Sunday, December 20, 2015

وأستاذ الأجيال الذي تعلمت منه الكتابة الإيروتيكية


إدوار الخراط

عمود الحداثة في بناء الرواية المعاصرة





إبراهيم فرغلي


حين قررت العمل في الصحافة لم أكن قد انتهيت من دراستي الجامعية بعد، وكنت أقضي العام كاملا في القاهرة، وأعود لمدة شهرين إلى المنصورة، أقيم معسكرا دراسيا، أقضي فيه شهرا لدراسة كافة المواد، والآخر لأداء الامتحانات. وخلال  هذين الشهرين، في العام 1992، فوجئت باتصال هاتفي في منزلنا في المنصورة وكان المتصل إدوار الخراط.

مثّل لي هذا الاتصال أكثر من مفاجأة في الحقيقة، فالخراط كان قد لاحظ اختفائي لفترة في القاهرة، وشعر أنه يود أن يطمئن علي. أخبرته بقصة الامتحانات ووعدته أنني سأمر عليه فور عودتي للقاهرة.

منذ تلك اللحظة أدركت جانبا خفيا من شخصية إدوار الخراط؛ هو ذلك الجانب الحنون، الذي سيتمثل خلال علاقتي به لاحقا، في عديد المواقف، وليس معي بل ربما مع كل جيلي وأكثر من جيل آخر.

كنت قد تعرفت على الخراط عبر بعض نصوصه القصصية التي كان ينشرها نهاية الثمانينات في الحياة وفي مجلة "إبداع"، وكانت نصوصا تبدو لي مختلفة تماما عن كثيرا مما كنت أقرأ وأتابع آنذاك من نصوص قصصية في الدوريات المختلفة، من حيث لغتها أولا، بفصاحتها وشعريتها وإحكامها، ثم من حيث أنها نصوص تركز على الوجداني والباطني ومنه تنطلق طاقة السرد.
ولكنها نصوص كانت توحي بصرامة كاتبه وتجهمه، أو هكذا تصورت، حتى اتصلت بالخراط للمرة الأولى في يوم وفاة الكاتب الراحل يوسف إدريس، وقد هاتفته فور عودتي من الجنازة  لكي أحصل منه على تعليق حول أعمال إدريس. وتبينت في هذه المكالمة الهاتفية القصيرة مدى دماثة الرجل، وهو ما سيتبين لي أكثر بعد لقائي به في نفس الأسبوع تقريبا.
في منزله الأنيق في حي الزمالك استقبلني في غرفة مكتبه الشهيرة التي جمعت عشرات من الكتاب والأدباء من محبي الخراط وأصدقائه على مدى عقود وكانت بيتا صغيرا حميما مفتوحا للنقاش والحوار.

يجلس إدوار إلى مكتبه حيث تحيط به الكتب التي تتراص على جدران الغرفة كلها،
تتناثر بينها لوحات فن تشكيلي وتتكدس على مكتبه عشرات المخطوطات والكتب، فيما تنعكس إضاءة قوية من أباجورة إلى يمينه. ومن حولنا تنطلق نغمات موسيقى كلاسيك أظنها كانت ترافقه دائما في أثناء القراءة والكتابة.
أجلس على الكرسي المقابل لمكتبه، وخلفي باب الشرفة المطلة على شارع احمد حشمت، فأرى بروفيله الأيمن، وشعره الأبيض الطويل المنسدل خلف رقبته، وأنصت له فيما يمسك بقلمه، دائما وابدا، يسهب أو يقتصد حسب الحالة. في المقابلة الصحفية يجيب بالفصحى: جملا دقيقة مكثفة ولا يمكن أن تضيف إليها حرفا أو تنزع عنها كلمة. كمحاور كانت حواراته بالنسبة لي نعمة، أنقلها كما هي، ولا أتدخل في الصياغة على أي نحو.

