27 عاما، إلا اليوم! ولم يقل عبدالجبار أيضا شيئا إلا بعد مضي كل هذا التاريخ، رغم أن منيف لم ينشر هذه التجربة فقط، بل وأعاد توسيعها وتأكيدها في روايته "الآن هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى".
 وما يعنيني هنا أنني أرى أن منيف قد أدى واجبه الفني كروائي قدير، أي أنه سجل عملا فنيا بالدرجة الأولى، وتوثيقيا تاليا، قدم به وثيقة إدانة فنية لتجربة الاعتقال المهينة واللاإنسانية للمعارضين السياسيين العرب خلال الستينات وحتى الثمانينات، وألقى الضوء على بشاعة ما يتعرض له المعتقلين السياسيين العرب من الجلادين في السجون العربية، مؤكدا شمولية فكرته حين أصر على تجريد مكان الحدث والسجن، لأن السجن فكرة أكبر من دولة بعينها والمعتقلون أيضا.
 قدم منيف شهادة فنية صادقة، وأوصل لأسماعنا جميعا صرخات الألم التي كانت مسجونة داخل الزنازين المغلقة، وبتفاصيل مدهشة ومرعبة، ليفضح عالما من القمع المرعب الذي عرفه عدد كبير جدا من مثقفينا ومناضلينا.
 بالتالي في تقديري لو ذكر منيف اسم الشخص، وليس هذا مقصده بالتأكيد لأضعف النص فنيا، ولأصبح مجرد شهادة توثق حالة وحيدة من حالات التعذيب والقمع، بينما اقترح البديل الأكثر رمزية ودلالة وفنية وهو منح التجربة سمة عربية وربما إنسانية وعالمية، وجعل بطل العمل رمزا لكل معتقل في سجون الظالمين.
 أما هذه المرارة التي يتحدث بها فالح عبدالجبار عن غبن حق صديقه المناضل، فكان احرى به أن يوثقها بنفسه، أو أن يقنع صاحبها بأن يكتب مذكراته الشخصية طالما أنه مهتم بإعلان مدى الظلم والتعسف الذي تعرض له في المعتقل، بدلا من إدانة العمل النبيل الذي أنجزه منيف على أفضل وجه ممكن فنيا وتوثيقيا ودلاليا.

Monday, February 20, 2017

حارة المعجزات!


حارة المعجزات!

إبراهيم فرغلي





شاهدت بالصدفة غلافين مختلفين لرواية زقاق المدق لنجيب محفوظ في ترجمات للإسبانية، حين كنت أتصفح الإنترنت.

لفت انتباهي أن الغلافين يصوران زقاقا من أحد أحياء مدن الجزائر القديمة، وأن المرأة في الصورة ترتدي الحايك، أو "الحائك" وهو الزي التقليدي القديم للنساء في الجزائر والمغرب وربما منطقة شمال إفريقيا عموما.
اندهشت، لأنني لم افهم هل القائمون على دار النشر الإسبانية لا يعرفون الفارق بين الحارة المصرية وتلك الجزائرية أو المغربية، أم أنهم لا يهتمون بالفروق بين خصوصيات دول تلك الكتلة المشوشة المضطربة من العالم التي يعرفونها بالشرق الأوسط؟
هل الخيال القديم للشرق لا يزال طاغيا إلى هذا الحد في عقول الناشرين الغربيين، أم أنهم يغازلون هذا الخيال لدى القطاع الأوسع من جمهور أوربا الذي لا يعرف بالفعل عن الثقافة العربية والمجتمعات العربية سوى قشور مما خلفه المستشرقون، وكوارث الأخبار اليومية إذا مست حياتهم اليومية؟
في أي الأحوال، وبغض النظر عن كون الدار تملك مستشارا فنيا عربيا، أو لا تهتم، فإن الغلافين أكدا لي ما أشعر به حيال حالة النخبة الغربية المعاصرة، التي تبدو لي نخبة مما يمكن أن نطلق عليهم خبراء، بتعبير الصديق مهاب نصر أيضا، أكثر كثيرا من كونهم مفكرين.
النخبة الغربية اليوم، ومهما تظاهرت باهتمامها بالشرق، تبدو لي مهتمة وفق منهج أكاديمي، ممتلئ بالكلاشيهات.
كلاشيهات تعرفها هذه النخبة عن الحريات الشخصية، حقوق المرأة، الديمقراطية، الاقتراع في الانتخابات. وتحاول فهم ما تراه وفقا لمعاييرها الغربية، الإجرائية. بالتالي فالديمقراطية لدى النخبة الغربية الإجرائية تعني وجود صندوق انتخابي ومقترعين مثلا. لا علاقة لهم بنوع المقترعين، بالوعي، أو بوجود أو عدم وجود ثقافة ديمقراطية أساسا بين هؤلاء المقترعين وبعضهم البعض. لا معرفة بحقيقة التباينات الثقافية بين الريف والحضر، وبين المدن والقرى أو طبقات المجتمع المصري.  
ولهذا فمن البديهي أن تباغت هذه النخب، ليس بما يحدث في الشرق الأوسط، فقط، بل بما يحدث في الغرب، في موطنهم، من تغيرات ثقافية يظل النخبوي الغربي الإجرائي مصرا أنها "تغيرات ثقافية علينا القبول بها"، من دون محاولة فهم جدية لأخطاء الشكلية الإجرائية، التي تحولت إليها الديمقراطية الغربية، أو لمراجعة سلبيات المنهج النيوليبرالي في جعل مفهوم "الحرية" الشكلاني وسيلة لتحويل مقدرات الشعوب وثرواتهم بين أيدي بضعة مئات من المليارديرات في العالم مقابل ملايين البشر الذين لا يمتلكون ما يكفي حاجتهم الأساسية. من دون أدنى محاولة للوقوف بجدية أمام سياسات حكوماتهم الديمقراطية تجاه العرب، والتي دمرت أكثر من دولة عربية ولا زالت مستمرة في سعيها.
وهناك اليوم أفكار بالغة الأهمية في نقد تناقضات الحكومات الغربية في سلوكها بين الشعارات الديمقراطية التي ترفعها من جهة، والممارسات الإستغلالية التي تقوم بها لتوسيع مجال نفوذها الاقتصادي والسياسي في العالم، بل وحتى ازدواجياتها في قضية الصراع العربي الإسرائيلي. 
بين أصحب هذه المراجعات مثلا الفيلسوف السلوفيني المثير للجدل سلافوي جيجيك، والمفكر الماركسي ديفيد هارفي، والناشط  والسينمائي مايكل مور في الولايات المتحدة وغيرهم.

