Tuesday, November 11, 2014

الحدود الكينية - الأوغندية.. فاصل بين الكابوس والحلم!


سافاري النجمة السوداء (3- 5)
الحدود الكينية - الأوغندية.. فاصل بين الكابوس والحلم!


ابراهيم فرغلي




    عندما قرر الكاتب الأمريكي بول ثيروكس أن يقوم برحلته الطويلة على امتداد دول شرق القارة الأفريقية من القاهرة إلى «كيب تاون» كانت روح المغامرة التي يتحلى بها إحدى دوافعه لهذا القرار. وربما لهذا كان قد توقع الكثير من المخاطر والمشاق التي يمكن ان يتعرض لها خلال رحلة كهذه. ولعل أول ما لاح في الأفق منها بدأ مع أول الرحلة من أثيوبيا إلى كينيا، وهي المشاق والمخاطر التي عرضنا لها في الحلقة السابقة في سياق عرضنا لكتاب «سافاري النجمة السوداء» الذي يتضمن تفاصيل الرحلة المثيرة التي قام بها الكاتب والرحالة الأمريكي بول ثيروكس والذي رشح لجائزة «توماس كوك» لأدب الرحلات في عام 2003، والحقيقة أن التفاصيل التي تناولناها عن هذه الرحلة سواء بصحبة بعض من تطوعوا لنقله عبر المناطق الجنوبية لأثيوبيا أو في الحافلة المختصة بنقل الماشية والركاب عبر الحدود بين أثيوبيا وكينيا، ووعورة الطريق وقطاع الطرق، وجلافة معاملة الجنود على نقاط التفتيش كلها يمكن أن تكون معا صورة عن طبيعة الوضع العام في المحطة التالية «كينيا». فالظروف .. بالغة السوء، من المجاعة إلى القحط ، تبدو جلية على المشاهد الأولى التي شاهدها ثيروكس قرب «نيروبي» للأطفال الذين تقافزوا على السيارة للحصول على أي شيء.. ومنذ بلوغه مدينة «ناني يوكو» قرب «نيروبي» كانت التحذيرات قد بدأت تشنف أذنه عن المخاطر المحتملة.. السرقة والقتل، السيدات يتعرضن للقتل واقتلاع الأعين! .. الخروج ليلا يعرضك للسرقة بلاشك وأما في النهار فليس هذا مستبعدا أيضا.


ولكنه حاول أن يتمتع بوقته قبل الوصول إلى نيروبي في أجواء «ناني يوكو» التي تتمتع بوفرة الخضرة، وبرودة الجو نسبيا ، بينما يتأمل ظلال جبال كينيا التي يصل ارتفاعها إلى 17 ألف قدم في الجوار، ولكنه سمع من أحد الأشخاص أن هذه الجبال تسكنها الأرواح ولهذا يخشى الناس منها ويذهبون إليها للصلاة.

وكانت آخر مرحلة للوصول إلى نيروبي قد قطعها ثيروكس مستقلا سيارة أجرة فرنسية الصنع «بيجو» تتسع لخمسة أشخاص، لكنه وجد نفسه محشورا بين ثمانية آخرين على طول الطريق إلى نيروبي ولمدة ساعتين. غير أن ما خفف من وطأة الرحلة أنه استمتع بصحبة شخص يدعى كمالي كان يحمل في حقيبته كتابا عن الأسود أهداه له مؤلفه.

يقول ثيروكس إن كينيا وضعت على الخريطة بفضل الصيادين وبفضل الناس الذين كتبوا عن الصيد بشكل من الأشكال. وبينهم الكاتب الأمريكي الشهير «هيمنجواي» الذي كتب واحدا من كتبه حول رحلة سافاري لصيد الأسود في كينيا.

في نيروبي كانت مشاهد الأطفال العراة الملوثين بقذاراتهم أول ما لاحظه ثيروكس، تلاها مشهد آخر لرجل أسود عار تماما يركض دون أن يعبأ بإخفاء سوأتيه، بينما يطارده مجموعة من الرجال وهم يضحكون، ويمسكون بالعصيان يهددونه بها. وعرف ثيروكس أنهم لن يتركوه إلا قتيلا .. أما السبب فلم يعرفه أحد!

