Sunday, November 9, 2014

الطريق إلى افريقيا يبدأ من القاهرة 1- 5

الطريق إلى افريقيا يبدأ من القاهرة 1- 5
القارة السمراء.. الأكثر اخضراراً في العالم.. وشعبها الأكثر تعرضاً للكذب!



إبراهيم فرغلي





    ما الذي نعرفه عن أفريقيا؟ أسأل أي شخص سؤالا كهذا وتوقع على الفور إجابات لن تخرج عن بعض الكوارث البيئية والطبيعية.. حروب أهلية - أوبئة .. قبائل بدائية.. زلازل وبراكين.. حشرات سامة وحيوانات متوحشة.. وربما يضيف البعض .. المجاعات وآكلي لحوم البشر.
ولن تختلف إجابات أشخاص يعيشون في أرجاء العالم بعيدا عن حدود القارة السمراء عن بعض ممن يعيشون على حدودها الشمالية كأهل المنطقة العربية.
ولاشك أن متابعة القنوات الإخبارية لها دور كبير في مثل هذه الانطباعات؟ فمن بين الأخبار على اتساع نطاقها لا تهتم نشرات الأخبار ولا برامج القنوات العربية بأفريقيا إلا لبث خبر كارثي أبطاله وجوه سمراء ترتسم عليها ملامح البؤس ، فهل هذه هي حقا أفريقيا؟ أو بالأدق هل نعرف شيئا عن أفريقيا؟

والإجابة .. هي لا . نحن لا نعرف شيئا عن أفريقيا، وقد أصبح هذا يقيني بعد انتهائي من قراءة كتاب ممتع بعنوان «سافاري النجمة السوداء» لكاتب أمريكي يدعى «بول ثيروكس» الذي قرر أن يذهب إلى جنوب أفريقيا على أن تكون محطته الأولى هي القاهرة.

وهكذا بدأ رحلته من القاهرة إلى السودان ومنها إلى إثيوبيا، كينيا، أوغندا، تانزانيا، مالاوي، موزمبيق، زيمبابوي، وصولا إلى محطته الأخيرة : جنوب أفريقيا.. وهي رحلة استغرقت عاما كاملا زار خلالها بعضا من أجمل المناطق الطبيعية على ظهر الكرة الأرضية، كما واجه الكثير من المخاطر.. لكنه نجح في النهاية أن يرينا القارة الغامضة التي لا نعرف عنها شيئا عن قرب، ويعرفنا بالبشر الذين يعيشون هناك، ويختلف كثير منهم عما اعتدنا مشاهدته في القنوات الإخبارية.
الكاتب الذي يتحلى بروح المغامرة هو بول ثيروكس، ولد وتلقى تعليمه في الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد تخرجه عام 1963 سافر إلى إيطاليا ومنها إلى أفريقيا حيث عمل مدرسا في مالاوي، ثم كمحاضر في جامعة ماكيرير بأوغندا، وفي عام 1968 التحق بجامعة سنغافورة ودرس بقسم اللغة الإنجليزية بها ولمدة ثلاثة أعوام.
وخلال تلك الفترة كان قد نشر عدة مجموعات قصصية وروايات منها «نونج والهنود وبنات يلهون» و«عشاق الأحراش»، في بداية السبعينات انطلق مع زوجته وأبنائه إلى دورسيت حيث أنجز كتاب «سان جاك» وبعدها انتقل إلى لندن، وعلى مدى 17 عاما قضاها في بريطانيا أنجز نحو دزينة من الكتب الروائية وبعض كتب الرحلات. ومن أعماله : تاريخي السري، ميلوري الساحر، شاطئ الناموس وحصل عنه على جائزة يوركشاير بوست السنوية لأفضل كتاب عام 1981، وغيرها، وكان الكتاب الذي نعرض له هنا قد رشح لجائزة توماس كوك لكتب الرحلات ولكن المؤلف كان قد حصل على نفس الجائزة عن كتابه حول الهوية الصينية وبقايا الاشتراكية.
في مقدمة الكتاب الذي بين أيدينا عن رحلته في افريقيا يقول بول ثيروكس : «كل الأخبار القادمة من أفريقيا سيئة. لكنها جعلتني أريد أن أذهب إلى هناك، ليس من أجل الفزع، والمناطق الساخنة والمجاعات والزلازل التي نقرأ عنها في الصحف ، ولكن من أجل الاستمتاع بفكرة وجودي في أفريقيا مرة أخرى. فقد كنت أشعر أن المكان شديد الاتساع ومازال يمتلك العديد من القصص التي لم ترو بعد، وبعض الأمل، والمواقف الطريفة والمشاعر العذبة أيضا. ولشعوري بأن هناك ما هو أكثر من البؤس والإرهاب في أفريقيا، قررت أن أعود إلى الأحراش فهناك عشت وعملت سفيرا منذ نحو أربعين عاما في قلب القارة الأكثر اخضرارا على وجه الإطلاق».
وفي موضع آخر يقول : في أفريقيا.. حيث لا يجدك أحد .. هذا ما كنت أطمح إليه. فأمنية الاختفاء كانت قد أرسلت الكثير من الرحالة إلى أرجاء بعيدة والترحال في ربوع أفريقيا - كما يرى ثيروكس - يوفر فرصة مثالية للانتقام من الهواتف المحمولة وأجهزة الفاكس والهواتف، والصحف اليومية، ومن كل عناصر العولمة وأدواتها التي تتيح لكل من يريدك أن يحاصرك في أي وقت.
لكن الملاحظة الأساسية التي يؤكدها ثيروكس قبل أن نخوض معه هذا العالم الغامض في قلب أفريقيا هي أنه لاحظ أن الأمور في أفريقيا إجمالا قد ساءت مقارنة بما كانت عليه الأوضاع قبل أربعين عاما .. فقد أصبحت أكثر جوعا، وفقرا وأقل تعليما..



