Sunday, December 27, 2015

شرف الكاتب

تغريدة

شرف الكاتب

إبراهيم فرغلي





ما هو سر الكتابة الجيدة برأيك؟

أظن أن "الكاتب" يقضي عمره كله تقريبا بحثا عن إجابة هذا السؤال. والإشكال الكبير هنا ليس في كلمتي كتابة أو سر، بل في هذه المرادفة المخاتلة "جيدة". معيار قيمي مرعب، وحمال أوجه أيضا. تخيل مثلا أن قارئا ما يصف كتابة واحد من كتاب العامية الجدد، الذين يتخذون من منطق كلام المصطبة وسيلة للتجديد، ويصنع منها عدة إفيهات مغزولة بلهجة العوام بدعوى أن الكتابة ينبغي أن تكون ذات مسحة شعبية لكي تُقرأ. غالبا سوف يصف القارئ الموجهة له هذه اللغة المبتذلة بالجودة. وهذا مثال ضعيف لأن هذا الكاتب وقارئه، عندي من صنف واحد، لا علاقة لهما لا بالقراءة ولا الكتابة، لكني استعنت به لتوضيح المدى البعيد الذي تتراوح فيه معايير الجودة.

بل إننا سنجد أن مثل هذا التباين في معايير جودة الكتابة قد يوجد حتى بين من يمتلكون معايير نخبوية في الكتابة، ممن يتفقون على اعتبار سلامة اللغة والاختلاق والابتكار، مثلا، من شروط جودة الكتابة، لكنهم سيختلفون، مع ذلك، حول نص واحد واقعي كلاسيكي على سبيل المثال أيضا، فبينما سيراه من يمنحون التخييل أولوية القداسة أنه مارق عن معايير الكتابة الجيدة، لأنه ينقل الواقع، سيرى آخرون في نقله الفني للواقع عوامل جودته، وهذا التباين يعود في أغلب الأحوال لاختلاف الأذواق والبيئة الثقافية والمرجعيات الفنية.

لذلك أعتقد أن ما يصنع جودة كتابة ما، هي درجة حساسية كاتبها لما يقتضيه النص، الذي يقنع القارئ بصدق الكتابة، أي درجة حساسيته لإتقان الكذب إلى حد الصدق. ثم بمدى قدرة الكاتب على تقمص ما يكتب عنه، ومعرفته الدقيقة بقماشة السرد التي ابتدع.
والأهم من هذا كله أن "الأسلوب شرف الكاتب" كما يقول الصديق الكاتب مصطفى ذكري. شرف الكاتب هذه لا تعني الأسلوب الذهني للكاتب فقط، بل تمتد لوعيه بالقماشة التي يعمل عليها وما تقتضيه. وعيه بأن الجمل الطويلة في الكتابة التي تستلهم الخرافي والعجائبي هي نتاج لإيقاع سردي يتناسب مع لغة تخلق شيئا من لاشيئ، ولا بد للكاتب فيها أن يساعد القارئ أن يرى ما يراه بعين الخيال مبتدعا ومختلقا بالكامل. بينما الإسهاب في وصف الواقعي أحيانا قد يكون مملا، وبالتالي يحتاج الكاتب الجيد الحساسية لإدراك أن النص يناسبه هنا جملا مقتضبة قصيرة مكثفة.

الحساسية هي التي تجعل الكاتب أو الكاتبة حين يتناول موضوعا مثل حرية المرأة لا يغفل الجسد في النص. لا يحول النص إلى مجرد تهويمات أفكار الشخصيات عن حريتهم أو حريتهن من دون مثلا أن يصف ما يرتديه كل منهم وبدقة؛ لأن هذا المعيار هنا كاشف جدا ومكمل للفكرة وملمح غير مباشر لوعي الكاتب بما يكتب عنه.

أظن أيضا أن انشغال الكتاب الذين منحهم تاريخ السرد وجمهور القراء أوسمة التقدير لما يكتبون، بالإجابة عن السؤال المطروح عاليه، في كل نص يكتبونه هو ما يحقق جودة الكتابة، ولهذا مثلا يستدعينا كاتب لقراءة كل أعماله بينما قد نكتفي لكاتب آخر مجيد بكتاب واحد أو اثنين، لتوقفه عن طرح السؤال بعد تلقيه أولى الإجابات في نص من نصوصه المبكرة. والله أعلم.