ويصف الكاتب نيروبي - كما احتفظ بها خياله وقرأ عنها- بكونها مدينة أشبه بسوق مكون من محلات من طابق واحد لها شرفات ملحوظة وبالمدينة كلها شارعان رئيسيان يصل إليهما المزارعون ليبيعوا ما حصدوه من القهوة والشاي.

وبسبب تلوث المياه وامتلائها بالبلهارسيا فإن «مومباسا» المدينة الواقعة على ساحل البحر كانت المكان الوحيد الذي يمكن السباحة فيه.


وفي الاتجاه المعاكس كانت القطارات تتوجه إلى «كمبالا». وكانت الأراضي مقسمة بين الأفارقة والهنود. كان الهنود هم ملاك المحلات والمتاجر أثناء الاستعمار الإنجليزي، وكان الأفارقة هم المزارعون ولم يكن هناك سوى قلة من السياح الذين يزورون المكان في وجل.

بعد الاستقلال تغير الوضع قليلا فقد احتلت صورة جومو كينياتا - الرئيس الجديد - مكان صورة الملكة اليزابيث التي كانت معلقة في كل مكان وخاصة المحال التجارية. بنيت بعض المدارس ، وأعيد تسمية بعض الشوارع لكن الأثرياء من أهل البلد كانوا ديكتاتورات لم يمولوا إلا بعض المدارس القليلة التي قدر لها النجاح. وحصلت الدولة على أموال طائلة كمساعدات أجنبية انتهت أغلبها في جيوب الساسة.. وبعضهم ممن تعرضوا للاغتيال في مراحل لاحقة.

وكان انطباعه عندما زارها مرة في الستينات هي أنها أخذت طابعا إنجليزيا - ولو بدا فقيرا - في المباني وغيره.

Nairobi..
the copy rights are for
http://hottrip.net/
http://hottrip.net/nairobi-city-of-cold-water-which-was-founded-by-construction-workers

لكن الاستقلال لم يحدث ثورة حقيقية في كينيا كما يقول ثيروكس . فلم تتغير عن السابق على أي نحو .. لكنها فقط أخذت طابع تحديث ظاهري أو مزيف.. ولم يعد فيها سوى الشحاذين والفقراء والعاطلين والكسالى، وحتى زيادة المدارس كانت بلا جدوى لأنها مدارس من الدرجة الأدنى.. فقد كانت الثروة تتركز في أيدي قلة قليلة من رجال المال والسياسة.



-----------------------------------------------------------------------------------------------
كينيا وضعت على الخريطة بفضل الصيادين وبفضل الناس الذين كتبوا عن الصيد بشكل من الأشكال. وبينهم الكاتب الأمريكي الشهير «هيمنجواي» الذي كتب واحدا من كتبه حول رحلة سافاري لصيد الأسود في كينيا.





-----------------------------------------------------------------------------------------------



وعندما توفي جوموكينياتا عام 1978 تولى بعده دانيل موا، وكانت الكلمة «موا» بالفرنسية تعني ملكي - لهذا كانت هناك نكتة شائعة يرددها أهل كينيا آنذاك ترجمتها أن «الدولة ملكي» !

عندما وصل التاكسي إلى نيروبي كان ثيروكس يقارن المدينة كما شاهدها منذ 40 عاما، وما أصبحت عليه، واكتشف أن الناس مازالوا كما هم بينما المدينة أصبحت أكثر اتساعا وقبحا.

ويصف الحي الذي وصل إليه بأنه أكثر الأحياء خطورة وفقا لما سمعه من تحذيرات، ويصفه بأنه يبدو - مثل الكثير من مدن أفريقية أخرى - كأحد ضواحي لندن كما صورها تشارلز ديكنز في نهاية القرن التاسع عشر.

كان ثيروكس قد قرر أن يجلس طوال المساء والليل في الفندق، بسبب خطورة الوضع. فقد التقى أحد الرجال الذي أوضح له أن ابنه وعمره 16 عاما لا يخرج من المنزل أبدا ولذلك فهو لا يعرف كيف يتعامل، أو يشتري شيئا من أحد.. وأنه يشعر كأنه معتقل..