ولهذا يرى أن الشعوب الأفريقية هي أكثر شعوب العالم التي تعرضت للكذب، من قبل حكامها الذين قدموا وعودا كاذبة بالرفاهية فلم يفعلوا سوى قيادة دولهم من سئ إلى أسوأ.
ومع ذلك فهو لا يرى أن أفريقيا هي مكان واحد أو ظرف خاص، فكل دولة وكل مكان له ظروفه وله خصائصه المميزة وهو ما وسم الرحلة بسمات التغير، وكشف التنوع الثري بين بلاد القارة.
عندما وصل بول ثيروكس إلى القاهرة كان ذلك في أحد أيام فبراير الباردة، لكن القاهرة كانت تتعرض لعاصفة ترابية جعلت الجو ممتلئا بالغبار، وهو ما جعله يصف المدينة ذات الهواء غير النقي والزحام غير الطبيعي - كما يقول - بأنها رغم ذلك صالحة للسكنى بل ومبهجة بفضل مسرات أهلها ونهرها السخي.

ويعود ثيروكس إلى التاريخ البعيد محددا بدء زيارات السياح لها منذ نحو 2500 عام، وهو تقريبا الوقت الذي كان هيرودوت قد وصل فيه إليها وكتب عنها كتابه الشهير. وبعدها زار اليونانيون والرومان مصر، ودخلوا المعابد، وسرقوا كل ما استطاعوا أن يحملوه وأبقوا كل ما ظل ماثلا حتى اليوم.

ولأنها بلد عرفت بأنها أرض الألوان والأمن فقد استقطبت الكثيرين ممن مروا عليها من المستشرقين والأجانب وعبدة الأوثان . ثم العرب والمسلمين .. بل وحتى وصولا للفرنسيين في القرن التاسع عشر، وقبلهم الأتراك ، وأخيرا الإنجليز.
يقول ثيروكس إنه بالرغم من كل ذلك، فقد ظل المصريون مصريين، ففي عصر الفراعنة كان لدى قدماء المصريين عادة صد أي أجنبي من الدخول إلى مملكتهم، ولكن ومنذ هيرودوت أصبحوا يرحبون بالأجانب بمزيج من المزاح والمناكفة وبنوع من الألفة غير المخلصة أحيانا مثلما يفعل بعض الذين يريدون الحصول على أي أموال من السائحين بأي شكل.
الملاحظة التي لاحظها ثيروكس هي وجود خيط رفيع بين كرم ضيافة حقيقي وبين من يمارسون الشئ نفسه لأغراض خاصة. وهو هنا يقصد ما يفعله المنتفعون من السياح في مصر. ويقول إن هناك الكثير من الشحاذين ، والقليل من النصابين لكنهم جميعا أصحاب نكتة. ينفثون يأسهم في اختلاق المرح. «ومن الواضح أن كلا منهم يأمل في أن يكون ثروة» أحيانا، بأي شكل، لكنهم يفعلون ذلك وهم يرسمون على وجوههم ابتسامة.

