Tuesday, October 28, 2014

ملالا يوسفزاي تتحدى الطالبان وتلهم العالم


حصلت على نوبل للسلام باستحقاق..
ملالا يوسفزاي تتحدى الطالبان وتلهم العالم


إبراهيم فرغلي




قبل عدة أشهر وقعتُ بالصدفة على فيديو لخطبة ملالا يوسفزاي في الأمم المتحدة بمناسبة تكريمها في اليوم الذي عُرف باسم "يوم ملالا"، الموافق العاشر من نوفمبر، عقب شهر واحد من محاولة اغتيالها على يد أحد أتباع جماعة الطالبان بسبب دعوتها لتعليم الفتيات وانتقادها لجماعة طالبان، وهو اليوم الذي أحياه الأمين العام للأمم المتحدة،  بان كي مون باعتبارها رمزًا عالميا للتذكير بالهدف من التعليم الواجب توفيره لكافة أطفال العالم.



وأعترف أنني تأثرت بالثقة الشديدة التي تتخلص من شوائب الغرور أو المراهقة، وأعجبت بالخطاب المفوّه للفتاة ذات الخمس عشر ربيعا التي اتشحت بالوشاح الذي كانت ترتديه رئيسة وزراء الباكستانية الشهيدة بنازير بوتو.


ورغم ذلك فحين أعلن عن حصولها على جائزة نوبل للسلام الأسبوع الماضي، تلقيت الخبر بحذرٍ وتحفّظ، لا علاقة له بيقيني في أحقية هذه الفتاة الشجاعة الملهمة، بقدر ما تعلق بريبتي في الجائزة نفسها التي أظنها كانت محل جدل وريبة واختيارات مريعة على مدى سنوات.

لكني حين انتهيت من قراءة  سيرة ملالا التي صدرت ترجمتها العربية على يد أنور الشامي عن المركز الثقافي العربي، قلت لنفسي هنيئا لنوبل للسلام، هذا الاختيار الذي يمكن أن يزيح عن الجائزة قدرًا كبيرًا من الآثام التي ارتكبتها باختيارات غير موفقة أو مبررة، أثرّت على  سُمعة الجائزة على مدى سنوات.  
تبين لي سرّ فصاحة ولباقة ملالا، عبر سطور الكتاب، حين قصّت في معرض تناولها لسيرة والدها ضياء الدين يوسفزاي، كيف أنه كان يعاني من صعوبات في الكلام حيث تتعلق الكلمات في فمه، ويتعتع في نطق كلمة ما كأن جدارًا يقف أمام الكلمة ويمنعها من الحركة، وكان ذلك مثار سخرية والده، فما كان من الأب إلا أن تحدى نفسه وشارك في مسابقة للخطابة، وفاز بها. ولا شك أنها ورثت هذه المقدرة المدهشة عن والدها.

يتضمن الكتاب سيرة سريعة لوالدها ووالدتها، وقصة حبهما التي تعد قصة نادرة في مجتمع ذكوري لا تُحترم فيه المرأة، وتجمع قصتهما، في الوقت نفسه، بين رجل وهب نفسه لكي يحقق حلمه في أن يمتلك مدرسة ويديرها لأنه لم يستطع أن يعمل مدرّسًا في مناخ يضيّق على الطلبة ويعيق القيم الحقيقية للتعليم القائم على الفهم والصداقة بين الأستاذ والطالب، وبين، بِكاي، المرأة الجميلة التي لم تتعلم رغم حصولها على فرصة التعليم في طفولتها، ولاحقا حين وقعت في حب ضياء الدين وتزوجته ندمت على الفرصة التي تخلت عنها حين اكتشفت عدم قدرتها على قراءة القصائد التي يكتبها لها، والتفاعل مع رجل يهوى القراءة وأمله أن يدير مدرسته الخاصة. لكن اللافت هو تقدير ضياء الدين المستمر لها، واستشارته له في كل شؤونه. "بكاي، لقد اختلط عليَّ الأمر فساعديني".

