Sunday, December 20, 2015

تغريدة ..أقنعة الرقيب


تغريدة

أقنعة الرقيب







إبراهيم فرغلي




للعام الثالث على التوالي، تقريبا، لا تزال أجهزة الرقابة التابعة لوزارة التعليم في الكويت تواصل تدخلها في مناهج التعليم الدولية في المدارس الأجنبية على أرض الكويت، وخصوصا كتب بعض مناهج العلوم والتاريخ لكي تلزم المدارس الأجنبية بحذف صور تعرض تشريحا لجسد الإنسان أو أجهزته الحيوية، أو بعض اللوحات الفنية العالمية.
من جهتهم، حين يجد الطلبة صورا محذوفة في كتبهم، يسعون للتعرف على الصور المحذوفة عن طريق شبكة الإنترنت، وباهتمام أكبر؛ لأن الممنوع مرغوب طبعا، إضافة لأنهم يتعلمون وفق مناهج تدربهم على استخدام المنهج العقلي في التفكير، والقدرة على التمييز والفرز. أما الرقيب فيتنفس بارتياح من أدى مهمة جليلة، ظانا أنه قد خلص الفتية والفتيات من شرور الفكر والفن، متوهما أنه منعها عنهم بسيف المنع البتار.
هذا وجه واحد من وجوه الرقيب في مجتمعاتنا العربية، التي نشأت على الازدواجية بين السر والعلن، تقبل كل شئ سرا، وترفض نفس الأشياء في العلن. باختصار إنها القيم التي تنشئ مجتمعا من الكذابين! مجتمع لا يعرف كيف يعبر عما يفكر فيه بشفافية، لأنه لم يعتد ذلك، ثم إن المجتمع الازدواجي يكافئ الكذابين ويحتضنهم، ويمنحهم الفرص وينتظر منهم، في المقابل، مزيدا من النفاق والكذب.

الرقيب، ابن هذه الثقافة، لا يقبل أن يُكشف ما يظن بوجوب ستره، بطبيعة الحال، ويمارس دورا تعلمه من ثقافة الكبت والمنع والازدواجية ممثلا في التجسس وتتبع خصوصيات الآخرين والارتياب في مقاصدهم، ويقرأ النصوص بهذه الذهنية الملتبسة، فلا يدرك الفرق بين النص الفني والواقع، وبين التخييل وكتابة المذكرات.

الرقيب يعبر عن ذهنية عامة في المجتمع، يمكن تلمس أبرز سماتها مثلا بتصفح  الموضوعات الأكثر قراءة على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي لا تخرج غالبا عن موضوعات تهتم بالنمائم، وفضائح الحياة الخاصة لمجتمع يتعيش الكثير من أفراده على إظهار الفضيلة والبطولة على الشاشات وأمام الناس، بينما في الخفاء قد يسترون كل نقيض.

ولهذا من المتوقع، مع الأسف، أن يتعاطف الرقيب، مع كهل متصاب، أو متأخر المراهقة؛ ممن تقع عيونهم على سطور من نص أدبي فيرتجف من تسمية الرواية للأشياء بأسمائها، خصوصا لو كانت أعضاء جنسية مثلا.
الرقيب والمتصابي سيتفقان على منع ومعارضة كل ما يخالف تصوراتهما عن الازدواجية، وسيدفعان بمن يخالف تصوراتهما إلى المحكمة أو إلى المقصلة، فالصدق الذي كان منجاة في مدونات القيم القديمة في مجتمعات لم تكن ترى في الجنس ما تخجل منه، أصبح اليوم، في مجتمعات تخاف من الصدق ومن المسميات الحقيقية للأشياء، رذيلة.

لكن الرقيب يتعامى أو يتناسى أنه، مهما بلغت فداحة ما ارتكبه من جرائم تعطيل العقل، ورفض المكتشف العلمي، ونفاق المؤسسة السلطوية الدينية، ونفاق المجتمع الأخلاقي القائم على الكذب، ينتهي به الأمر إلى المجهول، ويصبح نسيا منسيا، بينما يحيا ما منعه أولا بفضل القوة التي يحصل عليها الممنوع، وتاليا، وربما اساسا، لأن المنجز الإبداعي البشري يمتلك عوامل خلوده.
والأمر الذي بات مصيريا اليوم هو إدراك الجهات التشريعية في الدولة أن عليها اليوم مراعاة هذا كله في وقت لم يعد يحتمل ترف القمع الفكري، أيا كان نوعه أو هيئته أو درجته أو أسبابه.

من مقالاتي في جريدة القاهرة