Sunday, December 7, 2014

اتفرج - مقالات - مرايا 'صندوق الهوية'

اتفرج - مقالات - مرايا 'صندوق الهوية'


مرايا "صندوق الهوية"

كثيرا ما أستعيد سؤالا كنت أوجهه لصديقة ثقافتها تقليدية ممن ورثن أفكارا مريضة عن الاختلاف المزعوم بين المسلمين والمسيحيين، كنت أسألها طيب تخيلي أن شخصين يتقدمان للزواج منك أحدهما باكستاني أو هندي، لن أقول من دولة عربية، مسلم، والآخر مصري مسيحي، فمن تتصورين أن يكون الأكثر قبولا بالنسبة لك؟ وكانت تتأمل السؤال للحظات، ثم تبتسم وتقول: تصدق عندك حق، لكن هذه الابتسامة هي أقصى ما يمكنها أن تمنحه لمثل هذا السؤال، مفضلة العودة لصندوق الهوية الذي نشأت فيه وأسهمت الثقافة التقليدية التي نعيش في إسارها في تغذية المفاهيم الخاصة بمكونات هذا الصندوق الأحادية. 
تقوم الثقافة التقليدية على تغذية إيهام الأشخاص أن صندوق هويتهم له مكون واحد هو الهوية الطائفية أو المذهبية، وتقصي كافة المكونات الأخرى والتي تتضمن التراث الثقافي والحضاري بكل تفاصيله الخصبة من فكر وفن وعادات شعبية ومخزون من الإرث الحضاري المتراكم.
هذا الوهم في الواقع ليس له سوى نتيجة واحدة وهي أن ينشأ الفرد وهو يكره الآخر وكل من يختلف عنه، وهذه الكراهية للآخر قد تأخذ شكل النبذ أو التعالي على الآخر وقد تأخذ أشكالا عنيفة أخرى هي النتاج الطبيعي لتراث طويل من إقصاء الآخر تبرر القتل والإجرام باسم الهوية.
والنتيجة كما شاهدنا في العقود الماضية توترات وحروب أهلية في عدد من دول العالم، وانفجار فتنة ثنائيات : مسيحي- مسلم، شيعي- سني، بكل أطيافها من دون أن ينتبه أحد إلى المفارقة المفزعة في أن الخلاف بين المسلم والمسيحي (وهو وهم تم اختراعه لأسباب سياسية ليس هنا مجال رصدها)، لا يقل بأي درجة في قوته عن طبيعة الاختلاف التي يتصورها أي من طرفي الخلاف السني الشيعي المتطرفين.
لا يدرك طرفا الخلاف في كل هذه الثنائيات المصنوعة داخل صندوق الهوية الأحادي المزيف، أن الإنسان في كل مكان لا يختلف عن غيره، وأن الدم الذي يجري في عروق البشر واحد، وأن كل شعوب العالم لا تختلف على معنى الحق والعدل والخير، فمن أين يأتي الاختلاف؟

إنه صنيعة السياسة، والجماعات السياسية التي تتمحك في الأديان وتعمل على تلميع صندوق الهوية المزيف بكل ما هو لامع وبرَّاق لتخفي زيف الصندوق، وبينما تطور صناع الصناديق المزيفة من جماعات مثل الإخوان المسلمين إلى التكفير والهجرة ، ومن الجماعة الإسلامية إلى القاعدة، ومن النصرة إلى داعش فقد تطور مع تاريخهم حتى أصبح اليوم على يد داعش نوعا من الفجر في الخصام والوحشية التي أتأملها فأدرك كيف نجح صندوق الهوية الوحيد في عودة البشرية إلى المربع الأول: مربع البدائية والوحشية، ما قبل الأديان، ما قبل الإنسانية.