Wednesday, January 14, 2015

في ذكرى غياب محمود العالم



محمود أمين العالم..غياب المثقف النموذج


بالرغم من إحساسي بالغبن للطريقة التي تحدث بها الرائد الراحل طه حسين مع نجيب محفوظ في الحلقة الحوارية الشهيرة التي جمعت طه حسين بعدد من الكتاب والأدباء وأدارتها المذيعة ليلى رستم وبثها التلفاز المصري مطلع الستينات، تعبيرا عن رفضه لكتابات الادباء الشباب وبينهم محفوظ، فإنني امتلأت بالفضول للتعرف على الشاب النبيه الذي بدا واضحا إعجاب طه حسين به وتشجيعه له، والذي عرفت ان اسمه هو محمود امين العالم.
قرأت له "في الثقافة المصرية"، و"معارك فكرية"، وتابعت مقالاته النقدية في "إبداع" بعد صدورها في عهد حجازي مطلع التسعينات، ثم شاهدته لأول مرة في إحدى ندوات المجلس الأعلى للثقافة في مقره القديم بحي الزمالك. تأملته بشغف، وذهلت بحيويته، وتدفق أفكاره، وبالطريقة التي يتحدث بها، التي تعبر عن دماثة لافتة، تعلو وجهه ابتسامة آسرة، لا تغيب عن وجهه، لا في ذلك اليوم، ولا في المرات العديدة اللاحقة التي شاهدته خلالها في ندوات مثيلة، مهما ووجه بأفكار تختلف مع رؤاه أو ما يتبناه، أو خلال حوارين صحفيين أجريتهما معه في مقر المجلة التي أصدر منها عشرين عددا لافتة "قضايا فكرية"، وفي غيرها من مناسبات اقتضاها العمل الصحفي، أغلبها في مناقشة قضايا تخص الواقع الثقافي الراهن، كما كان كعادته حريصا على التشجيع كلما اتصلت به هاتفيا، والثناء، وأظنه جزءا من شخصيته الدمثة، المتفائلة، المتعلقة بالمستقبل، وبالشباب، وما ينجزون، ومحاولة فهم ذلك ما أمكن.
وكلما تقدم في العمر فاجأني ببنطاله الجينز، وحيويته، وابتسامته الدمثة، وأكد لي قناعتي باعتباره نموذجا فريدا للمثقف المصري النبيل، العلمي، المتابع للشباب، المؤمن بحق الاختلاف حد اليقين الكامل، المؤمن بضرورة تحقق الشيوعية كنظام يحقق للإنسان تحرره من كل صور الاستغلال والقهر.
عندما علمت بخبر وفاته أصابني الحزن لهذا السبب، وهو افتقاد الثقافة العربية لوجه مضيء من أبرز وجوهها الفكرية والفلسفية والنقدية، لكنني لم أستطع أن أتخيل وجهه ميتا إلا وقد علته تلك الابتسامة التي ميزته في جل حياته، وهو الرجل الذي واجه السجن مبكرا في عهدي عبد الناصر والسادات، كما واجه المنفى، وتلقى من صنوف التعذيب ما وصفه أنه لا يليق سوى بالإبل، ومنع عن عمله، وتعرضت عائلته للمضايقات، وبالرغم من ذلك فقد مضى في طريقه، دون أن يستسلم لمرارات وعذابات وقع كثير من مجايليه في حبائلها واختنقوا بها كمدا وقهرا ويأسا واكتئابا وموتا.
بالرغم من أن اغلب كتبه التي أعقبت كتبه الأولى كانت تجميعا لمقالات أو اطروحات نقدية موزعة على العديد من القضايا، لكن اللافت أنها في مجملها عبرت عن قناعاته، وكأنها في النهاية تجسد مشروعا فكريا، نقديا، فلسفيا، واحدا، شواهده فيما كان يفضل ان يكتب عنه، إن فكرا ونقدا، أو تأريخا، أو إثارة لقضايا جدلية في الراهن المعاصر سياسيا واقتصاديا وثقافيا.
في كتابه "الوعي والوعي الزائف" تناول بالنقد والعرض مشروع المفكر المغربي عابد الجابري حول نقد العقل العربي، كما تناول مشروع أدونيس المشابه في الثابت والمتحول، وبدا لافتا أنه قبل ان ينطلق في عرضه النقدي يهتم أولا بعرض أفكار من يتناول أفكارهم بشكل واضح يعطي للقاريء فكرة جيدة عما يتحدث عنه قبل أن يتناول نقده هو، وابرزه إشارته إلى تجريد الجابري للعقل العربي عن تاريخيته، وكأن العقل العربي تكون خارج التاريخ.
