Tuesday, January 5, 2016

طارت رقاب


تغريدة

طارت رقاب!



إبراهيم فرغلي



لا يظنن أحد في المنطقة أن الرقاب التي طارت على يد الدواعش ذبحا قد غابت عن المشهد، فلا أظن أن أرواح ضحايا  القتلة وداعميهم سوف تحلق بعيدا قبل الثأر مما لحق بها من ظلم؛ قتلا وحرقا وسبيا واغتصابا.
طارت الرقاب لكنها تحلق حولنا، كما قد يرى كل ذي بصيرة، ولن تترك أحدا من ذابحيها أو داعميهم، بالسلاح أو الفتوى أو حتى مجرد التضامن إلا بعد أن تحصل على حقها منه، كما تقول وقائع التاريخ.
 لذلك فإعادة حقوق أصحاب الأرواح المزهوقة باسم الطائفة أو الدين أو المذهب، تتحمل مسؤوليتها اليوم المؤسسات الدينية التي تتعامى عما يحدث من تلك العصابات التي تعيث فسادا في الأرض العربية، خصوصا في العراق وسوريا، وما حولهما، وتنتفض لكلمة فكر يقولها رجل حر، يريد أن يعيد للفكر الحر مكانته التي حرصت عليها الدولة الإسلامية في فترات مجدها.
لا يمكن أن نفهم أن دولا في المنطقة العربية، تدعي أنها تحارب الإرهاب بينما أنفقت المليارات لنشر الفكر الجامد والمتخلف، وفرضت الوصاية الفكرية على العالم العربي كله باسم الدين، وجردت أرض الاختلاف والحوار والتعايش من أجل تصحير الوضع الثقافي العربي كاملا من أجل مصالحها، التي يبدو جليا أنها كلها اليوم معرضة للتبدد في ظل ما تشعله من حروب طائفية في المنطقة.
إن صمت أي مثقف اليوم على جرائم إرهاب الثقافة والفكر باسم الدين ليس إلا لونا من التضامن الضمني مع الإرهاب الذي تعلن دولا أنها تحاربه بينما هي تفرخه من جهة أخرى بالأفكار، وتدعمه بالمال والسلاح.
لا يمكن أن يعلن رئيس الجمهورية المصري أنه لا أمل في المستقبل من دون تطوير الخطاب الديني، ثم يباغتنا رجال المؤسسات المفترض أن تتولى هذا التطوير بالدعوة لسجن مفكر أو كاتب مثل إسلام البحيري. وهي في تقديري رسالة مضادة لدعوة الإصلاح، مهما قيل في تبريرها، وهو ما ينطبق على سجن أو الدعوة لإعدام أي شاعر أو مثقف أو كاتب عقابا له على رأيه، ليس في مصر وحدها فقط بل وفي كل دولة عربية أخرى.
لم تعد المنطقة تمتلك رفاهية استحلال دم البشر، باسم الدين أو الفضيلة، بينما ما يتم في الحقيقة هو ذبح مناهج العقلانية والتفكير الحر، ودعم الأفكار التي تغذي الجمود العقلي وتقتل التعايش وتذكي نار الطائفية.
لا يود البعض تصديق وجود مؤامرة غربية لتقسيم المنطقة، وهذا شأن من يتعامى عما يحدث في العراق وسوريا وليبيا واليمن، لكن دماء الناس هناك ليست مياه، وأرواحهم ليست لعبة في أيدي مراهقي الثورات الذين لا يميزون بين الفعل الثوري وبين السياسة، ولا يدركون من الاثنين إلا لماما. وبالتالي لا يقدرون حقيقة المخاطر التي تحيط بالمنطقة العربية كاملة بسبب أنانيتهم، بدلا من مراجعة أسباب فشلهم، وتنسيق جهدهم لدعم عمل مدني حزبي يحقق الديمقراطية المطالبين بها. ولذلك ايضا على الدولة أن تراجع ملفات الموقوفين في قضايا الرأي.
نار الطائفية التي يشعلها البعض اليوم عن سوء تقدير أو عن قصد تحتاج إلى تضافر جهود المثقفين لفضح هذه الأفعال وإدانتها لأن الثمن أكبر من قدرة أي طرف على احتماله.





نشرت في القاهرة الثلاثاء 5 يناير 2016