Monday, April 6, 2015

قصة سنغافورة 2

تغريدة

لي كوان يو 2-2

إبراهيم فرغلي

يزعم البعض أن تجربة سنغافورة تجربة دولة صغيرة لا يمكن البناء عليها في دول كبيرة، وهذه الآراء مجرد انطباعات غير دقيقة، لأسباب بينها أن الصين في سعيها لتصبح عملاقا اقتصاديا أرسلت 22 ألف موظف صيني رسمي من جميع التخصصات إلى سنغافورة لكي تستلهم آفاق التجربة السنغافورية. وكان العائق الوحيد أمام استلهام "كل" التجربة وفقا لما نشره تقرير في صحيفة "نيويورك تايمز" أن الصينيين وجدوا أن سنغافورة نجحت في القضاء على الفساد الإداري والبيروقراطي تماما، وهذا ما يصعب تحقيقه في الصين، على الأقل في زمن قياسي.
فالتجربة السنغافورية تعد استثنائية بسبب زمنها القياسي وهو ثلاثة عقود، انتقل فيها متوسط دخل الفرد من 1240 دولار في العام 1959، إلى 43 الف دولار في 1990، وتقلصت نسبة البطالة من 13 في المئة عام 1959 إلى 1.7 في المئة في 1990، وحققت بفضل هذه السياسات نجاحاً ونموا هائلا في اقتصادها ومعالجة مشكلاتها المستعصية وتضاعف الناتج المحلي الاجمالي 40 مرة وقفز من 2.1 مليار دولار العام 1960 إلى 86.8 مليار دولار العام 2002. وهناك قائمة طويلة من الإحصاءات المبهرة تجدر الإشارة أنها جاءت على هذا النحو بسبب الطموح المبهر للتخطيط الاقتصادي الذي أسفر في العام 1969 عن تشييد 52 مصنعا وفر تشغيلها نحو 17 ألف فرصة عمل جديدة. وفي عام 1970, أضافت الاستثمارات الجديدة 20 ألف وظيفة أخرى وازدادت الإيرادات والمداخيل.
حين فكر لي كوان يو في تحويل بلاده من مجرد جزيرة صغيرة تؤوي مجموعة من المهاجرين الفقراء إلى نمر من أبرز نمور آسيا بدأ في تحقيق الأمن القومي عبر استدعاء كل طاقة مجيدة في مجالها، ثم العمل على تأسيس جيش قوي، وركز على الصناعة، وأحدث طفرة في السياحة، ثم أنشأ هيئة التنمية الاقتصادية 1961, كمؤسسة واحدة ليتخلى عن أسلوب البيروقراطية العقيم، ثم تعرف على أفضل مناهج التعليم في العالم ليختار جامعة هارفارد قبل أن يؤسس نظاما تعليميا حديثا لتعليم أبناء سنغافورة جنبا إلى جنب مع مشروع تثقيفي لتطوير ثقافة كل فرد في البلاد.
المبهر هنا ليس تفاصيل "المعجزة" الاقتصادية التي حققتها سنغافورة فقط، بل الكيفية التي نجح بها كوان يو في تأسيس حداثة ذات طابع سنغافوري توائم بين قيم الشرق التي تنتمي لها وبين منهج التحديث والتقدم الغربي. معجزة تستحق التأمل والقراءة لكل من يهتم بفكرة التنمية وتحقيق المستحيل.