Wednesday, February 17, 2016

طعنة الشعر

تغريدة
طعنة الشعر!

إبراهيم فرغلي

"كتيبة سوداء" أم "يحمل جبلا بين كتفيه"؟ أو لعلنا يمكن أن نصوغ السؤال بطريقة أخرى أيضا: نجيب محفوظ أم أحمد شوقي؟
لكن يجب أن يحذر جيدا من يود الإجابة، ويتريث، فقد تكون الإجابة أخطر مما يتصور أحد.
نعم، فقد تداولت الصحف الغربية، مؤخرا، خبرا غريبا عن جريمة قتل راح ضحيتها رجل روسي في السابعة والستين على يد صديقه، المدرس المتقاعد، إثر نقاش حول أحقية نوعين أدبيين بالتفوق، فبينما ذهب القتيل إلى أحقية السرد أن يجلس على عرش الأدب، لم يحتمل القاتل أن يهوي صديقه بالشعر من أعلى عرش مملكة الأدب فطعنه بسكين وفر هاربا.
معركة أدبية روسية على الشعر والسرد، كأن العالم لم تعد تكفيه الخلافات على الطائفة والعقيدة والمذهب السياسي والإيديولوجيا.
وبهذا أصبح سؤالا مثل: دوستويفسكي أم بودلير؟ مثلا أو الحب في زمن الكوليرا أم الأرض الخراب؟ سؤالا يحتاج للكثير من التفكير قبل الإجابة إذ قد يكون ثمن الإجابة الخطأ طعنة من سكين الشعر، أو رصاصة السرد في الجبهة.
نعم رصاصة في الجبهة كتلك التي تلقاها مواطن روسي آخر في منطقة قريبة، كان سبب إطلاقها تلك المرة الفيلسوف الألماني كانت. رصاصة وسكين قتلا شخصين في بلد يعرف بأن أهله الأكثر قراءة في العالم. فأين الخطأ؟
مرة أخرى الخطأ في السؤال؟ الأفضلية الثنائية المستلبة من ذهنيات القرون الوسطى التي لا تستطيع أن تزن قيمة أي شئ إلا عبر معيار الصواب والخطأ؟ المثالية التي تحتوي في قلبها جوهر الخطيئة التي عرفتها البشرية مبكرا حين لم تكن قيم الحوار والنقاش والاختلاف قد ولدت بعد.
هذه الواقعة المدهشة في الحقيقة تعود لتدق جرس الإنذار، لتؤكد أن الخلاف المذهبي بين العوام ليس هو الخطر الوحيد الذي يتهدد البشرية التي تتقدم نحو حتفها بإصرار بسبب من جنون الاختلافات والصراعات، بل يتهدد حتى العقلانيين الذين يتحزبون لأفكارهم وإيديولوجياتهم ويقينهم فيما يرونه خيرا وعدلا، ولكنهم لن يتورعوا، إذا احتدم الخلاف، عن إقصاء الآخر، بأي وسيلة، قتلا بالرصاص أو حتى بالإقصاء والتجاهل بغية القتل المعنوي، وهو ما نراه جميعا اليوم واضحا وساطعا بجلاء التحزبات القبلية للقيم والأفكار المتنازع حولها والمختلف عليها.
وكما يبدو خبر الصراع على الأدب وأحقية الأنواع الأدبية بسيادة عرشه عبثيا بل وعدميا، لا يعرف المرء حتى كيف يستقبله من فرط جنونه، فإن انقسام النخب اليوم وإن بدا مغلفا بالتعالي الأخلاقي الذي يتسلح به كل فريق، لا تختلف دلالاته عن هذا العبث. إذ يكشف الانغلاق الذهني المغلف بقشور الأفكار النخبوية وامتلاك الحقائق المطلقة، خصوصا ممن يتحركون وفق مبادئ يؤمنون بها بعيدا عن أية مصالح من أي نوع بين فرق المختلفين والمتناحرين.
صحيح أيضًا أن المسارات التاريخية تضع الجميع على منصة الاختبار، وتفرز المدعين في الأدب والنقد والثقافة عن سواهم من أصحاب المواهب، ولكن العقلاء في الجانبين مدعوين لمراجعة ليس أفكارهم، فهذا حق الجميع، وإنما في أخلاق الاختلاف، وفي طرح الموضوعية أساسا لكل اختلاف، واستبعاد الشخصاني عن الموضوعي، وتفريق الإنساني عن السياسي، فكما تكون للمبادئ جذور فإن التعبير عنها له مبادئ أساسها الحوار والدفاع عن حق الاختلاف.

 نشرت في جريدة القاهرة الثلاثاء 17 فبراير 2016