Friday, February 5, 2016

رغيف ودستور !



تغريدة

رغيف ودستور!

إبراهيم فرغلي

تابعت مبادرة رغيف وكتاب، لمؤسسة بتانة الأهلية، التي دشنت مع فعاليات معرض القاهرة للكتاب هذا العام. أولا لأني من المتحمسين لأي مبادرة "عمل" إيجابية؛ بوصفها جزء من صناعة الأمل الذي تعيش به الحضارات وتنتصر على هزائمها، وتاليا لأن الفكرة وجيهة، بداية من دلالاتها الرمزية في أن يصبح اهتمام الفرد بالكتاب مماثلا لاهتمامه برغيف العيش، مرورا بأنها توفر كتابا بسعر يكاد يكون رمزيا لأفراد ربما لا يكون بينهم من فكر في شراء  كتاب من قبل.

أسعدني أن تلقى المبادرة الإقبال، في مجتمع تشتد فيه اليوم وطأة الظروف الاقتصادية على الجميع، حيث أصبح الغلاء ظاهرة تطبق بخناق البلد، للسلع كافة تقريبا،  فما بالك بالكتاب، الذي يعد رفاهية لكثير من فئات الشعب.

لكن، هل كل من يمتلك بطاقة التموين من الأساس يمتلك مهارة القراءة؟ وللإجابة اطلعت على الإحصاءات الخاصة بنسبة الأمية في مصر. وكما هو متوقع وجدت أرقاما مفزعة، فالإحصاءات الموثقة تشير إلى وجود نحو 17 مليون أمي أبجدية في مصر، وإحصاءات غير رسمية ترفع هذا التقدير إلى ما نسبته نصف عدد السكان، ناهيك عن الأمية الثقافية.
يعني هناك نحو 20 مليون شخص تقريبا،أضف إليهم المتسربين من التعليم، والأميين ثقافيا، لا يصل إليهم شيئا من كل وسائل النشر المطبوعة في مصر. وغالبا يتغذون إما على الإعلام المريض الذي يبث سموم التخلف يوميا، أو على خطب الدعاة المتطرفين الذين يبثون سموم كراهية الآخر، ويغيبون قيمة العلم والعقلانية في خطابات لا حد لها.
عدت إلى الدستور المصري فوجدت المادة 25 تنص على التزام الدولة" بوضع خطة شاملة للقضاء على الأمية الهجائية والرقمية بين المواطنين فى جميع الأعمار، وتلتزم بوضع آليات تنفيذها بمشاركة مؤسسات المجتمع المدنى، وذلك وفق خطة زمنية محددة".
أما المادة 48 فتنص على "الثقافة حق لكل مواطن، تكفله الدولة وتلتزم بدعمه وبإتاحة المواد الثقافية بجميع أنواعها لمختلف فئات الشعب، دون تمييز بسبب القدرة المالية أو الموقع الجغرافي أو غير ذلك. وتولي اهتمامًا خاصًا بالمناطق النائية والفئات".
لكن كيف تكفل الدولة الثقافة لكل مواطن، بينما هناك نحو ثلث السكان تقريبا يفتقدون الأداة الرئيسة الخاصة باستقبال الثقافة ممثلة في القراءة والكتابة؟
ثم إذا كان الدستور المصري يقضي بضرورة إنهاء الأمية في زمن محدد فأين هي هذه الخطط؟ وما هي مؤسسات المجتمع المدني التي ستعاون الدولة في ذلك؟ وكم عاما سنحتاجها للقضاء على الأمية في مصر حقا؟
هذه الأسئلة لا تتعلق بمدى احترام بنود الدستور من الدولة فقط؟ بل هي أسئلة ضرورية لرفع مستوى تأهيل قطاعات كبيرة من المواطنين الذين يمارسون أعمالا في أنشطة الدولة لكن تكلفتها باهظة  بسبب عدم الكفاءة، أو العمل العشوائي في قطاعات النقل الأهلي بعيدا عن رقابة الدولة، أو في أعمال البلطجة والجريمة، وبينهم بعض فئات تستعين بهم الداخلية في عملها الذي أصبح صداعا في رأس الدولة بسبب الممارسات غير المسؤولة والوحشية ايضا في كثير من الأحيان. 
مشروع كتاب ورغيف لمؤسسة بتانة الاهلية مشروع نبيل ومهم، لكنه يحتاج تضافر جهود الدولة ووزارة الثقافة والتعليم لكي يحقق المأمول منه في اسرع وقت ممكن.


 نشرت في جريدة "القاهرة" الثلاثاء 2 فبراير2016