Friday, January 13, 2017

رحلات الرواية


تغريــــدة

رحـلات الروايــة!


إبراهيم فرغلي

السنعوسي في الشارع الرئيس الذي جرت به أبرز أحداث فئران أمي حصة وقريبا من البيت المتخيل للجدة حصة

نصب شهيدين من شهداء السرة من زمن الغزو، وذكر في  رواية سعود


حين سكنت في القاهرة لأول مرة في العام 1990، للعمل في الصحافة، قررت أن يكون مشواري الصباحي الأسبوعي الأول في قاهرة نجيب محفوظ. أذهب إلى الجمّالية وأبدأ من خان الخليلي البحث عن البنايات التي يمكن أن يكون قد سكن بها أبطال الرواية التي تحمل الاسم، ثم أبدا البحث عن شوارع بين القصرين وقصر الشوق.
طبعا كانت الزيارة الأولى قد شهدت اخفاقات التوقع للأماكن، لأني كنت أظن شارع قصر الشوق في نفس شارع النحاسين أو قريبا منه، قبل أن يتبين لي أنه في الجهة الأخرى. وكنت أجري لونا من استعادة الروايات والشخوص، ومحاولة تمثل الطرق التي مروا بها، والكيفية أيضا التي استلهم بها محفوظ المكان، ومحاولة تخيل ما بقي مما بناه محفوظ في خيالنا وبين ما هو ماثل في الواقع.
وطبعا كانت هذه الرحلات ملهمة لأغلب رحلاتي اللاحقة لزيارة بيوت الأدباء في مدن أوربا التي سافرت لها.
تذكرت هذه الذكريات بينما كنت اطوف مؤخرا مع الكاتبين الصديقين سعود السنعوسي وعبدالوهاب الحمادي في شوارع حي السُرّة في الكويت، باعتبارها المنطقة السكنية التي تضم أبرز الأماكن التي دارت بها أحداث رواية السنعوسي "فئران أمي حصة"، وكان في صحبتنا مجموعة من نحو 25 شخصا في هذه الجولة التي دشن بها عبدالوهاب الحمادي وتسنيم المذكور مشروعا للرحلة الثقافية في الكويت والعالم أسمياه "باب للرحلات".
مررنا على كل المحطات التي ظهرت في رواية سعود، وبينها حتى الطريق الذي تخيله نهرا تجري به مياه فاسدة، ووصلنا لأعلى الجسر الذي يعلو النهر المتخيل، إضافة للبنايات التي ذكرت بالاسم، أو المدارس، أو الحدائق أو نصب الشهداء في حي السرة وغيرها.
الحمادي ممسكا بوعاء بيبسي من زمن الثمانينات أمام المتجر المذكور في رواية السنعوسي

مع سعود السنعوسي أعلى جسر البين فوق النهر المتخيل في الرواية


بوصفها التجربة الأولى لم نكن نعرف أين ستذهب التجربة، لكن المفاجأة أن هذه الجولة، التي خططها الحمادي وتسنيم المذكور، أثارت عددا من الأسئلة المهمة جدا بين القراء ممن اصطحبهم الحمادي، حول رواية فئران أمي حصة، وحول فن الرواية عموما، واستدرجت سعود نفسه للإجابة حتى عن أسئلة حول الرواية ربما لم يسبق أن تعرض لها قبل تلك الجولة. بالإضافة إلى موضوعات غير متوقعة حول قضايا مهمة جدا تخص تاريخ الكويت.  
كانت هذه الرحلة الأولى بمثابة انطلاقة لخطة طويلة خطط لها كل من القائمين على المشروع: عبدالوهاب الحمادي وتسنيم المذكور، بحيث تكون الرحلة التالية هي رحلة روايات نجيب محفوظ في القاهرة، للتعرف على الأماكن التي مثلت جزءا من مشاوير أديب نوبل الراحل في القاهرة، ثم التعرف على أماكن رواياته بحضور عدد من النقاد المصريين ممن عاصروا محفوظ، أو المتخصصين في أدبه، ثم ستكون هناك رحلات أخرى منها رحلة لندن شكسبير، ورحلة لشبونة ساراماجو، ورحلة المدن التي كانت محطات رئيسة لعصر النهضة في أروبا، وكذلك رحلة فتح الأندلس.
بشكل شخصي تعجبني الكثير من أفكار الكاتب عبدالوهاب الحمادي التي تمزج بين الثقافة والنشاط الثقافي الذي يقدم اشكالا جديدة للمعرفة وربط الواقع بالأدب، وهذه واحدة من المشروعات التي أعتبرها ستكون ملهمة جدا.
هذا مشروع يكشف قدرة النشاط الأهلي على دعم مبادرات تفتح الباب على اتساعه بين الجمهور وبين الرواية والادب أو التاريخ  أو الثقافة بشكل عام, وأتمنى حقا أن نرى الكثير من مثل هذه المبادرات غير التقليدية.
عمودي الأسبوعي "تغريدة" في جريدة القاهرة، نشر الثلاثاء 1 يناير 2017