Saturday, May 28, 2016

قوة الرواية 1

تغريدة

قوة الرواية

إبراهيم فرغلي



بالرغم من رواج الرواية مقارنة بغيرها من الأجناس الأدبية خصوصا القصة والشعر، فإنني أشعر أنها لا تحظى بالمكانة التي تستحقها في مجتمعاتنا العربية.

ثمة إقبال ملحوظ على الرواية،وهناك اهتمام كبير بتداولها، تعبر عنه الزيادة الملحوظة لمكتبات الكتب الجديدة في ضواحي عديدة في القاهرة، وخارجها. إضافة للاهتمام بنقد القراء للروايات في مواقع الميديا المختلفة. وتعدد الجوائز العربية الإقليمية والمحلية.
لكن، مع ذلك، فلا يبدو أن موقع الرواية، على مستوى الوعي الثقافي، يحظى بنفس الاهتمام. فلا تزال النظرة العامة للرواية نظرة مستريبة، تسمها بالخفة، ولا تتعاطى معها بالجدية التي تتناسب مع قوة الرواية كجنس أدبي معرفي، وكمساحة مهمة لإطلاق طاقة الخيال التي تعاني مجتمعاتنا قصورا شديدا في روافدها.
كنت أقرأ في الكتاب اللافت "هنا والآن" الذي ضم مراسلات الروائيين بول أوستر وجون كوتزي، الصادر بتوقيع أحمد شافعي عن الكتب خان، وانتبهت إلى ملاحظة لكوتزي عن الكهف الذي أشار إليه سقراط قبل قرنين من الزمان ويضم شاشات خيالية مضاءة. انتبهت إلى قوة خيال سقراط  الاستباقية. أقصد أن ما كان في ذلك العهد البعيد مجرد خيال أثبت الزمن أنه استباق مدهش للمستقبل. وفي هذا تحديدا تكمن واحدة من قوة الرواية. وهو ما يقال عنه أحيانا أنه القوة التنبؤية للروائي، وربما بمعنى آخر قدرة الكاتب على أن يتيح للقارئ أن يفهم نفسه أكثر، وأن يفكك له العالم المحيط به لكي يعيد اكتشافه.
في محاضرة شيقة حضرتهاالأسبوع الماضي للكاتبة الكويتية بثينة العيسى، كانت تتناول بعض الأدلة على كون الرواية في الأساس كتاب معرفة. ضربت أمثلة من روايات عديدة، ومن بينها لفتت اعتراف فرويد أنه يدين بالفضل للكثير مما توصل إليه في نظرياته في علم النفس لأعمال الروائي الكبير دوستويفسكي.
تقول العيسى: إذا قلنا أن الهدف من القراءة هو بناء تصور عن العالم وعن الذات فالرواية هي سيدة النصوص في هذا الشأن. لأنها تكتب من أجل بناء هذا التصور. وتستشهد العيسى بمقولة دالة لغسان كنفاني "إنهم يحكمون عليك لأنهم لا يعرفونك". وتوضح أن قدرة عالمنا العربي المذهلة في تحول كل فرد إلى قاض يحاكم الآخرين، مرتبطة ارتباطا وثيقا بجهلنا ببعضنا البعض.
ما تعنيه بثينة هنا، أن الرواية تتيح للقارئأن يعرف الآخر، ويفهم نفسيته، ومنهج تفكيره بناء على خبراته الحياتية. وإذا عرف القارئ ذلك، فلن يجرؤ على أن يحكم على آخر. وتقترح بنص قولها أن "كل عصبياتنا  وعنصريتنا هي في الحقيقة ضعف في المخيلة"، وهذا هو دور الرواية والقصة: أن تصقل مخيلتنا.
وأظن أن أحد كبار الروائيينالعرب نجيب محفوظ، كان يقدم بسلوكه الشخصي نموذجا مدهشا لهذا الوعي بقوة الرواية، لأنه لم يتورط في الحكم على شخص أو على أحد، في حدود معرفتي بسيرته.
لكن، كما ثبت أن عالمنا العربي لم يقرأ محفوظ كما ينبغي، ولم يفهم حقيقة الدور الذي قدمه في فهم العالم والواقع وما وراء الواقع، يثبت الآن أن الرواية لا تقرأ في عالمنا بالجدية المفترضة.
هل يعود ذلك إلى أزمة قراءة أم أزمة كتابة؟ هذا ما سأتأمله الأسبوع اللاحق.


مقالي في "القاهرة" في 10 مايو 2016