Friday, November 7, 2014

المثقفون المبتسرون في مجتمعات الزومبي


بين "الطغرى" و"التماسيح"
المثقفون المبتسرون في مجتمعات الزومبي!

إبراهيم فرغلي




لا أظن أن هناك عملاً روائيًا قدم نقدًا ذاتيًا لجماعة المثقفين بهذه القسوة والدقّة كما فعل نص "التماسيح" للكاتب المصري يوسف رخا، أحد الأصوات الطليعية والتجريبية المهمة، وهي العمل الروائي الثاني له بعد روايته الأولى "كتاب الطغرى"، الذي قدم فيها رصدًا روائيًا لأزمة الهويّة في المجتمع المصري، بسبب الحركة الوهابية، التي انتقلت أفكارها إلى مصر عبر المهاجرين المصريين الذين ذهبوا للعمل في السعودية في السبعينات وعادوا إلى مصر بتلك القيم البدوية، ما أدى، مع أسباب أخرى، إلى تزييف أزمة هذه الهوية بتحويل الجمهور إلى كائنات أشبه بالزومبي تسيّرها خطابات مزيّفة، تستغل خواءها الذهني لتدفعها لأن ترى في الدين هويّة وحيدة تبتلع كل مكونات الهوية الأخرى، وترى في أوهامها أن فكرة الخلافة هي البديل لفكرة الدولة المدنية.
لكن التماسيح تُضّيق زاوية الرؤية لتتأمل جماعة أو دائرة المثقفين في مصر، خلال فترة التسعينات على نحو خاص، منطلقة من حدثين مركزيين هما انتحار واحدة من أبرز رموز مثقفي جيل السبعينات وهي أروى صالح، ويختار لها الكاتب اسما روائيا (رضوى عادل) لتأكيد الطابع التخييلي للنص، الذي تزامن مع تكوين مجموعة من ثلاثة شعراء مغمورين جماعة شعرية سرية اسموها التماسيح، ووضعوا لها مانيفستو يمثل قوانين الشعر السري، وقد شكلت هذه الجماعة رابطًا شعريًا إضافيًا لروابط صداقتهم التي سوف تتداعى لاحقًا لأسباب مختلفة.
تدور وقائع الرواية بين العام 1997 الذي شهد تأسيس جماعة التماسيح، وصادف انتحار أروى صالح في يوم واحد تقريبا، وصولا إلى تاريخ ثورة يناير في 2011، وما بعدها بعام.
ويجد الراوي في هذه الصدفة مسوغا للبحث والتأمل في كثير من المشتركات التي تجمع جيلين من المثقفين هو جيل أروى صالح الذي عرف بجيل السبعينات، والذي قاد الحركة الطلابية في عام 1972 ضد السادات ليطالب بدخول مصر في حرب استعادة كرامتها أمام إسرائيل، وهو أيضا نفس الجيل الذي حرك أكبر انتفاضة شعبية ضد السادات أيضا في العام 1977، وبين جيل التسعينات الذي ظهرت أعماله الأدبية مع مطلع تسعينات القرن الماضي، متأملا حال الجيلين عبر عدد من النماذج الذين مثلوهما، مستخدما أسماء وهمية في بعض الحالات أو باستخدام الأسماء الأصلية للأشخاص في أحيان أخرى، لتأكيد الجانب التخييلي للعمل. مارا على تجارب دورالنشر الخاصة التي تزامنت مع ظهور هذا الجيل، والجماعات الأدبية التي ظهرت واختفت، والمجلات الأدبية التي واكبت ظهور جيل التسعينات مثل مجلتي "الجراد" و"الكتابة الأخرى"، وغير ذلك من تفاصيل.



ينطلق النص من الكتاب الشهير للراحلة أروى صالح المعنون باسم "المبتسرون"، التي قدمت فيه نقدا لاذعا للمثقفين المصريين المنتمين لليسار والماركسيين من جيلها، ويتأمل حال نماذج الجيلين متتبعا ما يرى أنه دوما كان جانبًا من ملامح هذا الابتسار، أو النقص، أو عدم النضج، أوعدم الاكتمال.
ويوسع الراوي هنا زاوية رؤية هذا الجيل لافتا إلى أن الأصل القادم منه المثقف المصري إلى القاهرة، باعتبار أن الغالبية العظمى منهم من الريف ووفدوا إلى المدينة للعمل أو الدراسة، لها تأثير قوي عليهم. فهو يرى أن المثقف ذو الأصل الريفي تظل القيم التقليدية الريفية تتحكم فيه، مهما بدت عليه ملامح التحرر. لكن الفتيس او يوسف أو الراوي، يضيف نقدا آخر لاذعا للريفي قائلا: " أنا أتحدث عن المكر والمهادنة، الجبن الذي يؤدي إلى التكتل حتى لو كان الانطلاق مدفوعا بالتمرد على الكتلة الاجتماعية". ثم يورد نقدا آخر له علاقة بان نماذج من هؤلاء كانوا يعبرون أحيانا على جثث آخرين من الاصدقاء او المحبين، ويرى الراوي أن ما يفعلونه، أو يحققونه فيما يتصورون أنه "تقدما" للامام قد يبدو أنه يبتعد بهم عن قيم الريف لكنه من جهة أخرى يملأ القاهرة بقيم ريفية وبدوية، لا يكونها الجهل والفاقة التي تعاني منه القاهرة فقط، بل مضافا إليه آفات بشر يقررون أن يصبحوا عراقيل لآخرين بدلا من أن يكونوا أناسا وبشرا طبيعيين.
 في نفس الوقت فإن إشارة الراوي إلى "الكتلة الاجتماعية" في الجملة السابقة، تتضمن إشارة إلى تناقض آخر بين النزعة الفردية التي كانت شعارا مرفوعا بين أفراد هذا الجيل من المثقفين، وبين حياته المستمرة فيما يشبه دائرة أو جماعة. في عدم قدرتهم على تحقيق الفردية كما عرفتها الأجيال الأخرى من المثقفين في الغرب، خصوصا اولئك الذين انبهر بهم البعض من طلائع ال Beat Generation، أو الـ Beatniks  خصوصا الشاعر الأمريكي ألن جينزبرج والروائي جاك كيرواك وغيرهما.
  وبين التناقضات التي يرصدها الراوي أيضا المثالية التي قد يكون في جوهرها لونا من ألوان الاستعراض، لدرجة أنه يرى أن فعل الانتحار بالنسبة لأروى صالح نفسها لم يكن سوى أحد أعراض هذه الرغبة المدمرة في الاستعراض، ليصل إلى أن كل هذه السمات التي ميزت جيلين، كان لا بد ان تقود إلى انتفاضة أو ثورة أو حركة ناقصة أو مبتسرة أوغير مكتملة، ايا كانت وجهة نظر من يتعامل مع ثورة 25 يناير.

 هناك ملمح عام في نصوص رخا خصوصا في رواية الطغرى، أنه يختار نماذج من الحياة، ويصورها بشكل كاريكاتوري ساخر، أو يختار اشخاصا هم بالفعل نماذج غريبة في الواقع، مثل شخصية وحيد الدين، لأن وجودها في الحياة بالفعل يبدو كنتوء غير مفهوم، شخص كان عبقريا في مجاله في العمل التحريري ثم اختفى وعاد شخصية أخرى. لا يظهر إلا مساء أو ليلاً ، يسير صامتا بمحاذاة الجدران ، ويعاني من وساوس قهرية.
 هذا النموذج وغيره يبدو جذابا لعيني الروائي عند يوسف رخا الذي يلتقطها ثم يلقي عليها بأردية واقنعة للدخول في مسرح الرواية بشخصية تبدو طول الوقت كأنها على تسير على حدود الواقع والتمثيل أو الاستعراض- أو بين حدود الحقيقة والوهم. كأنه يأخذ من الهامش ما يرى أن وراءه قصة يجب أن تروى، أو أنه الهامش الذي تكاد لا تراه، لكن امنحه الفرصة ليظهر وسوف يأتي بما لا تتخيله، ليس اقل من اقتراح دولة خلافة إسلامية في بلد بدأ مسيرته نحو المدنية قبل أكثر من قرن كامل. ويستكمل هذا الطابع الساخر في بناء الشخصيات باختيار اسماء غريبة لهم مثل "فستق" أو "الدو" أو "يلدز"، وهي أسماء غير دارجة في الواقع.

لكن على العكس من ذلك تأتي الشخصية الأنثوية في عملي يوسف رخا، فهي لا تخضع لمنطق البناء الكاريكاتوري، بل تقدم بوصفها الواقعي، كأنه يرى في التناقضات التي تحملها تلك النماذج النسوية ما يفوق الخيال من ازدواجية وتناقض، سواء كن العشيقات الثلاث لأعضاء جماعة التماسيح في التماسيح؛ موون الشاعرة المتزوجة التي كانت على استعداد لأن تحب على زوجها، ونرجس الفنانة التشكيلية الوصولية الرسامة الطليعية الموهوبة التي تعبر عن ازمة الفتاة المتحررة حين تقرر ان تعيش بمفردها في مجتمع مغلق، الهاربة من تاريخ من الزواجات الفاشلة في إحدى مدن الجنوب، وصبا الناشطة الحقوقية المتزوجة من إيطالي ولكنها بدأت علاقاتها بعلاقة مثلية مع صديقة لها، أو كانت شخصية زوجة الراوي في "الطغرى"، أو إحدى صديقاته في العمل "يلدز". ويمكن أن نرى تلخيصا لماساة هذه النماذج جميعا في وصفه ليلدز "الظاهر ثقة وثقافة وفعل الخير، فماذا عن الحقد والجبن وخداع الذات". وهي سمات تنطبق تقريبا على أغلب نماذج النساء في العملين.
لكنه يتوقف عند نموذج الفتاة "علياء المهدي" التي وقفت عارية أمام مصور وبثت صورتها على الإنترنت لتقدم ثورتها على طريقتها الخاصة؛  "بافتخار من يقدم روحه قربانا للحرية، الأمر الذي لم يفعله أحد من أرباب الحركة الطلابية في السبعينات، وضعت علياء المهدي جسدها على النت وقالت أن هذه ثورتها".

وبينما تأخذ اللغة في نص التماسيح مسارا أكثر انسجاما، ولو انه في النهاية يبدو مركبا في اكثر من موضع، ويميل لأن يكون نصا ذهنيا أقرب للشعر في تركيبه، فإنها في رواية "كتاب الطغرى" تأخذ أكثر من مسار، فهي في مستوى تعتمد على مزج بين الفصحى وبين مفردات العامية أو المصطلحات الشائعة اللاتينية التي تستخدم في العامية، وفي مستوى آخر تبنى على مزيج من الفصحى التقليدية القديمة التي شاعت في العصور العربية الإسلامية خصوصا في الفترة العثمانية. ويعد يوسف رخا أصيلا تماما في ابتكار لغته الخاصة في هذين النصين.
وفي الطغرى يبدو جليا الولع بالتجريب لدى يوسف رخا في الشكل والبناء.  فالرواية تعتمد على التشظي، والدائرية، إذ تبدأ من وصف الراوي لانفصاله عن زوجته وما مر به في هذه الخبرة المأسوية التي تفيض بالألم وجلد الذات والآخر، واصفًا نفسه في ليلة الانفصال وهو يودع زوجته كأنه جنرال مهزوم يتأمل مدينته لآخر مرة، ثم يوازي بين بكائه على هذه الخسارة وبكائه على القاهرة التي يرى أنها تعاني من نفس ما يعانيه على مستواه الشخصي.
ثم تمتد من هذا المنطلق إلى تتبع أحوال عدد ممن يعرفهم من زملاء وأصدقاء في مرحلة محاولة تجاوز ألم الانفصال عن زوجته، وعلاقته الممتدة بصديقه أمجد الذي كان علمانيا من الطبقة الوسطى وتحول فجأة في إطار المد الديني المزيف الذي انتشر في القاهرة إلى ملتح متدين، تفيض حياته بالمتناقضات، ثم التقائه بالشيخ وحيد الدين وصولاً الى حالة الحب التي تجمعه بسيدة غلامية متفرنجة متزوجة يعرف بين أحضانها أو يختبر معنى آخر لمفهوم الحب الحسي والروحي على السواء.
وتوازياً مع هذه الأحداث المتشظية نجده يحاول أن يقدم رسماً لمدينة القاهرة، وهنا ملمح آخر للتجريب بانتثار عدد من الرسوم التوضيحية بخط اوريشة الراوي – الكاتب، تمر بمراحل متعددة من التطور الشكلي، حتى يصل الراوي الى تطابق تام بين تصوره لشكل القاهرة كما رسمه وختم الطغرى السلطاني الشهير في العصر العثماني.
في نهايات نص الطغرى نجد أن النماذج التي يشير لها الراوي وهي تمثل قطاعا أكبر من جمهور عريض تسير بالسؤال من دون أدنى محاولة للبحث عن إجابات، فتبدو مثل «الزومبي» الذين يعيشون في الحياة أنصاف أحياء، أو كجثث حية سلمت عقولها لغيرها وظلت تسير كأشباح خلف ما يريده غيرهم، في دلالة رمزية الى التدين الشكلي وأنماط الريفية العقلية التي يرفل بها مجتمع كامل يبدو عائشاً في غياب عقلي كامل، أو حتى الانصياع التام لمظاهر الاستهلاك والمظاهر الشكلية لدى فئات أخرى.
 أما نص التماسيح  فيحوم حول نموذجين لحيواني التمساح والأسد، ويتأمل مدلولات كل منهما، ووجود الأسد في النص ضروري لأننا نرى في النهاية نايف، أحد أعضاء جماعة التماسيح وقد اصيب بلوثة جعلته يتوهم رؤية أسد في البيت، وتزداد حالته سوء حتى يكون الأسد المتوهم سببا لموته في حادث مروع.
يوسف رخا 

هذا الوهم، أو الأوهام هي جزء مما يراه الراوي آفة جيل كامل لم يتعاط سوى الأوهام، وكانت الأوهام كفيلة به، وهذا ما يؤدي إلى إحساس الراوي بالفجيعة : الفجيعة في موت نايف العبثي، وفي أوهام ثوار لم يمتلكوا سوى الحس بالاستعراض الذي جعلهم لا يرون في الثورة إلا وقوف في الميادين ومواجهات  سلمية مع الشرطة المدججة بالغاز والسلاح، فيما يقدمون جثثهم بهذا الحس الانتحاري ويعودون، بعد كل معركة من تلك المعارك، ليبكون على أصدقائهم الذين يموتون من دون أدنى شعور بعبث ما يفعلون.

كأن جماعات الزومبي في الطغرى لم يكن ينقصها سوى المبتسرون في التماسيح لتكتمل دائرة مروعة من انكسار الأحلام قبل أن تبدأ.