ولعل هذا هو الانطباع العام لدى الأجانب الذين يزورون مصر للسياحة وليس للعمل، فهم لا يلتقون إلا بالنماذج التي ألتقى بها ثيروكس وخرج منها بمثل هذه الانطباعات ومنهم مثلا سائق التاكسي، والمرشد السياحي في منطقة سقارة أثناء زيارته للأهرام وأبي الهول.

يقول مؤلف الكتاب بعد نبذة تاريخية عن الأهرام وأبي الهول، إنه كثيرا ما شاهد صورا فوتوغرافية للأهرامات عبر كتب الرحالة أو عبر الإنترنت، وقرأ بعض ما كتبه الرحالة الذين زاروا مصر وبينهم الكاتب الفرنسي فلوبير، لكنه يرى أن هذه الصور أضاعت الإحساس الحي لرؤية الأهرامات في الواقع والاستمتاع بمتعة الاكتشاف في الترحال.

ومن القاهرة قرر ثيروكس أن يرحل إلى الأقصر وأسوان قبل الانتقال إلى المحطة التالية وهي السودان، ولهذا كان عليه أولا أن يحصل على تأشيرة دخول من السفارة السودانية . فلم يكن لديه مثل هذه التأشيرة وهي عملية صعبة كما يصفها بسبب تعقد العلاقة بين الولايات المتحدة والسودان بعد الضربة التي وجهها الرئيس السابق بل كلينتون إلى السودان بضرب أحد معامل الأدوية بدعوى احتوائه على تجارب لعمل أسلحة كيماوية وذلك في أغسطس 1998.

وعند زيارته للسفير السوداني في القاهرة أوضح ثيروكس أن سبب الزيارة هو رغبته في مشاهدة موقع الضربات الأمريكية للمصنع الكيماوي في الخرطوم.
ويصف ثيروكس السفير السوداني بكونه رجلا مرحا، تلقى تعليما جيدا ، كان قد عمل سفيرا لبلاده في فيتنام، وأوضح السفير أنه من النوبة وأنه يتحدث باللهجة النوبية.
هل تشبه اللغة العربية في شيء؟
ليس للنوبية علاقة بالعربية، فقد كانت هذه لغة الفراعنة!
وقد أثار هذا الحوار رغبة الكاتب في السفر لزيارة النوبة فقال له السفير «ان شاء الله، فهناك سوف تشاهد أهراما وآثارا أكبر من المصرية. فالنوبة هي أساس الحضارة المصرية. يجب أن تشاهد دنقلة، ومروي وأعالي النيل والمعابد النوبية".
وبعد ثلاثة أيام جدد ثيروكس زيارته للسفير فأخبره أن طلب «الفيزا» الخاص به قد رفض . واقترح عليه مقابلة القنصل أو إعادة تقديم طلب جديد . ولفت انتباه ثيروكس تردد كلمة «ان شاء الله » باستمرار ، لكنه أبدى دهشته من المعنيين المتناقضين لاستخدام الكلمة في مصر أو السودان حيث يقصد بها «أننا نأمل » أو «لا تعتمد على ذلك » ! ولم يعرف هو أي المعنيين يقصدهما محدثوه .
وكان عليه في كل الأحوال أن ينتظر لمدة أسبوع آخر ، وبالرغم من أن انتظار التأشيرة - كما يقول - بالنسبة للرحالة هو أمر غير مستحب ، فقد خطط لقضاء وقته في خلال تلك الفترة بشكل مفيد ، وهكذا قرر زيارة المتحف المصري ، ثم زيارة الكاتب صاحب نوبل نجيب محفوظ ، وكان ثيروكس قد التقاه قبل ذلك أثناء وجوده في قسم العناية المركزة بالمستشفي بعد تلقيه طعنة شاب صغير ينتمي لإحدى الجماعات المتطرفة . كما ذهب إلى إحدى الحفلات الخاصة ، وحصل على تأشيرات لعدة دول أفريقية أخرى اتسمت كلها بسهولة الحصول عليها.والسؤال المدهش الذي أضطر الكاتب لطرحه بالصدفة هو .. هل مصر دولة أفريقية ؟
كان الكاتب قد دعا الى حفل عشاء مع بعض الأمريكيين في حي المعادي القاهرة ، وكان يتحدث عن رحلته الى أفريقيا فعلق رجل أمريكي قائلاً : « .. لم يسبق لي أبداً الذهاب إلى أفريقيا .. »
ولكن .. نحن في أفريقيا ..
« لا .. لا .. هذه ليست أفريقيا .. أفريقيا هي .. »
ولم يكمل الرجل عبارته .. ولكن بدأ حوار مطول شارك فيه آخرون كان لكل منهم تعليق لم يكن بينها ما يشجع الكاتب أبداً على استكمال الرحلة ، وكلها تؤكد ، من جانب آخر ، مدى الأقاويل الشائعة حول هذه القارة الغامضة .. أحدهم قال : « لقد سبق لي زيارة السودان - شعب رائع - ولكن الطرق هناك لا يمكن أن تسير فيها».
هناك يعتقلون الجميع » .. « زامبيا هي المكان الذي يجب أن تتجنب زيارته . فالناس يبنون أسواراً عالية حول بيوتهم فلا يمكنك أن تسير في الشوارع » .
الحرب بين أثيوبيا وأرتيريا تجعل الاقتراب منها خطرا»
هل قرأ أحدكم الكتاب الأخير الذي يتناول المذابح في رواندا ؟ » .ويرى ثيروكس من كل هذه التعليقات تأكيدا آخر على الأقاويل الشائعة التي تسم أفريقيا بكل ما يشيع عنها من فقر ومآس وجوع ومذابح .
« لم أفزع لما قاله هؤلاء الناس رغم أن تشاؤمهم جعل من أفريقيا مسرحاً للتناقضات ، ومجهولة ، لا تجدي زيارتها شيئاً . كانوا يقولون ما كان يردده كل شخص آخر دائماً : أليست أفريقيا بشعة ؟! إنهم بدوا وكأنهم يؤكدون أن ملامح الخارطة الأفريقية أصبحت معتمة وشحبت حتى أصبحت بلا وجود » .