وهو نفس ما أكده له شخص هندي آخر يعيش في نيروبي ويدير أحد المطاعم ، فهو يشعر بالوحدة والعزلة، وأهله يعيشون في الهند، ولا يريدون أن يحضروا إلى نيروبي لأنهم سيعيشون داخل البيت وكأنهم في سجن.


this image for Kinya related to this blog:
http://nuningtravelblog.blogspot.com/



وتحظى كينيا بسمعة سيئة لدى الأجانب، إذ لا يفضل أي منهم الحضور إليها حتى لو اضطروا، ولو فعلوا ، فإنهم يقضون مهامهم بسرعة ويرحلون.

وبالرغم من أن كينيا تشهد كل أنواع الصيد غير القانونية للحيوانات.. كسلخ الأسود والنمور والحصول على العاج من الأفيال، مازالت بعض حدائقها العامة تضم عددا لا بأس به من الحيوانات.

ويلتقي ثيروكس بأحد الصحفيين الذي يعمل في صحيفة «الأمة» ويعرف منه أنه تعرض للاعتقال لمدة عام ونصف بتهمة الاشتراك في تنظيم سري مناهض للحكم . وأنه أجبر على الاعتراف، رغم أنه لا ينتمي لأي حزب سياسي أو يمارس نشاطا من أي نوع تحت ضغط التعذيب، والضرب، وتركه في زنزانة ممتلئة بالمياه لأكثر من أسبوع.. واضطر لأن يعترف بما لم يفعله لينقذ نفسه من التعذيب.. وحكمت المحكمة عليه بالسجن لعام ونصف.. وكان سعيدا بالحكم لأنه تخلص من التعذيب!! وهي واحدة من إشارات عديدة لصور الفساد والاستبداد الذي تعاني منه كينيا.. بينما يعاني أهلها أيضا من الفقر والجوع الذي حولهم إلى مجموعة من المتشردين واللصوص المحترفين وقطاع الطرق.. وهي واحدة من الصور القاسية لبلد أفريقي.. لكن هذا البؤس - على ما يبدو - تسبب في انعاش صناعة الأخشاب وخاصة الأكفان التي لاحظها ثيروكس على امتداد الطريق من كينيا إلى محطته التالية: أوغندا!

لكن المشهد، ومنذ حدود أوغندا يختلف تماما، ويحمل جمالياته الخاصة التي تبدأ من أوراق البردى التى تتكاثف على امتداد الطريق بموازاة شاطئ بحيرة تبدأ مع بدء حدود أوغندا.

ويوضح أنه لم يشاهد أوراق - أو بالأحرى - نباتات البردى هذه في أي بقعة أخرى في كينيا أو غيرها. ولا حتى قريبا من بحيرة «فيكتوريا»، وهي بالنسبة إليه بدت وكأنها دليل دامغ على أن أوغندا هي المنبع الأساسي لنهر النيل، ويقول إنه في مصر، حيث لم تعد أوراق البردى موجودة ، شاهد الكثير منها مرسوما على جدران المعابد الفرعونية وخاصة في معبد الكرنك.

وكان ما يثير المتعة بالنسبة له اكتشاف أو رؤية أي شيء يربط مصر بقلب أفريقيا: أوراق البردى، زهور اللوتس، الأسود والأفيال، بعض صور العبيد، بل وحتى مشهد صفحة مياه النيل نفسها.

كان قد وصل إلى أوغندا بحافلة تعرف باسم «حافلة الدجاج»! وهو الاسم الذي يطلقه أهل المنطقة على حافلة تتحرك من كينيا إلى أوغندا .. وهي تمتلئ بكل أصناف البشر وهم يحملون كل ما يمتلكونه من أمتعة وبينها أعداد الدجاج التي يمتلكونها .

ولم تختلف مشاهد نقطة التفتيش على الحدود وحشود الشحاذين الذين طاردوه لدى وصوله إلى أوغندا عن غيرها من المشاهد في ربوع أفريقيا.

------------------------------------------------
وصل إلى أوغندا بحافلة تعرف باسم «حافلة الدجاج»! وهو الاسم الذي يطلقه أهل المنطقة على حافلة تتحرك من كينيا إلى أوغندا .. وهي تمتلئ بكل أصناف البشر وهم يحملون كل ما يمتلكونه من أمتعة وبينها أعداد الدجاج التي يمتلكونها.
http://www.weirdafrica.com/2014_03_01_archive.html








-----------------------------------------

لكنه من الوهلة الأولى يلاحظ أن أوغندا بلد تسيطر عليه حكومة أفضل من الموجودة في كينيا، كما أن البلد تبدو خضراء ، خصبة، ثرية بالغابات والأشجار، وحقول الأرز وأشجار الموز بكل أنواعها - يقال ان أنواع الموز في أوغندا تصل إلى 60 نوعا مختلفا ـ وحتى الطرق بدت أكثر نظاما وجودة، وكذلك مباني البيوت القديمة والجديدة على السواء.

