Wednesday, November 4, 2015

متاحف الشائعات


تغريدة

متاحف الشائعات!


إبراهيم فرغلي




تصلح قصة الشائعات التي أطلقت حول الكاتبة الفلسطينية اللبنانية الراحلة؛ مي زيادة (1886-1941)، على امتداد الأسبوع الماضي أن تعبر عن الكثير مما يجري حولنا اليوم، فقد أطلق محرر صحفي كذبة صحفية، تقول أن منزلها ومحتوياته سيعرض للبيع في مزاد علني، وأن بين المحتويات رسائل الأديبة الراحلة إلى ومن كبار المثقفين المصريين والعرب. وتنقلت الكذبة كيقين، بين المثقفين على وسائل التواصل الاجتماعي، وسرعان ما انطلقت نداءات لعمل حملة تضامن، لوقف البيع، من قبل بعض كبار المثقفين، ووازاها على أرض الواقع، أيضا، مسيرات لعدد من الصحفيين الذين انطلقوا للعنوان المذكور للتحري عن الأمر، حتى تبين للجميع أن الخبر ليس سوى شائعة سخيفة أطلقها صحفي أراد الاحتفال بذكرى الأديبة الراحلة على طريقته الخاصة.

هذه واقعة جديدة تدلل على المستوى الذي وصلت إليه الصحافة في مصر، والتي أصبحت تقوم على إطلاق الشائعات، ولم تعد مقصورة على كاتبة راحلة، أو مثقف معاصر، بل تمتد إلى الدولة والفساد، والاقتصاد، والفن والسياسة، مما يجعل كل خبر وأي خبر أو معلومة قابلة للتصديق كأنها يقين، وأن تكذب، في الوقت نفسه كأنها كذبة العام. لكن الفارق في تناول نفس الكذبة أن الفرق المتناحرة سوف تستخدم الشائعة وفق هواها، وميولها العاطفية السياسية. وحتى بعد أن تتبين حقيقة الشائعات لا يعود أحد عن رأيه لأنه في الحقيقة يستخدمها، لهوى في نفسه،وليس اهتماما بالحقيقة ولا بأهمية البحث عنها.
والأهم ألا تكون وزارة الثقافة عرضة لشائعات كهذه، وأن يكون هذا الخبر دافع قوي للوزراة لعمل خطة متكاملة لرصد منازل ومكتبات وتراث أبرز الكتاب والمثقفين والفنانين والمفكرين المصريين، وعمل متحف ضخم لنقل تراث من لا يمكن تحويل منزل ورثته إلى متحف شخصي.
لماذا لا تتبنى الوزارة مشروعا لتخصيص أرض لمتحف كهذا؟ يضم أقساما يجد من يزورها مقتنيات ومخطوطات وكتب وصور وأقلام كتّاب وعلماء مثل عباس العقاد، أحمد شوقي، جمال حمدان، توفيق الحكيم، يحي حقي، مصطفى مشرفة، زكي نجيب محمود، طه حسين يوسف إدريس، نجيب محفوظـ، جمال الغيطاني، محمد البساطي، يحي الطاهر عبدالله، صلاح جاهين، الأبنودي، ألفرد فرج وسواهم من رموز الثقافة المصرية. وأن يكون ذلك، جنبا إلى جنب مع متاحف شخصية وليكن أولها المتحف المنشود لأديب نوبل نجيب محفوظ بسبب شهرته العالمية وقيمته الكبيرة لدى الجمهور والكتاب في مصر والعالم العربي.
لا أحتاج إلى توضيح لما مثل هذه المتاحف من أهمية في الدول التي ترعى تراثها الحضاري ممثلا في منازل- متاحف الفلاسفة والأدباء وأهل الفكر والفن، وتأكيد قوتها الحضارية، بالإضافة إلى الدلالة الرمزية التي يمكن أن تقدمها متاحف كهذه لأجيال جديدة لا تمتلك نماذج تقتدي بها إلا ما يقدم على الشاشات من ابتذال محض في المجالات كافة. كما أن أحدا، وقد تمت صيانة تراث هؤلاء الأدباء، لايمكن له آنئذ على إطلاق الشائعات التي تجد، بسبب الإهمال المتراكم، إقبالا كنار الهشيم. 
وربما في وقت آخر حين نصل لرفاهية لا وقت لها الآن وهنا، يمكننا أن نجمع ما يحيط بنا اليوم من توافه الشائعات وصغائر الأفعال لتوضع في متحف افتراضي يليق بها وقد نسميه متحف الشائعات أو التفاهة!


نشرت في جريدة القاهرة في 29 أكتوبر 2015