وهي قراءة ماركسية بامتياز، لكنها رؤية تخصه أيضا، وهو القائل:" نرى ان الماركسية بمصادرها المادية الجدلية بالنسبة للطبيعة والتاريخ، ترفض التجريدات المطلقة، كما ترفض القول بالجزئيات المنعزلة، وتقول بالوقائع المادية في علاقتها المتشابكة المتفاعلة المتحركة المتغيرة المتصارعة. ولهذا فمنهجها يتسلح بهذه الرؤية نفسها".
في تناوله النقدي لأعمال الكاتب الروائي صنع الله إبراهيم في كتابه"ثلاثية الرفض والهزيمة" قد أفسح مساحة لنفسه للتخلي عن أدوات النقد الماركسي، واشتبك بالبنيوية، بغض النظر عن اتفاقنا او اختلافنا على المنهج، كأنه بذلك يؤكد يقينه بحتمية التطور وضرورة الجدلية، من جهة أخرى، وهي الرؤية التي تبناها في تأكيده لأن المشروع الماركسي رغم فشل تطبيقه يتضمن في جوهره عوامل استمراريته التي لم يتمكن المنفذون لها من استيعابها، إذ يرى أن الفكر الماركسي هو حيوي وضد البيروقراطية بامتياز، وهذا بالضبط كان معقل مواتها في النموذج السوفييتي.
كان يرى أن ذلك أيضا يعود إلى"ان معرفتنا الحقيقية بالماركسية معرفة محدودة مسطحة هشة" على اعتبار ان ذلك امتداد "امتداد لمعرفتنا النظرية العامة التي تتسم بالمحدودية والتسطيح والهشاشة".
ولعل أحد أبرز وجوه محمود العالم هو ليبراليته المتجردة، ويقينه بالحرية، وفي حرية التعبير كجزء أساسي من أسس تكوين الإنسان، وأحد حقوقه الأساسية، وخاض معارك عديدة في هذا الاتجاه، وشارك برأيه، وجهده، تقريبا في أغلب قضايا المصادرات وحرية التعبير التي مرت على الثقافة المصرية، خاصة بعد عودته من المنفى للقاهرة منذ العام 1984.
ومن بين ما يوثق ذلك مشاركته في التضامن مع الفنان الراحل يوسف شاهين خلال القضية التي واجهها بسبب فيلم "المصير"، حيث توجه العالم، بين جموع من الفنانين والمثقفين المصريين آنذاك، ليحضر المحاكمة، وأدلى برأيه في لقطة توثيقية في فيلم تناول القضية، وبدا شجاعا في إعلانه عن حق الفن في التعبير وتناول أي قضية من القضايا.
فقد أعلن أيضا في مقالة نقدية لتناول الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل للحركة الشيوعية في مصر أن "إن الماركسية كمذهب اجتماعي فكري ليست ضد الدين وإنما ضد استخدام الدين استخداما سلطويا مصلحيا ضيقا، ولعل الحروب الصليبية في المسيحية، وسياسات بعض الدول الإسلامية قديما وحديثا، وخاصة أثناء الحكم الأموي، وضرب الكعبة بالمنجنيق وغير ذلك أن تكون من أبرز معالم استخدام الدين استخداما متناقضا مع قيمه الروحية وما أكثر الأمثلة وفي تقديري أن موقف السلطة السوفيتية من الكنيسة الروسية كان خطأ، وإن كان يفسر بالعلاقة الحميمة التي كانت قائمة بين هذه الكنيسة والسلطة القيصرية".
وهذا وجه آخر من وجوه محمود العالم الذي لم ينف ماركسيته، ولا إيمانه بالعلمانية، كما لم يعتبر استخدام كلمة شيوعية من المسميات التي يتعامل معها المثقفون بحذر بوصفها كلمة ذات سمعة سيئة لدى قطاع واسع من الجماهير العربية التي ترى فيها مكافئا للكفر والإلحاد، وتختزلها في هذا الإطار الضيق المحدود.
رحل محمود امين العالم عن عالمنا في وقت نحتاج إليه فيه بشكل قد يفوق اي وقت آخر، في ظل ساحة ثقافية هشة، تسودها صراعات المصالح، وغياب الجدية، وشوائب القيم التقليدية الريفية والقبلية، كما تشيع فيها الضحالة، وغياب النقد بمعناه الشامل الذي يتطلب نقادا موسوعيين من أمثال العالم، وانحدار مستوى تعليم العلوم الإنسانية، لكن الأمل، سيظل قائما فيما أورثه لأجيال جديدة، بما أنتجه، من جهة، وبنموذج الإنسان المثقف النبيل، الذي ستفتقده الثقافة العربية بحق الآن وهنا.

إبراهيم فرغلي
عن (النهار) 18 يناير 2008