Thursday, June 9, 2016

قوة الرواية 5

تغريدة

قوة الرواية 5

إبراهيم فرغلي



يكذبُ، كاذبٌ فهو كذّاب. وكم في حياتنا العجيبة هذه من كذب وكذابين. ومع الأسف أنه من بين ما يوصف بفن الكذب هو فن الرواية.  ولهذا ربما كثيرا ما يُتهم الروائي بجميل الكذب.
وبقصد أو عن غير قصد، ولأسباب كهذه، قد يستخف البعض بما يكتبه الروائي بوصفه مختلقا لحكايات لا أصل لها.
 وإذا كان القارئ ممن يؤمنون أن المعرفة لا تتوفر إلا في كتب المعرفة البحتة، سواء كانت علوما طبيعية أو علوما إنسانية وبينها الفكر والفلسفة، فغالبا سيكون ميالا للاستخفاف بأكاذيب الروائيين وحكاياتهم، ولو قرأها فربما لكي يريح عقله قليلا من عصف الأفكار أو فهمها في كتب المعارف المختلفة.
فهل الروايات كذب حقا؟

تتأسسالرواية على الحكاية، والحكاية صحيح قد تكون مختلقة بالكامل، تماما كما يفعل الكذابون. لكن هل حقا هناك اي شبه بين الكذب أي اختلاق وقائع بغرض الايحاء بأنها حقيقة وبين القول الروائي؟ 
أنصت لشخص يحكي لك مثلا مشكلة مع مديره في العمل، زوجته، صديق من أصدقائه. ولنفترض أنه بالفعل يقول الحقيقة، من وجهة نظره طبعا، فهل قصته هذه حقيقة؟ الحقيقة لا. قصته هنا هي جانب من الواقع. وهناك جانب آخر لهذا الواقع سيظل خفيا ومستترا بصمت الطرف الآخر. فإذا استمعت إلى الطرف الآخر سيصبح لديك وجهتي نظر لواقعة أو وقائع، لكنك أيضا لن تكون قد وصلت إلى "الحقيقة".
إذا أراد الروائي أن يتناول هذه القصة فقد يختلق أشخاصا آخرين تماما، ولكنه سيعالج بهم نفس الواقعة، لكنه لن يهتم هنا بأن يقدم الواقع للقارئ، بل سيقدم له "الحقيقة"، محمولة على فهم الدوافع الشخصية، والعقد النفسية، وطبيعة البشر في عدم الفهم لبعض المواقف، ومتأملا لسلوكيات بشرية مقيتة مثل الأنانية والنرجسية وحب الذات كعوامل يتورط فيها البشر بالضرورة،  لكي يحاولوا فهم الواقع الذي يتعاملون معه.
ولهذا فإن ما يسمى"كذبا" روائيا هو في الحقيقة محاولة فنية لصوغ الحقيقة. رسم الواقع من أجل الحقيقة كما يمكن أن نقول. صياغة ما قد يبدو "حقائق" من أجل الصدق. الصدق الفني والإنساني. أي لتحقيق نقيض الكذب جوهرا ومعنى، على طول الخط. وهذا حتى ما قد يتفوق أحيانا على بعض ما يقترحه المفكر الذي قد تتلون أفكاره بالإيديولوجيا، ولكن الرواية ستأخذ أفكاره الملونة وتنزع عنها ألوانها لتضع للقارئ صورة الايديولوجيا.
تأخذ الرواية الأفكار الفلسفية المجردة وتضع لها هيكلا. كأنها تضع القماش على مجسم بشري، لكي يمكن للقارئ رؤية الفكرة الفلسفية بشكل واضح. تجسدها له. تماما كما تتناول ذاته، أي القارئ، الإنسان، الفرد، وتعريها له لكي يرى حقيقته المختفية خلف أقنعة الواقع المزيف. تضعه أمام المرآه التي قد لا توفرها له آلاف من تفاصيل الواقع وخبرات الحياة اليومية المضللة.
فإذا كان الروائي كاذبا فلماذا تعيش كذباته؟بل لماذا تصبح حقائق؟ وإلا فكيف يحيا راسلينكوف، بطل الجريمة والعقاب لدوستويفسكي، بيننا حتى اليوم بكل أفكاره وأفعاله؟ هل يمكن لأي مصري ألا يصدق في أن سي السيد الذي اخترع شخصيته نجيب محفوظ في الثلاثية لا يعيش بيننا؛ نموذجا  سلوكيا أخلاقيا على الذكورية والتناقض في حياتنا؟ سنرى، فللحديث بقية.