لكن ما يهمني الإشارة له هو العديد من الأفكار المهمة التي يضع ديفيد هارفي، يده عليها في كتابه "الليبرالية الجديدة"، والذي سأتعرض له بالتفصيل. 
تغريدة نشرت في صحيفة القاهرة 

Thursday, January 19, 2017

Ibrahim Farghali wins Sawiris Cultural Awards for best novel


Ibrahim Farghali wins Sawiris Cultural Awards for best novel of 
established writers

Farghali receiving the prize from Minster of Culture



Egyptian writer Ibrahim Farghali won the Sawiris Cultural Award for best novel in the branch of Established Writers on his latest work “Maabad Anamel Al-Harir” (Temple of Silk Fingertips), published by Difaf and Al-Ikhtilaf. Farghali received the award in a ceremony held at the Cairo Opera House a few days ago, in the presence of Egyptian Culture Minister Helmi El-Namnam, a number of ministers and ambassadors of Arab and foreign countries, public figures, intellectuals and Cinema and television Stars as well as members of the jury of the Awards.
The Jury of the prize described Farghali’s novel as it draws attention to both style and form, “the writing style of this novel is humanized and steps above other narrative elements. It shows vitality of writing and its unique features. This work of fiction presents at the same time an interesting world that takes some elements of reality to create a fictional world, an imaginary one that has several fantasy paths and diverse entanglements of destinies.”
This is the second Sawiris award for Farghali in the same branch as his famous novel “Abnaa’ Al-Jabalawy” (Sons of Jabalawy) received the award of best novel for Established Writers in 2013.
Ibrahim Farghali is an Egyptian novelist who belongs to the generation of writers of the nighties. He published his first collection of short stories “Bitijah Al-ma’aaki” (Toward the lacrimal bay) in 1997. His second novel “Ibtisamat Al-Qidissine” (The Smiles of the Saints), published in 2004 and translated into English, depicts the relations between Copts and Muslims in Egypt nowadays in a sensitive distinctive style which offers an appealing mix between fantasy and reality. He also has other fiction works, described as full of imagination and magical realism such as his first novel “Kahf Al-Farashat” (Butterflies Cave), published in 1998. His other work includes two novels “Jeneyah in Qaroura” (Genie in a bottle), 2006, and “Abnaa’ Al-Jabalawy” (Sons of Jabalawy), 2009. He wrote also two novels for youth (age 11-14 years), the first “Moghamra fi Madinet Al-Mawta” (Adventure in the City of the Dead), 2014, an

d the second “Massassou Al-Hebr” (Ink Vampires), 2015.
The Sawiris Cultural Award is a prestigious Egyptian prize established in 2005 by the Sawiris Foundation, a human development organisation set up by the wealthy Sawiris family. The Awards is handed to artists in six different fields: best novel and story collection for established writers; best novel and short story collection for emerging writers; best film script for established writers, best film script for emerging writers; best theatre script; and best work of literary criticism.

Asia In - Jan 17- 2017