هكذا يقول بول ثيروكس ثم يضيف : لا .. لم يفزعني ما قالوه ، فإن ما يزهو به الرحالة أنه يلقي بنفسه إلى المجهول ، وأفضل رحلة هي تلك التي يقفز فيها الشخص الى الظلام . فإذا كان ما يذهب اليه الرحالة مألوفاً ومعتاداً فما جدوى الذهاب الى هذا المكان من الأساس ؟
ومن بين ما يقدم له الكاتب وصفاً تفصيلياً هو القاهرة القديمة ، وخاصة حي الجمالية باعتباره المكان الذي كتب عنه نجيب محفوظ الكثير من أعماله الإبداعية وباعتباره أيضاً المكان الذي ولد وعاش فيه جانباً كبيراً من طفولته وصباه . ثم يقدم وصفاً لشارع قصر الشوق خلف خان الخليلي ، وحارة قرمز وميدان بيت القاضي ، ويورد فقرات من روايات محفوظ المترجمة يصف بها نفس الأماكن ، ثم يصف زيارته لمحفوظ بصحبة مترجمه ريمون قبل ذلك بسنوات ، والتعليق الذي مازالت ذاكرته تحتفظ به وألقى به محفوظ ضاحكاً قبل أن يشعل سيجارة معلقاً على حادث الضربة الأمريكية البريطانية للعراق بدعوى أن طائرات عراقية حومت في منطقة محظورة من العراق وفقاً لقرارات مجلس الأمن آنذاك بالعقوبات على العراق . قال محفوظ : « الهجوم على العراق يشبه الهجمات العشوائية التي وردت في رواية « الغريب » لكامي » .
وكان التعليق في جلسة محفوظ الأسبوعية بالمعادي وتخللها حوار موسع حول الدور الأمريكي في الشرق الأوسط وتأثير نوبل محفوظ على عالمية الأدب العربي .. كما سأله ثيروكس عن مدى حقيقة أن النوبة كانت أصل الحضارة الفرعونية. هنا أوضح محفوظ أن هذا محل جدل ، وأن المصريين غزوا النوبة واحتلوها أولاً ، ثم احتشد أهل النوبة وقاموا بحملة مضادة .
وعندما عرف محفوظ أن ثيروكس في طريقه الى النوبة أخبره أنها تعرف باسم « أرض الذهب » .وأخيراً في اثناء زيارته للأقصر وأسوان حصل ثيروكس على تأشيرة دخول السودان ، لكنه عرف من السلطات أن الحدود البرية مغلقة بين البلدين ، وبالتالي كان عليه العودة إلى القاهرة والسفر بالطائرة .
في السودان كان فندق » الأوكروبول » هو أول ما شاهده ثيروكس ، موضحاً أنه الفندق الرئيسي في الخرطوم، ويقيم فيه أغلب المراسلين الصحفيين وموظفو منظمات الإغاثة الدولية . لكن الجو العام للفندق بدا لثيروكس كأنه في «كازابلانكا » .
يصف الكاتب الخرطوم بأنها مدينة الرجال ذوي الجلابيب البيضاء الفضفاضة والعمامات العالية بنفس اللون ، والنساء الطويلات المحجبات واللائي يرتدين القفازات السوداء بينما تعلو المآذن الشبيهة في بنائها بشكل الأقلام الرصاص في كل مكان . أما المدينة نفسها فتتوسط نهرين واسعين هما النيل الأبيض والنيل الأزرق .
ويلتقي الكاتب مجموعة من الطلبة السودانيين يدهشه أنهم يتحدثون بالإنجليزية .. ويؤكدون له أنهم يحبون الأمريكيين لكنهم لا يحبون الإدارة الأمريكية . وأنهم يميزون بين الشعب الأمريكي وبين حكومته .
ويبدي الكاتب دهشته من تقسيم السودان إلى منطقة يعيش بها المسلمون فقط وأخرى للمسيحيين ، وأربعين عاماً من الحروب في المناطق الجنوبية ، رغم أنه لم يشعر بأي شيء من ذلك في الخرطوم . ولم يكن ليعرف عن ذلك شيئاً إلا بعد لقائه ببعض أهالي قبائل الدنكا ، والشلوك ونوير من المسيحيين الذين فروا من الجنوب هرباً من نيران الحرب .ويصف الحر الشديد الذي يتسم به المناخ في السودان ويقول إنه تمنى آنذاك أن يرتدي مثل كل الموجودين حوله .. جلباباً فضفاضاً وعمامة بيضاء . وتأمل فكرة أن النساء المحجبات قد تظهر أقدامهن وكواحلهن الرسومات البديعة بالحنة .
كما يصف سوق المدينة المركزي الذي بدا له مثل أسواق العصور الغابرة .. مكان يلتقي فيه الناس والباعة والرحالة والسودانيون من الشمال والجنوب على السواء كل بلباسه التقليدي . والعارضون الشعبيون مثل الحواة . بعض الباعة يعرضون الصابون والسجائر، ويوجد شارع كامل لباعة الصنادل.. ثم الخضروات واللحوم .. وفي قلب السوق يستقر المسجد الأكبر في أرجاء المدينة وباعة الذهب ، الذين لا تزيد بعض متاجرهم عن مساحة كشك صغير .

