Thursday, April 2, 2015

كوميديا دون كيشوت

تغريدة

كوميديا دون كيشوت!


يتخذ البعض من الطبيب التائب، والمهرج المتقاعد، باسم يوسف، نموذجا للتهكم والسخرية، كأداة نقد سياسي شعبي تحاول أن تُضعف أوتهز صورة ممثل السلطة بالتهكم وإثارة الضحك على تناقضاته، والنبش في صوره المتعددة ووضع ما يتناقض منها بجوار بعضها البعض من أجل تفجير الكوميديا، التي يراد بها في النهاية أن تكون ضحكا كالبكاء، لكنها في العمق تنتهي إلى أن يكوّن الجمهور الضاحك صورة هزلية عن رمز السلطة، وبالتالي تفكيك صورته الشائعة كرمز للقوة إلى النقيض.
ولعل باسم يوسف نجح في ذلك خلال عهد الإخوان، ليس فقط بسبب أداءه الساخر في برنامجه الذي حقق شعبية كبيرة، بل ولأن الفشل الذريع لسياسات الرئيس السابق مرسي على المستويين الداخلي والخارجي، جعل في الانتقاد الجماعي وسيلة مهمة، واكبها البرنامج بنجاح.

وعندما سقط مرسي ظن البعض أن "التهريج" أسقط مرسي، متناسين أن الإزاحة حدثت من قوة شعبية عبّرت عن نفسها بشكل فاق كل التصورات وأضاءت خارطة القاهرة على الستالايت، كما شاهدها العالم، فأيقظتها من عتمة "أخونة" الدولة المصرية، ووجد هذ الشعب من يستجيب لتحقيق هذه الرغبة الشعبية.

لكن الكوميديا الحقيقية أن الكثير، ممن يحسبون أنفسهم على التيار الثوري، الرومانسي النقي، كما تعبر أفكارهم، يظنون، ويبدو أن ذلك عن قناعة راسخة، أن بإمكانهم أن يهزوا صورة الرئيس السيسي بنفس الطريقة، بأن "يهرجوا" ويقدموا آراءهم النقدية بشكل ساخر حول سلبيات يُتفق عليها ويُختلف.

لكن ما يفوت البعض هنا أن السيسي لا يعبر، كما يتصور هؤلاء المحسوبين على التيارات اليسارية والليبرالية، عن جماعة أو عشيرة، بل يمثل إرادة شعبية رغبت في النجاة من محاولة أخونة مصر وسلطة البلطجية، ومن تشرذم وفشل القوى الثورية الأناركية التي تبين أنها تريد أن تهدم مجتمعا من دون أن تعرف كيف تعيد بناءه.(ولا حتى تعرف كيف تهدمه). يفوتهم أن ممثل السلطة اليوم يمثل إرادة شعبية تريد الحفاظ على "الدولة"، بعد أن تبين لها الأعاجيب من ألاعيب الداخل والخارج.


المفارقة أن أفراد النخبة الثورية يبدون مثل "دون كيشوت" الذي كانت خيالاته تصور له ما لا يراه غيره؛ ليس لامتلاكه البصيرة، بل لأنه صاحب خيال واهم، أولا في تهيؤاته عما يراه، ثم في أوهامه عن نفسه. فصورة "الفارس المشّاء" لم تنشأ عن إرادته الأصيلة، بل استعارها من كتب الفروسية القديمة، وبالتالي ظلت بعيدة عن منطق الواقع. وهكذا صارت بطولاته مصدرا للخيبات والتندر!