ولأن ثيروكس كان قد قضى فترة من حياته في أوغندا، فقد يتضمن وصفه للمكان نوعا للمقارنة مما كان عليه في الماضي وما أصبح عليه في الوقت الراهن، بالإضافة إلى نوع من الحنين الذي سيطر حتى على أسلوب كتابته في هذا الفصل الخاص برحلته إلى أوغندا. فهو يلاحظ على سبيل المثال أن زراعة قصب السكر مازالت منتعشة ، كما كان الأمر في الماضي، خاصة في الولايات التي كان الهنود يمتلكون أراضي فيها. وهو ما ساهم في توفير السكر بأسعار مدهشة في أرجاء كثيرة من العالم. ويوضح أن الفلاحين في أفريقيا، رغم انتاجهم الوفير في محصولات زراعية كثيرة مثل القهوة والسكر والشاي والقطن والتبغ ، لا يدخرون منها الكثير.

لكن الإحساس الحقيقي بالحنين لدى ثيروكس سيبدأ بعد الظهر عندما مرت الحافلة التي يستقلها عبر مدينة جينيا حيث تفيض «شلالات أوين» القادمة من بحيرة فيكتوريا لتصل إلى «بحيرة كيوجا» ثم تتقدم لتكون شلالات أخرى هي «شلالات مورشيسون» ثم بحيرة ألبرت.

وقد تتبع مسار المياه الكثيرون من المستكشفين والرحالة ومنهم ريتشارد برتون، ليتحققوا من المنابع الأولى لنهر النيل، والتي ثبت لاحقا أنها تبدأ من أوغندا بالفعل.

«هذه الطبيعة الأليفة أعطتني إحساسا قويا كأنني عدت إلى بيتي، أمدتني بنوع من الحنين. مازلت أقوم بالترحال في الولاية راضيا، حذرا، كالعادة، ولكن مع الإحساس بالأمان الذي يثيره وجود الأهل».

«كنت مغتبطا أيضا لوجودي هنا لأنه كان بمثابة العودة إلى أيام الشباب الأولى. كنت هنا في أوغندا للمرة الأخيرة، منذ ثلاثة وثلاثين عاما، وكنت سعيدا تماما آنذاك».

ويتذكر ثيروكس تلك الأوقات حينما كان يحب امرأة بادلته الحب، ثم قررا الزواج، وفي تلك الأثناء نشر أول كتبه. وكان يشعر بتقدير من حوله له وكان أكثر ما يسعده أنه عاش حياة اختارها بملء إرادته. كما يتذكر كيف أنه كان دائما يبدو اصغر من عمره الحقيقي، وفي أفريقيا كان ذلك الانطباع يبدو أقوى، ويقول موضحا إن متوسط العمر في أفريقيا قصير بدرجة ملحوظة، لهذا يبدو الرجل في الخمسين وكأنه كهل عجوز، ويضيف إنه لذلك لم يحظ سكان أفريقيا بحياة تؤهلهم من التأكد من تحقق إنجاز ما أو تغير كبير. ويشير إلى أن حياة جيلين في أوروبا تماثل أو تساوي حياة ثلاثة أجيال في أفريقيا. ولهذا سيطر عليه الإحساس بأن أفريقيا التي عرفها - الأشخاص والمكان - قد اختفت وأصبحت ماضيا لا وجود له. وأول ما اختبره في هذا الصدد في مدينة «جينجا» انها كانت في الماضي ممتلئة بالهنود في كل مكان، وكانت أغلب المحال التجارية مملوكة لهم ومكدسة بالثياب وأدوات المطبخ والمأكولات والحلوى الهندية بأنواعها. أما الآن فلم يعد لهم وجود من أي نوع ولا محلات حلوى.

