Thursday, November 27, 2014

بين محفوظ، سارتر ودوستويفسكي

ثلاثي المعمار والحداثة والبناء المعرفي
إبراهيم فرغلي 


أظن أن قراءاتي المبكرة للأعمال الغربية المترجمة أنارت لي دربًا قادني للتعرف على مناخ الستينات الثقافي في فرنسا، باعتباره مجالا حيويًا للنقاش والتفكير والعصف الذهني، ومحرّضًا على التعلق بصورة نموذجية للكاتب، من طراز جان بول سارتر وألبير كامو؛ باعتبارهما من أبرز الكتاب «النجوم» في ذلك العصر. تتبعت مع عبثية رواية «الغريب» لألبير كامو سيرة سارتر، وقرأت له كتابه عن الوجودية مبكرا، ثم وقعت تحت يدي مجموعته القصصية الشهيرة: «الجدار»، فكانت بمثابة فتح أدبي. كنت آنذاك قد تعرفت وصرت شغوفًا بنجيب محفوظ، ثم بطه حسين صاحب النصوص الفصيحة فصاحة موسيقية مبهرة حتى لو كان ما يكتبه فكرًا وليس نصًّا أدبيا، وطبعا بأعمال توفيق الحكيم ويحيى حقي بتنوعها ولغتها السهلة الممتنعة، وفي مستوى تال ببعض كتابات عبد الحميد جودة السحار وإحسان عبد القدوس والسباعي، وسرعان ما شعرت أن محفوظ هو «العمدة» الكبير بالنسبة لي، والمهندس البارع لمسارات الشخصيات ومصائرها. فقررت أن أقرأ له كل أعماله. وأظن أن لغته وعوالمه لهما تأثير كبير على مفهومي عن الأدب والكتابة، بينما ظل تأثير سارتر ماثلا وكامنا ومتربصا في خلفية وعيي الأدبي، باعتبار كتاباته لطشة الحداثة أسلوبا، ونموذجا لقدرة الكتابة على الغوص عميقًا في داخل الذهنية النفسية والسيكولوجية من حيث المضمون. والأهم أنها كانت مفتاح الوعي بذلك الطابع الفردي للشخصية الأوروبية، وتأثير ذلك على الكتابة والكُتّاب، عبر مضمون نصوص تختبر وترسم صورًا متباينة للقلق الوجودي الفردي، وتتجول في ذهنية مركّبة تطل عليها الكتابة لتتأمل تفاصيلها الدقيقة بما فيها المساحة الرحبة المتحررة الخاصة بالجسد والجنس. حين قرأت رواية «السراب» لمحفوظ، وهي روايته السيكولوجية التي تعد من بين نصوصه المبكرة القليلة التي استخدم فيها ضمير المتكلم بدلا من ضمير الغائب الشائع في أعماله، كنت أتلمس تأثير المنهج الوجودي وتأثيرات الرواية السيكولوجية الأوروبية عموما. بالطبع لم تكن المقارنة في صالح محفوظ. لأن العوالم التي اختارها سارتر، وغيره طبعًا من كُتّاب فرنسا وأوروبا الكبار، للتعبير عنها أدبيًا كانت لافتة من حيث الفكرة ومن حيث المقدرة الأدبية غير التقليدية في صياغتها، من جهة، ولأن نص محفوظ، من جهة أخرى، افتقد تلك الروح الفردية الوجودية التي أصبحت لاحقا ملمحًا لكتابة جيل كامل من الكتّاب في مصر هو جيل التسعينات ولاحقيه. رغم أن نص «السراب» كان يتتبع التأثير السيكولوجي لعُقدة «أوديب» على نفسية شاب عُصابي يصارع مآزق حياته الوجودية وأسئلته عبر علاقته المركبة بأمه.
أما حين سلّمني محفوظ وسارتر إلى يد دوستويفسكي، أدركت فورًا، أنني بلغت القمة، جالسا على كتف عملاق في فن السرد الأدبي، وربما كان ذلك بعد قراءة «المراهق والأبله»، ومع الوصول إلى «الإخوة كرامازوف» تبينت أن هناك ما يمكن أن نصفه بـ«كتابة وحشية». موهبة بلا حدود وإمكانات ذهنية ومعرفية مبهرة. أدركت معها أن الكتابة ينبغي أن يكون خلفها أيضا بناء معرفي وثقافي متين؛ موظف فقط من أجل «فخامة المبنى الروائي».
من المستحيل قطعا أن يكون أيّاً من ثلاثي (محفوظ، سارتر، دوستويفسكي) فقط أصحاب التأثير الأوحد على كتابتي، لكن تجاربهم جسّدت المركز الذي تفرعت منه حلقات عدة. فبينما قادني محفوظ إلى كتابات نوابغ العرب، قادني سارتر إلى نوابغ الأدب الغربي، وبينما اعتلي دوستويفسكي القمة، كانت نصوصه محرضة للبحث عن الأصوات الاستثنائية في الأدب الروسي والعالمي. إنها رحلة طويلة وممتدة ولا تزال، بلغت اليوم ذروتها في نموذجي الكتاب الأكثر تأثيرا علي الآن وهنا، ممثلين في كل من ساراماجو وبول أوستر بامتياز.