Friday, April 1, 2016

شر البلية في قضية قتل وتعذيب الضحية الإيطالية



شر البلية


إبراهيم فرغلي

يقال أن شر البلية ما يُضحك، تمامًا كما التناقضات والسيناريوهات التي تتوالى من وزارة الداخلية في قضية تعذيب وقتل الباحث الإيطالي.
لا أعرف من المسؤول عن تصريحات الداخلية التي لا تثير إلا الشكوك، والغضب؛ بسبب إحساس عائلة الضحية بالاستخفاف بمشاعرهم، ثم إحساس المجتمع المصري بالاستهانة بعقول أفراده، فما بالك بالمجتمع الدولي الذي يترقب نتائج التحقيقات في هذه القضية الخطيرة، ويضع عينه على شرطة مصر وأداءها، خصوصا وأن الشرطة المصرية، مع الأسف، لها سمعة عالمية في مسألة التعذيب، بلغت حدا فضائحيا خلال الفترة التي سبقت اشتعال الانتفاضة على حكم حسني مبارك وأدت إلى إسقاط حكمه بإرادة شعبية عنيدة.

ويبدو أن عددا من أفراد الداخلية يظنون أن غضب المصريين ونقمتهم على الإرهاب والإرهابيين، قد يؤدي إلى تغافلهم عن قضايا التعذيب التي لا تزال مستمرة كما تشير تقارير عديدة، وكما شهدنا من وقائع خلال الشهور الفائتة. وهو ما أظنه تقدير في غير محله، خصوصا وأن حالة الغضب الشعبي، مهما تغاضى البعض اليوم عن كثير من التجاوزات من مبدأ تقدير الأفراد المجدين في جهاز الداخلية ممن يبذلون جهدا بارزا في القضاء على الإرهاب، أو تحقيق الاستقرار، لا تزال تعكس عدم ثقة كبير من الجمهور تجاه رجال الشرطة الذين يتجاوزون في حق الشعب.
وقد كان قرار الإفراج عن "معتقل التي شيرت" كاشفا للكيفية التي تتعامل بها بعض الأجهزة في مصر بتعسف مقصود، قد لا يؤدي سوى للمزيد من الغضب الشعبي تجاه ممارسات الشرطة السلبية، أيا كانت أسبابها: سوء التقدير، أو انعدام الكفاءة، أو التربص، أو غيرها.
نحن في الواقع أمام معضلة كبيرة، فإذا كان التفويض الذي منحه الشعب للرئيس لمحاربة الإرهاب قائم في جانب كبير منه على الثقة في جهاز الداخلية باعتبارها الجهة المتخصصة في هذا الصدد، وإذا ثبت أن هناك دلالات عدم كفاءة عديدة لدى هذا الجهاز، فكيف سيستمر أصحاب التفويض في هذه الثقة بنفس اليقين الذي كان لديهم في 30 يونية؟

هذه السلبيات تتسبب أيضا في إحراج الدولة والنظام أمام العالم، بل أمام المواطنين الذين ينعدم إحساسهم بالأمان بسبب ممارسات غير مسؤولة من أفراد يفترض أنهم مسؤولين مباشرة عن أمن المواطنين.
كما أن الفئات التي تعاني من عدم الكفاءة في جهاز الشرطة، باستخدام وسائل التعذيب التي تغطي بها على عدم قدراتها على الحصول على المعلومات أو أداء واجبها الشرطي بنزاهة، أو حتى لأسباب تعود إلى مشكلات نفسية، تسيئ بشكل مضاعف لأفراد الشرطة أنفسهم في الأقسام التي تقف على خط المواجهة المباشر مع نيران الإرهابيين.
أما الخسائر الفادحة التي يتكبدها الاقتصاد المصري بسبب هذه التجاوزات فقد أصبحت اليوم باهظة، ليس فقط على مستوى التأثير في عدد السياح الوافدين إلى البلد، ولا بسبب هذه السمعة التي تثير مخاوف الكثيرين من دولة لا زالت تعذب البشر. بل وصولا للتأثير سلبا في صفقات استثمارية دولية بينها ما تردد عن انسحاب واحدة من كبريات شركات النفط الإيطالية من عمليات إنتاج الغاز في الحقول المصرية. إصلاح جهاز الشرطة أصبح أولوية وتجارب الإصلاح ليست بعيدة أو مستحيلة، كما رأينا في تجارب العالم، لمن يمتلك الإرادة.


تغريدة .. مقالي الأسبوعي في جريدة القاهرة في 29 مارس 2016