Sunday, April 3, 2016

فاطمة ناعوت متهمة بازدراء الأديان


عودة محاكم التفتيش العصرية في القاهرة

بعد البحيري فاطمة ناعوت متهمة بازدراء الأديان






إبراهيم فرغلي


خلال فترة وجيزة شهدت المحاكم المصرية حكمان قضائيان أثارا ضجة وجدلا كبيرا في القاهرة، بتهمة واحدة هي ازدراء الأديان، حيث حكم بالسجن لمدة عام واحد على إسلام بحيري، ثم بالسجن ثلاث سنوات على الكاتبة فاطمة ناعوت، وتغريمها أيصا مبلغ 20 ألف جنيه (نحو 2500 دولار).

الجدل المتسبب من مثل هذه الأحكام يعود لعدة اعتبارات، أولها أن ازدراء الأديان  مفهوم واسع نسبيا، خصوصا حين نرى، على سبيل المثال، أنه اتهام سبقت به بعض المحاكم المصرية إلى كل من نصر حامد أبوزيد، والكاتبة نوال السعداوي، و كذلك الشاعر الراحل حلمي سالم، وعدد كبير آخر من كتاب وفنانين في ظروف وسياقات مختلفة بينهم مثلا الفنان الشعبي حكيم، بسبب فيديو أغنية مصور، بل وهناك أخبار تتناول اتهام المطرب الشعبي شعبان عبدالرحيم بالتهمة ذاتها. مما يبدو معه أن ازدراء الأديان يتم تطبيقه على سياقات مختلفة وربما متباينة يستوي فيها مفكر عليم بشؤون اللغويات والفقه مثل نصر أبوزيد وبين مطرب شعبي بسبب لقطة مصورة في فيديو أو فيلم!

الاعتبار الثاني يعود لأن الدستور ينص على حرية العقيدة، وحرية التفكير والتعبير في مادتين متتاليتين هما  مادة 64 وتنص على أن "حرية الاعتقاد مطلقة. وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية، حق ينظمه القانون".

ثم المادة 65 التي تنص على أن "حرية الفكر والرأي مكفولة. ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو الكتابة، أو التصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر".

ما يجعل الكثير ممن يتلقون أخبار هذه المحاكمات يتشككون في الدوافع الحقيقية، ومدى كونها دوافع سياسية، تحركها جهات مستفيدة منها، في توقيت دقيق يتعرض فيه الأزهر في مصر لانتقادات حادة حول مسؤوليته في انتشار خطابات الكراهية والتحريض التي انتشرت على مدى العقد الأخير، وأسهمت في كوارث عديدة ممثلة في الفتن بين الأقباط والمسلمين تارة، أو بين السنة والشيعة خصوصا خلال فترة وجود الإخوان في الحكم. وهو ما سلط عليه الضوء بعض المختصين والإعلاميين، من خلال الإشارة إلى مقتطفات بعينها بين مناهج الأزهر التي تدرس الآن موادا تحرض على كراهية الملل الأخرى، إما في غياب التدقيق والمراجعة من الجهات الإشرافية على المناهج التعليمية للأزهر، أو ربما بعلم من يعلمون.


لقد كان خروج الجموع التي خرجت في مصر في 30 يونية 2013 تأكيد على رفض شعبي مطلق ليس فقط للإخوان، بل ولمنطق دس السم في العسل، ولأي مشروع سياسي يستخدم الدين في مجتمع متدين على طريقته، ولم يعرف عنه التطرف. وربما لا يبدو أن جهات عديدة في مصر اليوم تستوعب العبرة من ذلك الخروج الذي أنار ليل القاهرة بحشود غير مسبوقة. ولا أظن بشكل شخصي أن تزايد حملات التكفير ووسم الكتاب أو كل صاحب رأي نقدي بالخروج على الملة يمكن أن تستمر مطولا، خصوصا في دولة طالبت فيها القيادة السياسية، ربما لأول مرة في التاريخ المعاصر، قيادات الأزهر بتحمل مسؤولياتها في تجديد الخطاب الديني، في توقيت لم يعد يحتمل أي تأخير.