أما في شؤون الحياة والعالم والثقافة والأدب فسوف يكون مقتصدا ومكثفا، لكن الكلمات القليلة لها مغزاها. يسألني عن إبراهيم عيسى، لأني كنت أعمل في مجلة"روزاليوسف" آنذاك، فأقول له أنه شخص حيوي جدا ومتحمس جدا كعادته، فيبتسم إدوار ويسأل سؤالا من كلمتين: متحمس لإيه؟، وبهذا يكون قد سأل السؤال وأجاب عنه في الوقت نفسه.
وبعد سنوات حين أحدثه عن مصاعب تواجهني في كتابة أولى رواياتي ينصت جيدا ثم يقول :"الرواية عمل يحتاج إلى الشجاعة"، ويتركني أكتشف معنى إجابته المحيرة هذه على مدى سنوات؛ ليس فقط لأستكمل أولى رواياتي، بل لأدرك أن طريق الرواية، طريق وعرة وطويلة، وتحتاج بالفعل قدرا كبيرا من الشجاعة التي تمكنك من فهم ما تستلزمه كتابة الرواية من قراءة ومعرفة وامتلاك لغتك الخاصة وأن تتمكن من إضافة كل ما تقتضيه جدية أن يكون لديك مشروعا يمكن به أن تحقق إضافة حقيقية لتاريخ السرد.
وبعد أن أفرطت في قراءة أعماله؛ "رامة والتنين"، "الزمن الآخر"، "ترابها زعفران"، ثم تحفته الصغيرة "أمواج الليالي"، كتبت نصا قصصيا أظنني تأثرت فيه بأسلوبه بشكل واضح. قرأه باهتمام، ثم طلب أن نناقشه في وقت لاحق. وفي الوقت اللاحق قال لي كأنه يود العبور على الموضوع بسرعة :"أرجو أن تكون تخلصت من بعض التأثيرات، عليك أن تجد نبرة صوتك".

أظنني بعد هذا اللقاء مباشرة  أسرعت للبحث عن كتاب "أسرار البلاغة" لعبد القاهر الجرجاني، و"نهج البلاغة" لعلي بن أبي طالب، ثم اقتناء معاجم اللغة العربية. وعدت مرة أخرى لقراءة "الزمن الآخر"، بين أعمال أخرى لكتاب متعددين ممن منحوا اللغة أولوية كبيرة. فقد كانت بنية نص "الزمن الآخر" تتشكل من تداعيات الذاكرة في علاقة ميخائيل برامة، وترتقي من المونولوج الداخلي الذي يتحرك بين زمن استدعاء الأحداث، وبين عدة أزمنة ماضية،تقريبا كما هو بناء نص "رامة والتنين" لكنه أضاف في "الزمن الآخر" تقنية لغوية تقوم على التركيز على الكلمات المعجمية، في فقرات تتخلل الحوار الثنائي العاطفي المستمر بين رامة وميخائيل، تتكئ على حرف بعينه، فتتشكل الفقرةمن غابة كثيفة من المعاني القائمة على معجم مشتقاته كلمات يلعب حرف الألف فيه دور البطولة، ثم الباء لاحقا وهكذا. وكنت أتأمل الكلمات المعجمية محاولا التأكد من مدى ملائمة كل منها للفقرة والنص، وبين كونها مجرد لعبة لغوية مقحمة.

وفي هذه القراءات كنت أعيد تأمل شخصية رامة كمعشوقة تمكن من ترسيخها في وعيي، وأنا أقرأ النص بوصف رامة أنثى شديدة الجمال والحسية مرة، ثم كوطن حقيقي لرجل يشعر بالغربة في الوطن مرة أخرى. فأجد أن هذا المستوى الرمزي وارد جدا بالفعل.

