Sunday, December 20, 2015

المجرمــــــــون!


تغريدة
المجرمون

إبراهيم فرغلي




في الوقت الذي يتعرض فيه الكاتب المصري أحمد ناجي للمحاكمة بسبب رواية أصدرها مؤخرا ورأى فيها مواطن "شريف" أن بها ما يخدش حياءه ويهز قلبه الضعيف ويعرضه للخفقان، يتعرض الكاتب أشرف فياض لحكم بالإعدام بعد أن تعرض لموقف شبيه من قبل مواطن سعودي تربص به بعد خلاف على المقهى لكي يوعز لجماعة الأمر بالمعروف أن فياض كتب كتابا يسيئ للذات الإلهية. وفي الأثناء أقامت لجنة الرقابة الخاصة بفحص كتب معرض الكويت للكتاب مجزرة دامية سفحت فيها دماء آلاف الأفكار والإبداعات الروائية والأدبية لدعاوي لا يعلم الله حقيقتها حتى اللحظة.

هذه الأخبار التي نتداولها كواقع تبدو أكثر ما تكون ككابوس مستلهم من عصور محاكم التفتيش، بالإضافة لأنها اعتداء سافر على المبدعين والكتاب وحقهم في التعبير عن أفكارهم، ووأد لفكرة الحوار ومقارعة الأفكار بغيرها. والأدهى من ذلك أنها اعتداء سافر على المواطن، كل مواطن في الحقيقة، حيث يتوهم الرقيب أنه يملك الحق في أن يسمح لي بما أقرأ لأنه يوافق هواه الشخصي ويمنع عني ما لا يتوافق مع هواه الشخصي.

ثم إذا كان البعض يعتبر أن مجتزآت الفكر أو الأدب "جرائم"، فبماذا يمكننا نحن أن نصف ممارسات الرقيب، تحت رعاية المسؤولين عن الثقافة والإعلام في المجتمعات العربية؟، وهي، أيا كان توصيفها، ترقى إلى إساءات لا يمكن أن تسقط بالتقادم لإهانتها للمثقفين والكتاب وأهل الفكر والرأي وللمواطنين جميعا. وإن أردتم الحقيقة فالرقيب الذي يتصور أنه شرطي الأدب والفكر، ويتعالى علينا بمنعه ما يحب واجتراءه على المجتمع بتحويل مبدعيه للسجن أو تعريضهم للقتل، بدلا من محاورة الأفكار، أقول من يدير هذه الاعتداءات على أهل الفكر هو من يمارس الاعتداء على المجتمع ويحرض على القتل ويكدر السلم العام في المجتمع وليس العكس.

وإذا كان السياف الذي يجهر بعصاه الحكومية بالاعتداء على خصوصيات البشر يتذاكى علينا، متظاهرا ومدعيا أنه يمتلك مفتاح الحقيقة، فنذكره بوقائع التاريخ التي أمسكت بكل أشباهه وألقت بهم في الأماكن التي تليق بهم. أما الخفافيش الذين يؤدون وظائف المنع وهتك الفكر وهم مطمئنون لأنهم مجرد خفافيش ظلام لا يعرف بهم ولا يسمع أحد، فهم يخشون حتى من إعلان أنفسهم لأنهم في قرارة ذواتهم يعلمون حقيقة ما يفعلون.  

والأدهى أن هذه الجهات الرقابية لا تستأسد إلا على ما يثير ريبة موظفيها، وفي المقابل فإنهم يمررون كتبا غثة وتافهة وسطحية من دون أن يهتز ضميرهم الذي لا يتوفز إلا لما يتصوره حفظا لتعليمات رؤسائه.

المهم الآن تضافر الجهود الثقافية إزاء هذه الممارسات الإرهابية التي وتوحيد الصفوف في مواجهتها، فلا يمكن لاتحادات الأدباء والكتاب العرب، أن تقف لتشاهد هذه الممارسات والاعتداءات على الكتاب والأدباء، مكتوفة الأيدي، كما أدعو المثقفون العرب أيضا للاتفاق على بعض المواقف الموحدة لمواجهة بطش الرقيب سواء بالامتناع عن المشاركة في المهرجانات الأدبية التي تقام في دول لا تحترم حرية التعبير، أو تتعسف تجاه أصحاب الفكر والأدب أو تستشرس أجهزتها الرقابية على أعمالهم الأدبية والفكرية. أو لنمرح جميعا في هذا الهراء حتى تأتي ثورة فكرية حقيقية تعيد الأمور إلى نصابها. وقد يكون ذلك بعد قوات الأوان.

مقالي في جريدة القاهرة نوفمبر 2015