Sunday, November 6, 2016

كلمة ماجدة الجندي في احتفاء السفارة المصرية في الكويت بالغيطاني

أمسية الاحتفاء بالذكرى الأولى

 للكاتب المصري جمال الغيطاني

المكتب الثقافي المصري – الكويت

كلمة الأستاذة / ماجدة الجندي




  السادة الحضور،،،،

  الشكر والامتنان، حق وواجب في المفتتح لليلة تقام احتفاء بجمال الغيطاني، في الكويت، البلد العربي الذي أدرك قيمة الثقافة، قبل غيرها، في ذروة أن أنعم الله عليه بالثروة،  فكان انحيازه للثقافة عبر اصدارات بارزة ، اسهمت في تشكيل معالم فضاء مستنير، لكل العرب.
 فمن منّا لم يتابع مجلة "العربي" التي كانت تخصنا جميعا بمستواها المتفرد منذ صدرت؟ من منا لم يحرص علي اقتناء "عالم المعرفة"، وقد فرَدَت أشرعتها محلّقة في ثقافات الشرق بقوسه المنفرج الواسع، والغرب بكل أطيافه؟

 من يمكنه أن يتجاهل ريادة كويتية مبكرة، في توظيف المال العربي، لخدمةٍ حقيقيةٍ لانتشار الثقافة الرفيعة، والمعرفة الحقّة، ومنذ عقود بعيدة، بُغية اتساع مساحات الوعي بإصدارت ترتقي بالعقل العربي في مضمار الفن والأدب والعلم والتاريخ، وشتّي صنوف المعرفة؟
 هذه حقيقة تاريخية راسخة، لعبت فيها الكويت وفي فترة مبكرة، دورًا تأسيسيا رفيعا، للإسهام  في ازاحة أرتال من خفوت الوعي الثقافي، في حقبتنا العربية الحديثة، علينا أن نقر بها، ونحتفظ لها بخصوصية تميزها، تتبلور في اختلاف جذري عما جرى، في أقطارٍ شقيقة أخرى، حباها الله هي الأخرى بالإمكانات، لكنها مزجت ما بين السعي الثقافي والأغراض السياسية . 
هذا مُستهل يجعل من لقاء الليلة، حول جمال الغيطاني، حدث يتمتع بالألفة والطبيعية، لأنه لقاء لا أحسبه تذكرة بمرور عام على رحيل أحد ضمائر الثقافة العربية، بقدر ما هو احتفاء" بالقيم"، "والمعاني" التي نذر لها الكاتب جمال الغيطاني نفسه، والتي اتخذها طريقا وَعِرا في الحياة، انحاز خلاله إلى "الإنسان" أينما كان، معبّرا عن أشواق هذا الانسان وحقه في الحرية، والحلم والتحقق، بنزاهة وعدل.

 لست هنا في مقام القول والحديث عن قامة رحلت، أو إحياء لذكرى، بل أقول نحن في حضرة "الحياة"، وانحيازا للحياة التي كان الغيطاني ترجمانا لأشواقنا إليها، عبر إبداع شق له طريقا عربيا، مؤسّسا لتيّار أصيل في فن الرواية، مغاير لما ألفه القارئ عن التيار الغربي الشائع لكتابة الرواية.
كان الغيطاني يعبر عن ذلك المعني بقوله: إنه القادم من أعرق وأغنى تقاليد السرد الإنساني، من تراث ألف ليلة إلى كتابات المتصوفة، فكيف له أن يعرج على غير منبته وجذوره؟
ومن هذا المنطلق، الواعي والمدرك والملم  لـ "كُنه" ثقافته العربية، أضاف الغيطاني للثقافة الإنسانية.
كان يقول أن أحدا لا يعرف جنسية "ابن خلدون"، ولا التوحيدي، وأن أحدا لا يهتم أين ولد ابن بطوطة، وتحت أي شمس فتح ابن الفارض عينيه لأول مرة .. ولا .. ولا، المهم أنهم يمثلون روافد ثقافتي العربية.

أقول إن الغيطاني كان جذره مصريا عربيا انسانيا، بامتياز، نفذ إلى"المشترك"، القاسم، مابين البشر، إلى "الجوهر" الثابت الذي لا يختلف عليه الإنسان أينما كان موطنه، أو كان مآله. واحد من قامات الثقافة العربية، و ضمائرها، التي "أنشدت الحياة" في كل ماكَتَبَتْ. فإن توقف عند البصّاصين في "الزيني بركات"، فلأن الحرية "قيمة" أوليّة، لا يشابهها إلا الشهيق والزفير، وإن فضح الفساد في "حكايات المؤسسة"، فلأن الفساد  يجور على "العدل" ويهدم البنيان. وإن طال وقوفه عند رقرقات القلب كما في "الصبابة والوجد"، فلأن الحب هو ما يرطب ويعيننا علي جفوة المعاش، وإن نزفنا مع  وجع "الفقد" الإنساني كما في "تجلياته"، فلأن"الموت" هو الحقيقة التي يقف إزاءها كل البشر عاجزين. وإن سطر دقائق وتفاصيل حرب الوطن في "الرفاعي" و"أرض أرض"، فلأن إدراكه لقيمة الأوطان، والدم المدفوع للحفاظ عليها، كان حاضرا كقيمة ثابتة لا تتزحزح، ولا تخضع لأي أمور نسبية، منذ وعى الحياة وحتي الثامن عشر من أكتوبر ٢٠١٥، يوم اختاره الله سبحانه وتعالى في ذروة تجليه إبداعا، ولحكمة يدركها سبحانه وتعالى.

لكل مصري .. لكل عربي .. بل لكل إنسان، نصيب وحق ومساحة في جمال الغيطاني، ربما تفوق ما لنا، نحن أسرته، محمد الديبلوماسي بالخارجية، وماجدة الباحثة بجامعة شيكاغو، وانا التي لا أعرف توصيفا أو تعريفا لموضعي عبر اثنين واربعين عاما، وإن كنت أحمدالله بعدد انفاسي، أن منحني فرصة العيش في حضرة "الحياة". حضرة جمال الغيطاني وحتى آخر لحظة من عمري. وإن كان لي أن أقول ولو جملة تخصني فأستأذنكم البوح أنه توّجني "ملكة"، وأنه "نِعَم" ربي الكريم المستمرة.
 عفوا إن أطلت، وعُذرا، إن قصرّت، فجمال الغيطاني "معنى" اتسع، وضاقت ازاءه.. حروفي. 
وامتناني الذي بلا حدود، إليكم جميعا.

ماجدة الجندي