أعتقد أن المثقفيناليوم مطالبون بوقفة جادة لمطالبة الحكومة المصرية بفحص مواد القوانين المقيدة لحرية التعبير، وبينها المادة  98 من قانون العقوبات والتي تعود للسبعينات حين وضعت في عهد الرئيس الأسبق أنور السادات تخوفا من هجوم المتشددين الإسلاميين بالهجوم على المسيحيين على المنابر وفي خطب المساجد.
تنص هذه المادة  على أن يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر ولا تتجاوز الـ5 سنوات أو بغرامة لا تقل عن 500 جنيه ولا تتجاوز الـ1000 جنيه؛ كل من استغل الدين في الترويج بالقول أو الكتابة أو بأية وسيلة أخرى لأفكار منطوقة بقصد الفتنة أو تحقير أو ازدراء الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي، فيما تنص المادة 161 على أن يعاقب بتلك العقوبات على كل تعد يقع بإحدى الطرق المبينة بالمادة 171 على أحد الأديان التي تؤدي شعائرها علناً. ويقع تحت أحكام هذه المادة كل من طبع أو نشر كتاباً مقدساً في نظر أهل دين من الأديان التي تؤدي شعائرها علناً إذا حرف عمداً نص هذا الكتاب تحريفاً يغير من معناه أو قدم تقليداً أو احتفالاً دينياً في مكان عمومي أو مجتمع عمومي بقصد السخرية به.
وهاهي المادة نفسها اليوم، بعد ثورة شعبية يفترض أنها قامت أولا باسم الحرية، ولا زالت المادة نفسها تستخدم من قبل أشخاص لا صفة لهم. فما هي الصفة التي تؤهل المحامي الذي رفع الدعوى القضائية على فاطمة ناعوت أن يقوم بذلك؟ وما هي الفئة التي يمثلها في الحقيقة؟ هل يمثل عموم المسلمين؟ هل يمثل الإسلام؟ من الذي منحه حق الحديث باسم المسلمين واتهام فاطمة بازدراء الأديان؟ ثم هل عقوبة السجن تعني عدم اقتناع ناعوت بما قالته أو كتبته واتهمت بناء عليه بازدراء الأديان؟

إن هذه الأحداث بالغة الخطورة ستولد أسئلة عديدة وإشكالات أكبر مما يتخيله من يلعبون بالنار اليوم.

في النهاية ليس هذا دفاعا عما تقولهناعوت أو أي شخص آخر، فليس مضمون ما يقال أو يكتب هنا أو هناك هو الموضوع، بل القضية هي الدفاع عن حق ناعوت في أن تقول ما ترى أو تعتقد  طالما تملك الأسانيد، وعلى من يعارض ذلك أن يقدم الحجة والرأي البديل، الدفاع هنا عن حق حرية التعبير، وحرية النقاش، والتفكير، والرد على الرأي بمثله أيا كان، فعقوبة صاحب الرأي لا يمكن لها أن تمنع الناس عن التفكير، أو التوقف عن الجدل، أو عن الرجوع لمصادر التراث، وقراءة المسكوت عنه في نصوص التراث التي تتنافر مع المدونات الرسمية التي يعتبرها أهل السنة موثوقة، حتى لو كانت منقولة عن بشر آخرين وليس لها صفة القداسة، وكذلك الأمر بالنسبة لكل أصحاب عقيدة أو طائفة.
ربما أن ما يجبأن تقوم به الدولة في مصر اليوم اليوم هو الإيعاز بمراجعة كافة القوانين المقيدة للحريات والتي تتنافى مع مواد الدستور، القوانين التي تعرقل حرية الرأي والحرية الشخصية وحرية التعبير وايضا عن الرأي السياسي المعارض للسلطة، كما ينبغي أن تعمل وزارة الثقافة على الضغط من أجل هذا الغرض، خصوصا أن مثل هذه القوانين وضعت أساسا لأسباب سياسية وسوف تستمر كذلك وسيساء استخدامها دائما وأبدا.
الإصلاح الديني يحتاج إرادة قانونية جديدة جنبا إلى جهد الأزهر المأمول ووزارة التعليم، ولا يمكن لأي طرف أن ينتهج إصلاحا من دون إصلاح المنظومة كاملة. أما القمع والإرهاب، فلن يعود على من يقوم به إلا من جنس ما يقوم به.


 نشرت في (النهار) اللبنانية في مارس 2016