 تحكي ملالا كذلك عن الجد والد الأب، وتفاصيل نشأته خطيبًا وفقيهًا دينيًا، لكنه كان مستنيرًا مثلما نشأ ابنه الذي عُرف عنه أنه لم يخش النقاش في أي شأن يخص انتقاد الملالي أو الجيش أو السلطة بصوتٍ عال..

يتضمن الكتاب سردًا دقيقًا لتاريخ وادي سوات، شمال غرب باكستان قرب الحدود مع افغانستان، والذي تصفه يوسفزاي باعتباره قطعة من الجنة بتلاله الشاهقة وجداول المياه المنتشرة به وبساتينه، وثلوجه الشتوية، التي تزيح كل آثار الصيف المتفاعلة مع آثار الفقر وقلة المياه النظيفة وانتشار القمامة وندرة وسائل الصرف. وتتتبع تاريخ قبائل البشتون التي تنتمي لها، الذين يعلون من قيمة الشرف كقيمة لا تعادلها قيمة أخرى إلا الكرم، ولا يسير أي منهم بلا سلاح في الوقت نفسه، كما تشير لسلبيات البشتون فيما يتعلق بنظرتهم الدنيوية للإناث التي لا تجعل من ولادة الأنثى سوى موضعا للخزي، ولكنها تفخر بأن أباها كان ولا يزال فخورا بها رغم أنها حظيت لاحقا بشقيقين هما خاشوم وأتليل. فقد أسماها تيمنا باسم المناضلة الأفغانية ملالاي مايواند، التي شاركت في الحرب الأنجلو أفغانية عام 1880 وقتلت بين النيران فألهبت حماس الرجال وانتصروا في حربهم تلك ضد الانجليز.

كما تسرد تاريخ الوادي قبل الاستعمار، وصولا إلى التقسيم الذي جعل منه جزءا من باكستان أول دولة إسلامية في العصر الحديث على يد محمد علي جناح، ثم تاريخ الباكستان المعاصر، بحروبه الثلاثة مع الهند، مرورا بفترة نهاية السبعينات حين بدأت الحرب الأفغانية الروسية التي شهدت بداية تكون جماعات الجهات المسلحة، ودعمها من قبل الأمريكان، ثم تطورها بالدعم العاطفي من أناس متدينين بالفطرة وغير متعلمين ولا يعرفون العربية، مما جعلهم أسرى تفسيرات الملالي للدين غير الصحيحة. وحين انتبه الشعب للخطر الذي يمثله الطالبان وزيف دعاواهم كان الوقت قد تأخر كثيرًا.

ويلقي الكتاب الضوء بشكل مفصّل على العلاقة المركبة بين أمريكا وباكستان والتي وصلت طريقا شبه مسدود بعد تنفيذ عملية قتل "بن لادن" من دون معرفة المخابرات الباكستانية، ما أحرج الدولة الباكستانية أمام مواطنيها، وجعل الكثيرون يتأكدون مما تردد مطولا عن أن الجيش والطالبان بينهم توائمات ما تسببت في تغلغل طالبان في الحياة في باكستان، وأن تساهل الجيش لسنوات معهم أسهم في إطلاق قبضتهم حتى عادوا بالبلاد إلى زمن سحيق.

تسرد بالتفصيل معاناة شعب فقير، قليل الحيلة، لا يعرف شيئا عما يدور خارج واديه الصغير، تسلطت عليه قوى الملالي فضل الله ومن تبعه، وهم يمنعون الناس عن الغناء والموسيقى والتعليم، بالقوة حتى أنهم فجّروا 400 مدرسة، ومنعوا الفتيات من الالتحاق بالمدارس، بالتوازي مع قصة كفاح وعناد من أبيها وبعض أقرانه لقضية التعليم وأهميته في رفع شأن بلادهم من جهة وكسلاح رئيس لمواجهة الأفكار المتطرفة التي يمثلها طالبان والملالي. وتأثرها بذلك كله هي التي تصف نفسها أنها تقريبا نشأت في المدرسة وعاشت بها أكثر مما عاشت في منزلهم البسيط الفقير. 

