Monday, May 9, 2016

فصل من ابتسامات القديسين


فصل من ابتسامات القديسين
إبراهيم فرغلي


ألعاب الزمن والصدفة شكلت تفاصيل حياتي كلها، وهي التي أعانتني على الهروب من طيف كريستين بظهور ماريا التي أنقذتني من هلاوس وهواجس عديدة. وهي نفس الألعاب التي جعلتني أستبدل بطيف كريستين طيف ماريا، لكن المفاجأة في هذه المرة كانت أكبر.
كنت قد بدأت التعايش بشكل نسبي مع فكرة الحياة من دون ماريا.
وتجرأت على المرور أمام الأماكن التي كانت تمثل ألماً لا يطاق بفعل التهاب الذكريات المحفورة في أعماق الروح كلما مررت أمام أي منها: المدرسة اليوناني.. راندوبلو... كازينو النيل، وغيرها.
وبفضل الاكتئاب وعدم الرغبة في الخروج كنت أقضي أغلب الوقت جالساً في البيت، أقرأ ما تيسر، إذا ما كان ذهني صافياً، أو أجلس مذهولاً أمام شاشة التليفزيون، بلا أي إرادة حقيقية لمشاهدة شيء بعينه. أما أغلب الوقت فأقضيه في غرفتي، أستمع إلى الموسيقى بلا كلل.. علها تستطيع أن تشفي روحي.
وفي غرفتي تلقيت خبر عودتها مذهولاً حين وجدت نادية تفتح الباب وهي ترسم ابتسامة دهشة بلهاء، لتعلن لي خبر وجود كريستين في الصالون!
مدت لي يدها وهي ترسم ابتسامة ودودة، وتحدق فيّ دون أن تنطق بحرف، وأحسست أن ملامح وجهها الجميلة قد صارت أكثر نضجاً، أمسكت يدها وأنا أتعمد أن أضغط عليها قليلاً، كأنني أحاول أن أنقل لها ما لا أستطيع التعبير عنه قولا». أحتضن كفها الدافئ البض، مستعيداً عمراً من المشاعر الذي خلت أنه قد ولى من حياتي إلى الأبد. اقتربت منها لأقبلها، فتلقت قبلتي بوداعة، ولم تنطق بشيء.
وبعدما أحضرت نادية أقداح الشاي، وبدأت أستوعب وجودها مرة أخرى في الحياة بدأت خيوط الكلام تجمع شتاتها، لكنني بمرور الوقت اكتشفت أنني الذي أخذت أثرثر بلا انقطاع، إذ إنها كانت شاردة، أغلب الوقت. أحسست أن روحها أقل توهجاً مما عرفته عنها.

***

بدأنا نستعيد علاقتنا تدريجياً، وكأننا نحاول تجاوز آثار موت عماد، وإيجاد صياغة جديدة لعلاقة ثنائية لا يوجد فيها مكان لعماد سوى كطيف شاحب لذكريات أيام لن نستطيع استعادة رونقها مرة أخرى، وأن نحاول إحياء المساحات التي ماتت في قلبينا أيضاً. لم يكن من السهل أن أستعيد نفس المشاعر بعد مروري بتجربة ماريا التي فرضت وجودها كطيف أقارنه بكل ما تفعله كريستين، كما كنت على يقين من أنها لا يمكن أن تكون نفس الإنسانة قبل أن تخوض تجربة الرهبنة، حكيت لها عن الدراسة بكلية الحقوق، وعن بعض اساتذة الكلية وخاصة د. الشافعي بشير الذي غالبا ما تتحول محاضراته في القانون الدولي إلى بدايات مظاهرة سرعان ما تخرج من المدرج إلى حرم الجامعة أسبوعياً.
وأخبرتني أنها فقدت سنة دراسية وستضطر لإعادة الثانوية العامة.
حدثتها باقتضاب شديد عن تجربتي مع الجماعة، ولم أكن متحمساً للحديث في الموضوع. وحكت لي باختصار شديد الطقوس الأولى التي بدأتها في الدير.
وعندما سألتها عن السبب الذي قررت من أجله ترك الدير والتخلي عن حياتها كراهبة تقلصت ملامح وجهها لوهلة، ثم بدأت تحاول أن تدخل إلى الموضوع وهي مترددة، ثم صمتت مرة أخرى لفترة قبل أن تقول لي في حسم:
- أحسن ما نتلكمش في موضوع الدين ده تاني.
- يعني إيه؟
- يعني أنا مش هاتكلم عن أي حاجة ليها علاقة بالدين تاني... ويا ريت ما تحاولش تخللينا نتكلم.
- طيب أنا كمان مش هاحكيلك أنا سبت الجماعة ليه!
ابتسمت ولم تعلق بأي شيء.
وبعد فترة صمت أخيرة قلت لها:
- طيب مش هنروح نولع شمع في مار جرجس حتى؟
اغرورقت عيناها بالدموع وهي تهز رأسها سلباً، وأدركت أن كثيراً من الطقوس المشتركة التي كنا نمارسها معاً لن يكون بإمكاننا أن نكررها مرة أخرى، وتذكرت المرة الأخيرة التي ذهبنا فيها إلى «مار جرجس» في «شارع بورسعيد»، حيث أوقدنا الشموع من أجل عماد للمرة الأخيرة.
سنفقد هذه التجارب المشتركة الجميلة، كما اننا لن نشاهد طيور الحمام التي تحلق وتملأ المكان برفيفها وسط الضوء الساطع كلما سمعنا عن ظهور العذرا في كنيسة من الكنائس.. سنصاب بالعمى من الآن فصاعدا!