Saturday, November 7, 2015

الكسالى الرائعون


تغريدة
الكسالى الرائعون



إبراهيم فرغلي

انشغلت فئات من المحسوبين على النخبة، تضامنا مع الشارع المدعو "ثوري"، بتبرير الكسل السياسي الذي تعاني منه، بالتباهي بالدعوة لمقاطعة الانتخابات النيابية، بالمبررات المعروفة سلفا منذ أكثر من ثلاثة عقود: هذه تمثيلية، الانتخابات لا تعنيني، لا أعرف من سأنتخب، لا يوجد من يمثلني. إلى آخر الحجج والتبريرات المعروفة.
 وبعيدا عن أن هذه الدعوة، بكل ما تتضمنه من إحساس مرير بالعجز، والوقوع في أسر الإحباطات الكبيرة التي سببتها الفجوة الرهيبة بين الأحلام وبين ما وصل إليه الحال، فإن ما يدعو للأسى هنا أن هذا الثوري النقي المثالي يختار الحل الأسهل في الحقيقة، كأنه يصر على ارتكاب الخطايا السياسية والمزيد منها بلا توقف، بدلا من مواجهة الذات، وإعادة تأمل التجارب السياسية الناجحة في تاريخ العالم وتاريخ الثورات.
وهكذا تبدو هذه النخبة الثورية النقية الداعية للكسل الانتخابي أو المقاطعة أو "الاحتقار"، تخيلوا أن أحد "المناضلين" دعا لفعل "احتقار" الانتخابات البرلمانية في سابقة من سوابق اللافعل الثوري التي أظنها ستسجل في موسوعة جينيس يوما.
أقول أن هذه النخبة تبدو وهي تسبح في بركة من سراب اللغو واللافعل، متعامية عن جمهور عريض يرى أن الواقع والحقائق على الأرض تقتضي من كل منهم أن يمارس دوره، وأن يشارك بصوته فيما يراه صوابا، أو يحقق به أمله في المستقبل حتى لو بدا له اليوم بعيدا.
تتعامى النخبة عن آمال الجماهير لا مبالية بالحق الذي انتزع بفضل الحراك الثوري ممثلا في اكتساب الوعي بالحق في التصويت في الانتخابات، وباستبعاد فكرة تزوير الانتخابات أيضا. ناهيك عن أن هذه الدعوات تلقى هوى في نفس الفصيل الذي لا يتورع عن تفجير مصر وترويع أهلها؛ ممثلا في الإخوان وأنصارهم، وهذا شأن آخر لا يوليه الثوري النقي أي أهمية، تماما كما هو شأنه مع مشكلات الناس الحقيقية ومعاناتهم، والتي يستخدمها الجميع اليوم لكي يبيع قضيته لمكاسب خاصة أو يقنع بها ذاته على أسوأ التقديرات.  
لا تتحقق الأماني في يوم وليلة، تعرف ذلك السلطة، والنخبة والجماهير رغم آمالهم العريضة، ولا يمكن أن يتحقق تغيير من دون علم للتخطيط، وجهد للتنفيذ، مع صدق النوايا.
قلة كفاءة؟ طبعا، فلا يمكن أن تنتج منظومة التعليم البائسة لدينا إلا أشباه المتعلمين، وهؤلاء، كل في موقعه، إلا من رحم ربي وقدّر نفسه حق قدرها، يواري فشله بالمؤامرات أو التفرغ لتتبع نقائص من حوله لإخفاء عوراته. وقس على ذلك منظومة كاملة.
لا تتحقق الديمقراطية بالأمنيات، ولا بالمقاطعات، ولا الاحتقار، فهذا عمل العاطلين والفشلة، ولا يمكن أن تقوم دولة بعد ثورة وتنهض إذا لم تقدم القوى الوطنية، نماذج وكيانات حقيقية في الشارع، تؤمن بالشعب فعلا وحقه في "الوعي" و"النهضة"، وتكتسب شرعيتها تدريجيا من ثقة الناس وشعبيتهم، أيا كانت المعيقات. وعدا ذلك فالصمت سيكون أجدى كثيرا، فأضعف الإيمان ألا تتسبب مثل هذه المقولات المحبطة في إرباك أو إضعاف عزيمة الكثير من الواقعيين، الذين يؤمنون بكل مبادئ الثورة حقا وصدقا، لكنهم يعرفون أن الأحلام تسكن أعلى قمم لا يصل لها إلا المخلصين، لا يرون الصعاب ولا ييأسون لأن أعينهم على الحلم وفقط.

نشرت في القاهرة في 3 نوفمبر