Saturday, December 27, 2014

الملفات المحفوظية!

مرايا

الملفات المحفوظية!

إبراهيم فرغلي


قرأت أن طائفة من الشباب يجدون في الملف السنوي الذي تخصصه الكثير من الصحف والدوريات للاحتفاء بميلاد نجيب محفوظ ما يصيبهم بالملل، بدعوى أن التناول لم يعد فيه جديدا، أو أن البعض يثير الملف من قبيل الاسترزاق. ولعل في كثير مما يطرح في الاحتفاءات السنوية بمحفوظ ما يبرر قولهم ويدمغه بخاتم صحيح القول.
لكني في الحقيقة أرى أن السؤال أيضا يمكن أن يكون لماذا يحظى نجيب محفوظ دون غيره من الكتاب الذين عرفوا الشهرة والنجومية من جيله ومن منافسيه بكل هذا الاهتمام السنوي؟ اليست هذه ظاهرة؟ ألا يعني وجود هذه الملفات المحفوظية أن هناك ما يقال عن الرجل وأعماله بالفعل؟
شخصيا أعتقد أن هذه الملفات، وبينها ملفات تجتهد في طرح رؤى مغايرة وجديدة، وتحاول أن تطرق ما لم يطرق قبلا، وبعضها قد يقع تحت طائلة التكرار والطنطنة، هي في الحقيقة تكشف إحساسا باطنيا عما أعتقده شخصيا منذ زمن ويتعلق بأن تناول محفوظ تم في الكثير من أعماله باستخفاف واستسهال، وبأدوات نقدية تقليدية.
وأظن أيضا أن الأفلام العديدة التي نقلت رواياته إلى الشاشة كان لها دور كبير في هذا التناول النقدي الذي اعتمد على قول ما هو مشروح. أو افتراض أن أغلب شخصيات محفوظ شخصيات مفاهيمية، وهذا قد يجانبه الصواب لكن المشكلة أن قراءتها تتم بشكل خاطئ أو باستسهال.
أساءت العديد من الأفلام التي نقلت عن أعمال محفوظ إلى نصوصه الروائية على مستويات عدة، بينها أنها قدمت النصوص في قالب سردي حكائي درامي من دون قدرة على الغوص في البعد النفسي للشخصيات، على العكس تماما من الروايات بطبيعىة الحال. إضافة إلى أن الأفلام أسهمت في كذبة كبيرة روجها الكثيرون مفترضين أنهم بمشاهدة الأفلام قد "قرأوا" الأعمال، وهذه مغالطة كبرى لا يقبلها إلا مجتمع كسول في القراءة مثل المجتمع المصري.
في تقديري مثلا أن كل الأعمال الروائية التي تناولت رواية الحرافيش هي أفلام ينبغي أن تتعرض  إما للإبادة أو أن تنفي أي صلة لها بنص رواية الحرافيش. فالحرافيش في الحقيقة رواية فلسفية وصوفية، تعتمد على مفارقة كبيرة لم ينتبه لها الكثيرون، وهي أنها نص ملحمي يخلو من التفاصيل، ويعتمد على الإشارة والرمز والاقتضاب أكثر من الثرثرة والحشو، وما يمنح الإحساس بأنها رواية ضخمة ممتلئة بالتفاصيل قد تعرض قارئها للتشوش يعود لعدد الشخصيات والأجيال المتعاقبة التي تتبعها محفوظ بدء من عاشور الناجي ثم سلالته من الأبناء والأحفاد. أما الوصف فمقتضب، والزمن يختزل في جمل، والحوارات بين الأبطال قصيرة ولا ينطق أي منهم إلا بخلاصة الكلام وجوهر المعنى بلا فائض. وكل جيل يمثل منظومة من القيم التي تستعرضها الصراعات والعلاقات المعقدة بين السلطة الشعبية الممثلة في الفتوات ومنظومة القيم التي يمثلها رموز آل الناجي وبين أهل الحارة.
هذا عنالرواية فماذا عن الأفلام التي أخذت عن الرواية أو تناولتها؟ يقيني الشخصي أن تلك الأفلام جميعا (على شاكلة شهد الملكة والتوت والنبوت وغيرهما) قدمت نماذجا لشخصيات غرائبية وأنماطا كلاشيهية من الحارة المصرية كما يتخيلها صُنّاع الأفلام، وليس كما تخيلها محفوظ في تلك الحارة الرمزية التي تفيض بصراع الخير والشر، وبالبحث عن جوهر معنى العدل، ومفارقات الحكمة والتهور، وبالترانيم الصوفية التي تتجلى في ليالي الحارة تصدح بها أصوات الدراويش في داخل التكايا.
إنهذه الملفات التي يستهجنها البعض، في تقديري، هي روح محفوظ التي لا تزال تنادينا بأن نُحسن قراءته وأن نقرأ – القراءة كفعل وعي- ما بين السطور في أعماله التي تتكئ فيها الفلسفة على شخصيات من لحم ودم، لكن خلودها يتحقق مما تتضمنه سلوكياتها من دلائل الفلسفة التي نثرها محفوظ في أغلب أعماله. 


نشرت في موقع اتفرج http://www.itfarrag.com/