Thursday, June 9, 2016

قوة الرواية 4

تغريدة

قوة الراوية 4

 إبراهيم فرغلي


تظهر قضية الكتابة بالعامية اليوم كأنها اتجاه حداثي يسم بعض النصوص المعاصرة، وهي ظاهرة تأخذ حيزا في كثير من السرديات المصرية، وبينها حتى أعمال الترجمة حيث يحرص المترجم المصري على ترجمة حوارات الثقافات المنقول عنها إلى العامية المصرية. وهي ظاهرة جديدة لها إرهاصات في أعمال تتسم بقلة المستوى الفني في مصر والكويت وربما في المغرب ولبنان كما نقل لي بعض المهتمين.
وبعيدا عن أسباب هذه الظاهرةالتي لا أظنها أسباب فنية في المقام الأول، يهمني بشكل شخصي تأملها من منطلق أنها ردة وليست تحديثا ولا تقدما، وأنها تسهم بشكل أو آخر في خفة النص الأدبي، أي في تخليصه من قوته اللغوية والأدبية.
وهي ردة ايضا من حيث كون أن التجارب الروائية الكلاسيكية التي كانت شديدة التأثر بفن المسرح، الشائع تماما آنذاك، فن الكاتبين الذين مثلا علامة فارقة في بلادهما، وهما شكسبير ومولييير.
 كان المسرح هو النموذج الذي تستلهم منه الرواية الجديدة لغتها، وتركز بالتالي على لغة الحوار وتستفيض فيه، حتى انتبه الروائيون إلى أن قوة النص الروائي واستقلاله ينبغي أن تتحقق من خلال التخلص من هذه التأثيرات، والوعي بأن المسرح قد يكون، في جوهره، فنا يقوم على نقل الواقع، أو المحاكاة، بغية إما التطهير كما يقول أرسطو، والترفيه عن المشاهدين أحيانا، أما الرواية فهي تخلق واقعا فنيا موازيا، وكان عليها أن تبتعد عن مفهوم "الفرجة" المسرحي لكي تمتلك خصوصيتها وتفردها.
كانت الانتقالة المهمة في فن الرواية تتمثل في انتباهها أنها نص فني يزيح لغة الكلام لصالح لغة الأدب، وهو ما نجده ماثلا مثلا في أعمال فلوبير الأولى التي كانت تمتلئ بالحوارات، ثم ثورته على نفسه لاحقا وتأكيده، بعد أن أصبح روائيا كبيرا، أن النص الأدبي ينبغي أن ينحاز للغة السرد والوصف أكثر من استسهال نقل حوارات البشر أو اختراعها من موقعها الاجتماعي المباشر.
واستمرت الرواية في تأكيد قوتها منذ القرن التاسع عشر وصاعدا، بالتأمل الداخلي للنفس البشرية، والبحث عن الدوافع النفسية خلف الكلام، وتفنينه روائيا، وإزاحته لصالح السرد. كان الصمت نفسه قد أصبح مفهوما تجريبيا في المسرح، والصمت هنا لا يعني توقف الممثل عن الكلام بل  حالة من تجميع الرموز يتولى العقل ترتيبها وتجميعها ليتسنى تفسير العالم  المحيط بالإنسان والتعبير عنه من خلال اخراج المعاني الداخلية الدفينة او المختبئة الى حيز الوجود. 

وبالتالي كان على الرواية أن تبحث فيما وراء الصمت، وبهذا ظهرت رواية تيار الوعي، التي حولت الصمت إلى قوة وعي بالتفاعل الداخلي للشخصية الإنسانية.
وهذه الانتقالات في تاريخ السرد الروائي جاءت تأكيدا لإحساس الروائيين بأن الرواية ليست وسيلة تسلية على أي نحو، بل وسيلة وعي بالأساس، وكان عليها أن تحتشد بالمعرفة لتأكيد هذا الدور، وهو ما جعلها تحاول أن تجد دائما لغة ترتفع عن لغة اليومي والعادي، وتخلق لغة أدبية قادرة على استيعاب دورها الجديد، وهذا ما خلق فقه اللغة الروائية التي اتسمت بها أعمال كبار الأدباء والتي تجعلنا نعود إليها باستمرار، مثل أعمال دوستويفسكي، توماس مان، هرمان ميلفل، كاواباتا، جوزيف كونراد،  وسواهم. وللحديث بقية.