كانت الأسئلة في نصوص إدوار الخراط مصدر إلهام لي، حول اللايقين، وضرورة إعادة السؤال، وسرد الواقع باعتباره سؤالا وليس حقيقة، وأن الحقيقة وكل حقيقة ينبغي أن تكون موضوع سؤال.
السؤال الذي كان يجعل مثلا من جسد رامة موضعا للإيروتيكي الحسي في وصفه الفيزيولوجي، منحوتة شبقية للجمال الأنثوي، مرة، ولها كموضع للحب الملاذ مرة أخرى، ثم يتحول بهذا الجسد في أعمال أخرى بحيث يكون هذا الجسد نفسه موضوعا للسؤال عن المقدس والأسطوري مازجا سؤال الجسد الماثل أمامه أو تحت يدي وعيني الراوي بسؤال أجساد الأيقونات التاريخية والأسطورية البعيدة. وهذا ما يجعلني دائما أرى في رامة معادل لما هو أكبر من مجرد عشيقة لمحب ولهان، يصل إلى كونها معادل لتراث المرأة المصرية كاملا : الفرعونية القبطية اليهودية المسلمة، الملكة وخادمة المعبد، الأم والابنة، المرأة المعرفة أو تلك المغتصبة بالقهر؛ المرأة في كامل إحالاتها، وتاريخها المقترن بالتاريخ المصري.

كانت علاقتي بإدوار الخراط، علاقة تلميذ بأستاذ، ليس فقط من خلال اللقاءات المستمرة التي كانت تجمعنا صباحا في بيته، أو بين مجموعة المحبين والمريدين الذين يلتقون به مساء الأربعاء أسبوعيا في نفس المكان، بل وأيضا من خلال التفاعل والحوار المستمر مع نصوصه البالغة الحساسية. النصوص التي كنت أرى فيها معالجة فنية تشبه تجويد الفنان حسن سليمان في لوحاته. أقصد تلك اللوحات التي كان يصور فيها نفس المشهد الثابت لكنه يغير المنظور وعلاقة الضوء بمركز الصورة في كل لوحة. كانت روايتا "رامة والتنين" و"الزمن الآخر" مثالا ناصعا على هذه الرؤية، وتقديري أن "يقين العطش" مثلا جاءت لكي تضع حلا لغويا جديدا بعد سنوات، يتخلص من الصناعة اللفظية إلى الرشاقة والتدفق السردي المبهر.

دروسه الكبيرة بالنسبة لي تلك التي تتعلق بالجرأة في تناول الإيروتيكي بمزيج رهيف من الحسية والشبقية وتضفيرها في السؤال الوجودي. الجنس كسؤال عن معنى الذات، ثم عن علاقة هذه الذات بالعالم.

 كنت أتابع كتبه النقدية وترجماته وأتأمل الكيفية التي تتوزع بها جهوده الإبداعية، وأظنه قدم لي نموذجا للكاتب الذي لا يجد حرجا من أن يتعامل مع النصوص الأدبية بمنظور يجمع بين أدوات الناقد الفاحصة وحساسية الكاتب، بل لعلني كنت أجد في هذا النوع من النقد وسيلة أكثر جاذبية من النقد الأكاديمي الجاف من جهة وبين النقد الانطباعي الصحفي السائد.

هناك الكثير مما يقال وسيقال عن إدوار الخراط الذي هالني نسيانه حين أصيب هو بفقدان الذاكرة، ولكني أعرف، أن الزمن، كما شأنه العربي، الزمن الذي قتله بحثا، ومجده، سوف يوفي إليه بدوره ما يستحق من تقدير وإعادة قراءة، هو الذي يقف وحده كقرين وحيد لمشروع نجيب محفوظ في صيغته الحديثة البلاغية التي فتحت لأجيال متعاقبة إجابات عدة، ولا تزال تتوالد، مما اقترحه فنيا. نعم، إذا كان الأدب المعاصر في ريادته يقف على ساقين فأحدهما لمحفوظ والآخر للخراط، وهذا زعمي ويقيني.


 مقالي في القاهرة في العدد التذكاري عن الراحل الكبير إدوار الخراط ديسمبر 2015