ويلاحظ ثيروكس شابا وفتاة أمريكيين بدا عليهما التوتر يرتدي كل منهما «شورت» قصير و«تي شيرت» ويضع كل منهما قبعة واسعة على رأسه وقد وضعا كريما ضد الشمس على وجهيهما.. تقدم الشاب باتجاهه وسأله:

ألا ترى أنه من الأفضل لنا أن نظل هنا حتى تهدأ الأمور في كمبالا قليلا؟

«إذن سوف تظل هنا في جينجا لسنوات، فالأمور لم تهدأ في كمبالا منذ عام 1962 ، اصعد إلى الحافلة وستكون بخير». لكنهما رفضا الصعود إلى الحافلة وقررا البقاء في «جينجا» ويعلق ثيروكس قائلا .. «ولعلهما مازالا هناك حتى هذه اللحظة»!

عندما كان يقوم بإخبار الأفارقة عن الطريقة التي وصل بها إلى أوغندا ببطء، دون أن يعير اهتماما للوقت كانوا يردون معقبين بأنه لابد أنه تقاعد ، لكنه كان ينفي ذلك نفيا قاطعا، «أنا أسافر كرحالة، أنا أعمل».



لكن بينه وبين نفسه، لم يكن يستطع أن يصف الأمر بشكل دقيق، فلم يكن ما يقوم به نوعا من أنواع البيزنس ولا حتى العمل ، ولا يمكن أن يكون هو المتعة فقط، بسبب المخاطر العديدة التي واجهها، لكنه يصف ذلك بأنه طريقة للحياة، الكيفية التي اختارها ليقضي بها جزءا من حياته.

قريبا من كمبالا كانت الأحراش أكثر كثافة، والمدن محددة بشكل أكثر وضوحا، وما يحيط بها من زراعات يميز كل منها عن الأخرى وليس كما كان الأمر في كينيا حيث تبدو الضواحي وكأنها معسكرات تتجاور بلا أي سياق. كما أن أهل أوغندا، يفتخرون بأماكن سكنهم، ولذلك يهتمون بتجميلها بطلاء زاه، ويهتمون بالحدائق المحيطة بها وبكثافة الأشجار والأزهار فيها.


http://thecrossandblood.wordpress.com/2012/04/30/campaign-team-joins-drive-to-clean-kampala-city/

على تخوم كمبالا كان هناك «استاد رياضي» .. «استاد مانديلا الوطني» وبدا ذلك غريبا لثيروكس ، فالشائع هو تسمية الاستاد باسم رئيس الدولة، فقد كان اسمه «استاد أوبوت» في فترة وجوده بأوغندا قبل ثلاثين عاما، ثم «استاد أمين»، وفي كينيا لابد أن يكون اسمه «استاد موا»، فالحكام من الأفارقة يضعون اسماءهم على المنشأت ويسمون الشوارع بها ويضعون صورهم على العملة وغيرها.

كانت هناك انتخابات في أوغندا قبل اسبوع واحد من وصول ثيروكس إليها، وكانت واجهات المحال والمباني مازالت تحمل ملصقات المرشحين من الأحزاب المختلفة وكان قد تعرف على اثنين من المرشحين اللذين عرفا بطموحهما حتى منذ وجوده في أوغندا، وكان الحاكم الأصلي «يويري موسيفيني» قد نجح في الانتخابات. لكن أحد المرشحين ويدعى «كيزا بيسيجي» شكك في نزاهتها، على الرغم من الشعور العام الذي ساد بنزاهة النتائج وهكذا حرض مؤيديه فأشاعوا الذعر في المدينة بإلقاء وتفجير القنابل اليدوية في المحال التجارية في أرجاء العاصمة، وأحرقوا الكثير من السيارات.

وعندما وصل ثيروكس إلى كمبالا عرف أن «كيزا بيسيجي» كان في طريقه إلى جنوب أفريقيا لإلقاء محاضرة، لكن السلطات الأوغندية منعته من الصعود إلى الطائرة، وأوضحت له أنه ممنوع من السفر خلال التحقيقات مع مثيري الشغب والعنف.

لكنه التقى بعض من رفضوا نتائج الانتخابات ووصفوها بأنها تعرضت لتدخلات من السلطة وأنها مارست نوعا من الخداع.

وكان ثيروكس يشعر ساعة بعد أخرى بأنه مرة أخرى في مكانه الأليف، وقد ثبت شعوره لهجة أهل أوغندا التي يعرفها جيدا، ولأنه كان يعيش في مكان يعرف باسم «وادي بات» - وربما يعني «وادي الخفاش» فقد اختار الفندق القريب منه هذا المكان ليقيم فيه وهو «فندق سبيك» - وسبيك هذا أحد المستكشفين الذين عاصروا بيرتون والذي رحل إلى منابع النيل حين تعرض ريتشارد بيرتون للمرض وبقي في تنزانيا حتى يتماثل للشفاء.