ويزور المؤلف في اليوم التالي «نادي النيل الأزرق العائم » الذي يستقر على ضفة النهر ويعود تاريخ بنائه الى العشرينات وهو في الأصل آخر المراكب الإنجليزية العسكرية الذي لم يدمر في معركة أم درمان .

كما زار متحف الخرطوم الذي يصفه بأنه كان ممتلئاً بالتماثيل الفرعونية ، وكان الكثير منها يشبه التماثيل الفرعونية المصرية ، وأدرك آنذاك أن الوجوه الفرعونية التي تمتلئ بها المعابد والمتاحف المصرية كانت لها جذور أفريقية عميقة . وشاهد ثيروكس بعض المتدينين وعرف أنه يطلق عليهم اسم « دراويش » وهم المتصوفة ، كما عرف أن المتصوفة هم الذين يعود لهم فضل دخول الإسلام إلى السودان وأن كبيرهم «يوسف فضل حسن» يعيش في الخرطوم .. وهناك قريباً من داره يستقر أكبر تجمع للصوفية ومناسبات الذكر والاحتفالات الدينية التي حضر ثيروكس إحداها مبهوراً بطقوس الذكر التي يحييها الدراويش بملابسهم الفضفاضة التي تتراوح ألوانها بين الأبيض والأخضر .

وعندما يحل الغروب تبدأ الطقوس في الخفوت ويختتم الحفل ويذهب الجميع رجالاً ونساءً للصلاة في منطقة فسيحة من الخلاء بين الصحراء والنهر .


نشرت في الرياض 16 ابريل 2005


بالترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة