Saturday, June 10, 2017

اللاشيء المقدس!



 اللاشيء المقدس 

وائل فاروق
 

 في ثلاثينيات القرن الماضي قدس اليابانيون هيروهيتو الامبراطور الإله الذي قادهم إلى تحقيق نهضة اقتصادية وبناء قوة عسكرية مكنتهم من السيطرة على مساحات واسعة من العالم، بعد الهزيمة المخزية لليابان في الحرب احتفظ الإمبراطور بقداسته، إلا أنها قد فقدت معناها ليس فقط لأن الإمبراطور قد تحول إلى ديكور ولكن لأن الإمبراطور الإله قد قاد شعبه إلى تدمير الآخرين قبل أن يدمر بلادهم، هكذا بدأ اليابانيون يطلقون عليه اللاشيء المقدس. (Japan: a Reinterpretation : Patrick Smith, Knopf dubleday publishing group 2011)
 اللاشيء المقدس هي أفضل عبارة نصف بها قيم الحضارة الغربية اليوم، فعلى مستوى الممارسة والثقافة يتم تفريغ هذه القيم من معناها بالرغم من تقديس الجميع لها مثل قيمة الحرية ، في القرن 18 تعرف المصريون على الحرية والإخاء والمساواة على إيقاع مدافع بونابرت، كما تعرف العراقيون على الليبرالية في القرن الواحد والعشرين عن طريق قنابل بوش الذكية، إن الضمير الجمعي العربي يربط الليبرالية بالخضوع للاستعمار لأنها كانت دائما ليبرالية بدون حرية. المؤسف في الأمر أن الأمر لا يتوقف عند الفشل في تقديم هذه القيم للآخر ولكنه يمتد لتفريغها من معناها في الداخل على مستوى الفكر والممارسة في الثقافة الإنسانية المعاصرة أصبح المؤقت مركزيا، نعيش حياة مؤقتة، أعمال مؤقتة، علاقات مؤقتة، زواج مؤقت، سكن مؤقت، كل ما نستخدمه أيضا في حياتنا اليومية أصبح مؤقتا كالمناديل الورقية والأكياس والأكواب والملاعق البلاستيكية، لا شيئ يحمل علامة، لا شيئ يحمل معنى لأن كل شيئ زائل، هكذا تحول الانتباه الثقافي المعاصر من الكينونة أو الوجود في العالم إلى الصيرورة أو العبور في العالم، إنه عالم العابر والمؤقت، نعم سقطت الأيديولوجية ولكن الخوف من الآخر يتزايد، تراجعت العدمية لكن الحياد السلبي من كل شيئ قد حل محلها، فمصطلح "المابعد" الذي يسبق كل أوجه المعرفة الإنسانية – مابعد الصناعة، التاريخ، الاستعمار، الحداثة – لا يعني إلا غياب القدرة على إضفاء المعنى على الحالة الإنسانية الراهنة. 
 وهو ما يرى هابرماس أنه أحد نتائج إقصاء الدين من الحياة العامة، إن كل ما نواجهه من تحديات اجتماعية في مجتمعاتنا يرجع بشكل أساسي إلى انعدام القدرة على انتاج معنى للحياة يعد الدين أحد أهم مصادره. 
 يعتقد ما بعد الحداثيون أنهم حرروا الإنسانية من أسر الثنائيات الفكرية ( الخير/الشر- الحضور/الغياب- الأنا/ الآخر) لكنهم في الحقيقة لم يفعلوا إلا الانتقال من التقابل بين الثنائيات وما يترتب عليه من القدرة على إصدار أحكام تعكس في مجموعها ثقافة وهوية وشخصية فردية/جماعية إلى التساوي بين الثنائيات وما يترتب عليه من عدم القدرة على إصدار الأحكام الذي يعني التوقف عن التفاعل مع الواقع وهو ما يؤدي بالهوية الفردية والجماعية إلى التنميط . 
 ناضلت ما بعد الحداثة ضد " إقصاء" الحداثة للآخر "المختلِف" ولكنها لم تجد طريقا لهذا إلا "إقصاء" الاختلاف. حيث الاعتقاد السائد أن التعايش السلمي فيها بين المنتمين لأديان وتقاليد وثقافات مختلفة لا ينجح دون استبعاد التجربة الدينية والأخلاقية من الفضاء العام للمجتمع، وهو ما يعني إقصاء الاختلاف، فإذا كانت التجربة الدينية أهم مكونات الهوية، فإن هذا الإقصاء للاختلاف هو في حقيقته إقصاء (للذات).
هل حققت هذه العلمانية المتطرفة في النهاية هدفها ؟
 لا تخلو عاصمة أوروبية كبرى اليوم من "مجتمع موازي" يعيش فيه المهاجرون المسلمون ؛ فقد انتهت المحاولات الحثيثة لدمج المهاجرين في مجتمعاتهم الجديدة إلى جعل الحدود الثقافية والدينية " لامرئية " في الفضاء العام حيث ترسخ مفهوم وممارسة لـ " التعددية " يحول الفضاء العام من بوتقة للقاء والتفاعل الإيجابي بين المكونات الثقافية المختلفة في المجتمع الأوروبي المعاصر إلى " حدود " تفصل بينها، كما نجد في فرنسا حيث التي أصدرت قانون يجرم ظهور الرموز الدينية في الفضاء العام لتصبح فرنسا دولة يحمي دستورها الاختلاف والتعدد الديني وتجرم قوانينها مظاهره. 
 إقصاء الاختلاف من الفضاء العام جعل " التكيف" وليس "التفاعل" هو الإطار الحاكم لعلاقة المهاجرين مع مجتمعهم الجديد وهو ما أدي - إلى جانب عوامل ذاتية أخرى خاصة بطبيعة ثقافة المهاجرين أنفسهم - إلى خلق هذه المجتمعات الموازية التي تصطدم بالمحيط الذي مازال غريبا/ أجنبيا .
الخلاصة 
 في سياق هذه الثقافة إذا سألت ما هي الحرية؟ ستكون الإجابة هي كل شيء، ولكن الحرية التي تعني كل شيء هي لاشيء، الحرية الحقيقية لها وجه واسم وحدود هي الخبرة الإنسانية، التي لا يمكن أن تكون إنسانية إذا نزعت الشخص من هويته من تاريخه من معنى وجوده وغايته، لأنها في هذه الحالة ستكون شكل يخلو من المعنى ولتشترك مع الثقافة الإسلامية المعاصرة في إقصاء الشخص وتجربته وهويته. هكذا ننتقل من "اللاشيء المقدس" إلى "لا شيء مقدس" ، لاشيء مقدس طالما كان الشكل في المركز والإنسان في الهامش
 في القرآن كما في الكتاب المقدس يبدأ آدم علاقته بالعالم بتسمية الأشياء، يفقد آدم المعاصر كل يوم جزءا من عالمه القديم، لأنه ينسى الأسماء، لأنه لم يعد يسمي الأشياء، لأنه لا يهتم بتسمية الأشياء، آدم لم أدم، إنه ما بعد آدم.

هذا المقال المهم نشره كاتبه الأكاديمي والناقد المصري وائل فاروق بالإيطالية وترجمه للعربية