وكان شغفها بالقراءة والتعلم والتفوق أمرًا أساسيًا تعده مصيرًا لا رجوع عنه هي وصديقتي طفولتها اللتين كانت تتقاسم معهما التفوق. وكانت واحدة منهما معها لحظة تلقّيها الطلقات التي أرادتها قتيلة لولا عنياة القدر. تصف أيام الرعب التي سادت حين امتلك طالبان السلطة من دون أي تدخل يذكر من الدولة، ونزوح أغلب السكان خارج الوادي حين قرر الجيش أخيرًا أن يقضي على سلطة طالبان، بعد شهور طويلة من الرعب ومشاهد الذبح للأهل والأصدقاء الذين كانوا يرون جثثهم ملقاة في الشوارع في صباح كل يوم. ثم عودتها من منفاهم الاختياري في قرية الأب شانجلا، وهي أكثر رغبة في التعلم وفي تبني قضية تعليم الفتيات في بلدها كقضية مصير، وهو ما جعلها تتحدث لوسائل الإعلام الأجنبية.

 ثم تلقت دعوة من بي بي سي لكتابة يومياتها باسم مستعار هو جول ماكاي، تسرد الفظائع التي تتعرض لها الفتيات اللائي يرغبن في إتمام تعليمهن في سوات. وسرد تفاصيل الواقع اليومي المخيف غير الآمن لأي شخص لا يتبع أهواء طالبان، حيث يقتحمون البيوت والمحال ويقومون بجلد الناس وتعذيبهم أو قتلهم، وتحظى الفتيات والسيدات بالجانب الأكبر من التهديد. وصولا إلى استهدافها شخصيا بالقتل حيث تروي الوقائع الدامية لهذه التجربة المأساوية.

هذا الكتاب مُلهم على أكثر من مستوى، فهو يقدم نموذجًا لفتاة لا يتجاوز عمرها 16 عامًا، لكنّها ذات إرادة قويّة ربما كان لها دور ليس فقط في مواجهة مخاوفها في تحديها لسلطة طالبان فقط، بل وفي تشبثها بالحياة وعودتها أكثر شجاعة وقوة. كما أنها تُقدم دليلا عمليا على أن التغيير لا يتم بالثرثرة والنقد السلبي فقط بل، أيضا وأساسا، بالمواقف والعمل حيث انها ساعدت والدها من خلال الجوائز التي تلقتها قبل نوبل في مساعدته لتحديث مدارسه، وفي إنشاء مؤسسة لمساعدة الأطفال الراغبين في التعلم في العالم. والأهم من هذا كله أنها قدمت ولا تزال تقدم للأطفال والشباب في أرجاء العالم وليس في باكستان فقط نموذجا ناصعا لكيفية مواجهة المستحيلات والقدرة على تغيير العالم حين يمتلك الفرد القدرة على أن يرفع صوته ثم يبادر بعد ذلك مباشرة بالفعل وهو يرى أحلامه في الأفق ولا يحيد عنها. بروح ناضجة لم تتخل عن طفوليتها في الوقت نفسه وهذا سر عبقريتها في تقديري. وهذه تحية مني لشخصية مميزة ألهمتني شخصيا.

الكتاب: أنا ملالا.
المؤلف: ملالا يوسفزاي
المحرر: كريستينا لامب.
المترجم: أنور شامي.
الصفحات: 416
الناشر: المركز الثقافي العربي – المغرب


 نشر مختصرا في جريدة الأهرام في 22 أكتوبر 2014، وهذه النسخة الكاملة من المقال 

لمن يرغب الإطلاع على لقاءات وخطب ملالا يوسفزاي قبل وبعد نوبل هنا بعض الروابط: