Friday, March 4, 2016

ناجي والمسؤولية


تغريدة

ناجي والمسؤولية

إبراهيم فرغلي


 نشرت في "القاهرة" في 1 مارس 2106


يتصور البعض أنني تنبأت باختفاء كتب نجيب محفوظ حين قدمت تصورا أدبيا لهذا الافتراض في روايتي "أبناء الجبلاوي"، ثم فوجئت بما حدث لروايات الرجل من سيناريو شبيه تقريبا.
ثم سألني البعض أسئلة شبيهة تخص توقعات شبيهة في "معبد أنامل الحرير"، بعد أحكام السجن التي طالت كل من فاطمة ناعوت، وإسلام البحيري، وأحمد ناجي.
والحقيقة أنني فيأسوأ كوابيسي لا أستطيع توقع لا هذا السيناريو ولا ذاك. فلا زلت حتى اليوم، رغم كثرة ما مررنا به من تجارب سجن الكتاب أو التنكيل بهم، لا أستطيع أن أصدق خبر سجن كاتب أو حتى الحكم عليه. يظل الخبر في حد ذاته بالنسبة لي كأنه مسألة كابوسية، مكانها الحلم، الخيال، ولكن ليس على أرض الواقع. أتلقى الخبر مصفوعا وغير مصدق تماما كما حدث أيضا عقب معرفتي بخبر سجن ناجي، خصوصا أننا كنا تنفسنا الصعداء قبل فترة بعد حصوله على البراءة في جلسة الحكم الأولى، ولم نعرف باستئناف النيابة إلا بعد صدور حكم السجن.
 وأعتقدأننا قد أتخمنا من إدانة أحكام السجن، التي تتوالى ونحن نقف أمامها عاجزين، مندهشين من التهم التي يتعرض لها النص وكاتبه، نصرخ بإدانة السجان ونبكي على حرية التعبير المغدورة. 
نعرف جميعا أن كل هذه الأحكام تتناقض مع بنود الدستور التي أقسم على الحفاظ عليها رئيس الدولة وأعضاء حكومته، ونواب البرلمان، ونعلم أن الغالبية العظمى من القضاة الذين يصدرون هذه الأحكام يغتنمون فرصة تناقضات وازدواجية التشريعات التي تتناقض بدورها مع الدستور، لكنها مفعلة وبموجبها يمكن الزج بالناس للسجون. وأن هؤلاء القضاء في غالبيتهم يتسمون بالمحافظة، كما نعلم أن كل هذه القضايا التي أدت إلى مصادرة كتب أو منع تدريسها أو ألقت بالكتاب في السجن كان وراءها دوما شخصيات من المجتمع، وبعضهم لا ينتمي حتى للسلطتين الدينية أو السياسية، مثل محمد عباس في قضية وليمة لأعشاب البحر، أو المحامين الذين يتبرعون للوشاية بالنصوص التي يتربصون بها بدعوى أن قلوبهم الضعيفة لم تحتمل ذكر الأشياء بأسمائها، أو حتى بعض الجهلة الذين حاولوا قتل نجيب محفوظ أو الذين قتلوا فرج فودة.
 نعرف كل هذه الوقائع التعيسة، لكننا نكتفي بالشجب والمؤتمرات والتضامن، بينما أعتقد أن هذا الزمن قد انتهى, وأصبح على الجميع أن يجدوا وسيلة عملية فاعلة يثبتوا بها تناقض الأحكام مع بنود حرية التعبير في الدستور لوقف هذه الأحكام فورا. والأمر الثاني تكوين جبهة بالتعاون مع نواب مجلس الشعب من أنصار حرية التعبير ورجال القانون والمجتمع المدني لكي يتبنى أحد النواب تشريعا يقضي بمنع القوانين السالبة للحريات في المجتمع المصري. 
وأظن أن وزير الثقافة المصري أيضا وبصفته أحد المدافعين عن حرية التعبير مطالب بأن يكون طرفا في تبني، أو على الأقل دعم، مثل هذه الجبهة وتيسير السبل لها لكي تحقق هذا الهدف.

دعونا نعترفأننا جميعا نتحمل جزءا من المسؤولية، بالإهمال أو التراخي أو عدم الاصطفاف، أو التحرك المتأخر باستمرار والاعتماد على ردات الفعل بدلا من أن نكون فاعلين، لكي نتحمل جميعا مسؤولياتنا في استعادة حق كل مواطن مصري في ممارسة حرية التعبير بقوة الدستور والقانون.