الاختلاف الذي لاحظه المؤلف في كمبالا هذه المرة أيضا يتعلق بتقلص وجود الهنود في المدينة، والذين كانوا يمتلكون في الماضي الكثير من المحال التجارية كما كان الأمر في «جينجا» ومازالت المحلات موجودة لكن عدد المحلات التي مازالت تدار بواسطة الهنود قد قل كثيرا. كما لاحظ أن المدينة أصبحت أكثر اتساعا، والمباني أصبحت عالية، لكنه لاحظ أن المباني القديمة لم تمتد إليها يد الصيانة أو الرعاية. وحتى المباني الأساسية مثل مبنى «بنك جريندلاي» أو «المسرح الوطني»، وحتى مبنى محطة القطار أصبحت مزرية. وما تعرض منها للتجديد أصبح بشعا بلا أدنى معايير للذوق أو الجمال.

عندما تجول ثيروكس في الشوارع، واقترب من وادي الخفاش، لاحظ أول ما لاحظه اختفاء الأشجار الكثيفة التي كانت تغطي المكان، وتؤوي الخفافيش وسمي الحي باسمها لذلك.. لكن الآن، لم يعد هناك أشجار.. أو خفافيش اختفى وادي الخفاش!
-------------------------------------------------------
يتذكر ثيروكس الأيام التي قضاها في الجامعة موظفا ومدرسا، وهي الفترة التي تزوج خلالها وأصبح أبا، حيث ولد ابنه الأكبر في «مستشفي مولاجو» كما أنه ألتقى هناك بالشخص الذي شجعه على الاستمرار في الكتابة وبدأ معه صداقة استمرت على مدى ثلاثة وثلاثين عاما، وهو ف.س نايبول - الكاتب التريندادي الحاصل على نوبل قبل ثلاثة أعوام.

ولعل هذا ما يفسر لي - بشكل شخصي - سبب اهتمام نايبول بأفريقيا في الكثير من أعماله الأدبية وخاصة رواية نصف حياة التي يسرد فيها جزءا من حياة بطلها الذي عاش نحو 18 عاما في أفريقيا.

___________________________________________________________________




ولاحظ أن السيدات هن اللائي يدرن المحال الصغيرة بأنفسهن. ووصل إلى «جامعة ماكيرير» التي عمل بها بين عامي 1965، 1968، ولاحظ وجود مأذنة لمسجد لم تكن موجودة في فترة وجوده داخل أسوار الجامعة.. وعرف أنها أنشئت بإعانة من أحد الحكام العرب.

ويتذكر ثيروكس الأيام التي قضاها في الجامعة موظفا ومدرسا، وهي الفترة التي تزوج خلالها وأصبح أبا، حيث ولد ابنه الأكبر في «مستشفي مولاجو» كما أنه ألتقى هناك بالشخص الذي شجعه على الاستمرار في الكتابة وبدأ معه صداقة استمرت على مدى ثلاثة وثلاثين عاما، وهو ف.س نايبول - الكاتب التريندادي الحاصل على نوبل قبل ثلاثة أعوام.

ولعل هذا ما يفسر لي - بشكل شخصي - سبب اهتمام نايبول بأفريقيا في الكثير من أعماله الأدبية وخاصة رواية نصف حياة التي يسرد فيها جزءا من حياة بطلها الذي عاش نحو 18 عاما في أفريقيا.

ألتقى ثيروكس ببعض أصدقائه القدامى، وتعرض لمفارقات منها أن صديقا من أصدقائه تزوج من ابنة عمه، يكشف له كيف أنها كانت مولعة به وثيروكس أثناء وجوده في أوغندا . كما تابع تطور أوغندا اقتصاديا والذي تجلى في طبيعة الحياة المدنية، وأنواع المباني الجديدة والمدارس الحديثة ذات الهويات الأجنبية وتذكر حياته القديمة في المكان الذي أكد أنه عاش فيه فترة من أجمل أيام حياته.

نشرت في جريدة "|الرياض" في إبريل 2005 
بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة