Sunday, December 20, 2015

تجارة بيع الأحلام !


تغريدة

الأحلام والوقائع





إبراهيم فرغلي


عم صباحا يا عم نجيب. ها أنا ذا أكتب إليك في يوم ميلادك المائة، أطال الله عمر ذكراك بيننا، وفتح علينا لكي نعيد التأمل والفهم.

وقد رأيت فيما يرى النائم أن ذكراك المائة حلّت فاحتُفل بها بما يليق. أقيم متحفا أنيقا ضم متعلقاتك، وصورك وأقلامك وأوراقك، وكتبك، وكثيرا من أدوات معمل الكتابة التي أبدعت بها نصوصك التي لا تزال تلهم الأجيال، خصوصا أولئك الذين أفلتوا من مشاهدة الأفلام المقتبسة عنها، ويعرفون قيمة ما تكتب عبر النص دون ادعاء بأنهم يعرفون ذلك من الأفلام!

كما رأيت أن كتبك قد طبعت في طبعات شعبية، وأتيحت في منافذ بيع الكتب والصحف في النجوع والقرى قبل المدن وعواصم الأقاليم. واقيمت في المدارس مسابقات ثقافية حول أعمالك، وأنشأت الجامعات المركزية أقساما متخصصة لدراسة نصوصك، وقامت مسارح الدولة بعرض مسرحياتك على خشباتها، واستلهمت نصوصا من رواياتك تصلح للخشبة فعرضت في عدد من مسارح الدولة. وأقرت وزارة التعليم روايتين من رواياتك في مناهج اللغة العربية في المدارس، كما زُودت مدارس الحكومة بنسخ من أعمالك، ونشرت عددا من النصوص المبسطة من هذه الأعمال.
لكن يا عم نجيب مالي أراك متجهما غير سعيد!

لعلك أدركت ببصيرتك النافذة أنني أسرد لك حلما، بينما روحك التي تطوف حولنا  تعرف الحقيقة. بصراحة أردت أن أقدم إليك ما تصورت أنه قد يمنحك في مثواك قدرا من السعادة والحبور، إذ أن الحقائق، مع شديد الأسف قد تبدو لك، مُرّة ومؤسفة.

لكنك علمتنا أن نقول الحق ونسعى له. ولعلك تشعر ببعض القلق ولك الحق.
فقد جاءت الوقائع مخالفة لكل أحلامي، إذ ثار لغط طويل قبل فترة عن اختفاء أعمالك من مكتبات ناشرك، ورغم أنه لم يرد على ذلك حتى هذه اللحظة فقد بث بعض مخلصينه من مسؤولي المبيعات، صورا لبعض أعمالك في بعض المكتبات، وتنفسنا الصعداء، من دون أن نفهم لماذا اختفت الكتب من الأساس وكيف ظهرت. وهل ظهرت كلها حقا أم لا.

ويبدو أنه ارتأى أن يقدم لنا نحن جمهورك مفاجأة من العيار الثقيل، احتفاء بذكراك، معلنا وقوع ابنتكم الموقرة على مسودات قديمة بخط من يقال أنه الشخص الذي أمليته أحلامك القديمة في فترة النقاهة، وقد عرضها الناشر على من رأى أنهم عالمين ومختصين بنصوصك وأدبك، فاطمأن قلبه لأنها أحلامك صدقا ويقينا،  وقرر أن تكون هذه هديته لنا في عيدك. لكنه في الوقت نفسه لم يتمكن من أن يجيب على تساؤلات ثارت بعد نشر الكتاب عن إحساس البعض ممن قرأوا النصوص بأن بعضها لا ترقى لأن تكون من إبداعك، وبعضها اتخذ ترقيما يثير القلق والشك إما لأنه يتناقض مع الترقيم السابق للأحلام المنشورة بأمرك ومعرفتك، أو لأنها كلها تخلو من توقيعك الذي ميز ما نشر منها في حياتك.
 
يصف الناشر أوراقك بأنها كنز يضيف لتراث السرد العربي، حتى لو لم تكن ممهورة بتوقيعك، ولكونها وجدت بين أوراقك القديمة. أما أنا فلا أجد ما قوله سوى استعادة تحذيرك على لسان الشيخ عبد ربه التائه :"حذار، فإني لم أجد تجارة هي أربح من بيع الأحلام".


والسلام. 

مقالي في القاهرة بمناسبة العيد المائة لميلاد أديب نوبل نجيب محفوظ ديسمبر 2015