Thursday, September 1, 2016

ثقب أسود!


تغريدة

ثقب أسود!


إبراهيم فرغلي

 تزامن توقيت وضعنا لهاتفينا المحمولين بجوارنا في نفس اللحظة. بعد ساعة كاملة مرت بيننا، كنا فيها صامتين، كل مشغول بعالمه الافتراضي المجنون.
سألتها بأسى وبنبرة لا تخلو من اليأس:
-       وبعدين يا لولو؟

-       مش عارفة يا بابا. إحنا وقعنا في الحفرة .

-       الحفرة؟

-       أيوه حفرة.. زي الثقب الأسود تقريبا.

تأملت وصفها للحظة، وروّعتني دقته. ولم أعرف ماذا أقول لها. فراحت تخبرني بضعة أمثلة عن صديقات لها تعتبرهن مدمنات بلا أمل للشفاء من استخدام السوشيال ميديا.
تذكرت كيف كانت حياتنا قبل أكثر من عشرين سنة. حكيت لها كيف أننا عشنا عقودا بلا هاتف محمول. فقط هواتف أرضية. ولم يكن ذلك يسبب قلق أحد على الآخر. كانت ذاكرتنا تحتفظ بأرقام بضعة هواتف مهمة للاتصال بها. وتمر الحياة بلا توتر. نتابع قناتي تلفزيون وحيدتين، وبرنامج اسبوعي واحد تقريبا، ومسلسل واحد غالبا، مع ذلك نستمتع بما نشاهده، ونشاهد كل شيء بتركيز. كما كنا، وهذا الأهم، نقرأ كثيرا.
قلت لها أنني أعاني الآن من التشوش، وفقدان الذاكرة بشكل مرضي. ومن الوقت المهدور.
تابعتني مبتسمة، فذكرتني ابتسامتها بنفسي حين كنت أنصت لوالدي وهو يتندر على زمننا ويستعيد ذكريات، أسعار زمان، من سعر رطل اللحم، إلى قيمة الوجبات، وصولا لوصف رحلته مع أصدقائه في الخمسينات من المنصورة للقاهرة بالقطار لمشاهدة مباراة كرة قدم، وكيف كانوا بجنيه واحد يسافرون ويأكلون سندوتشات بطارخ في وسط البلد، ويحضرون المباراة ويعودون.
 استدعت ابنتي، ربما لتقلل من إحباطي، تجربة فتاة أمريكية قررت أن توقف التعامل مع السوشيال ميديا. اشترت هاتفا قديما ليس به سوى خاصية الاتصال. أبلغت أصدقائها بذلك. امتنعت تماما عن كل وسائل التواصل. ألغت حسابات الانستجرام، الفيس بوك، تويتر، سناب شات. واكتشفت أن حياتها أصبحت ممتعة أكثر. أصبح لديها الوقت لتمارس هواياتها. تقرأ بتركيز. المشكلة الوحيدة أنها تشعر بأنها غير طبيعية، بين محيطها الاجتماعي، وأصدقائها خصوصا.

بدونا كمدمنين وفيين لمخدر السوشيال ميديا. ندرك أننا نعاني من الإدمان ولا نعرف كيف سنخرج يوما من دائرته الملعونة.

ولأنني كنت أقرأ لباشلار قبل هذه المحادثة، ومض مصطلح يردده الفيلسوف الفرنسي واصفا شعلة اللهب بأنها "مضيء معتم"، مشيرا أن مضيء معتم النفس هو أحلام اليقظة. ووجدتني أردد لنفسي أن السوشيال ميديا هي المضيء المعتم لهذا العصر كله.
ولو استخدمت وصف ابنتي "الثقب الأسود" لأدركت فعلا كيف ننجذب جميعا لهذا المعتم غير المرئي بفعل جاذبيته الهائلة التي تقتله ليتحول لكتلة من العتمة. ننجذب إليه ضاربين عرض الحائط بالحياة، والقيم الحقيقية الموجودة في الواقع، وبقيمة الوقت. مستسلمين لما أورده لنا من قتال لفظي، واستعراض مجاني، وتذاكي وعنصرية واستسهال للعبث، ومتحولين إلى مسوخ باكتساب قيمه التي تغذي أوهامنا عن ذاتنا.
ربما هو مضيئ كاذب لأنه يتضمن قيما معتمة عديدة من مثل ما ذكرت، وقد يكون مضيئا لعتمة نفوسنا؛ كاشفا مدى عتمتها التي كانت المختبئة ومخفية خلف جدران النميمة والاغتياب في الواقع، والتي أصبحت تَلسينًا مستمرا على الآخرين في الوسيط الجديد.
وبينما نفكر في حل هذه الكارثة المروعة، تسللت أيدينا، كل إلى هاتفه، ربما  للبحث عبثا عن حل هذه المأساة!