Friday, January 29, 2016

إبراهيم فرغلي: هناك قراء هواة يتباهون بآرائهم عن أعمال أدبية لا يفهمونها





بعد وصول روايته للقائمة الطويلة للبوكر

إبراهيم فرغلي: هناك قراء هواة يتباهون بآرائهم عن أعمال أدبية لا يفهمونها

أجرى الحوار : أحمد ليثي 
نشر في جريدة القاهرة 





-         وصلت روايتك للقائمة الطويلة للبوكر، ومن الممكن أن تحصد البوكر، ما يجعلنى أتسائل، ماذا تعنى الجوائز بالنسبة لك؟

·       بشكل شخصي، لسنوات أدرت ظهري للجوائز. كنت شاركت مرة في جائزة أهلية، ولم تفز روايتي بها (ابتسامات القديسين)، وفوجئت أن أحد المحكمين خرج من اللجنة يقول للصحافيين أنه قاتل حتى لا تمنح الجائزة لفلان (يقصدني)! وبعيدا عن السلوك الذي يسقط به المحكم نفسه من مكانته كقاض عادل ونزيه يفترض أن ينتهي عمله وربما كلامه أيضا مع انتهاء عمل اللجنة، فقد ساءني هذا السلوك جدا، وقررت ألا أقترب من الجوائز بعد ذلك، خصوصا وأنني كنت، ولا زلت، افضل التعامل  في النشر مع الهيئات الأهلية والخاصة بعيدا عن الدولة . لكني أيضا اشعر أحيانا أن من حق العمل الذي أكتبه عليّ أن أساعد في انتشاره، في ظل سوء إمكانات أغلب الناشرين في تسويق الأعمال الأدبية، خصوصا وأن أعمالي مركبة وتجريبية وقد لا تتوافق مع الذوق الذي يحب الحكايات والحواديت المسلية. وأيضا في ظل غياب حركة نقدية تتمكن من متابعة الحركة الإبداعية المنتعشة والتي يتسبب غيابها اشتباك الغث بنقيضه فضلت الترشح للجائزة. وجائزة البوكر على نحو خاص لها دور مهم، رغم كل ما قيل ويقال عن اللجان في دعم انتشار الأدب العربي بين القراء العرب، وتسببت في انفتاح القراء المصريين مثلا على روايات من السعودية والكويت، وكذلك أسهمت في نشر المعرفة بالكثير من الكتاب العراقيين والفلسطينيين والسوريين وهذا أيضا مهم.

-         ألا ترى أن هناك أعمال جيدة لا تصل إلى قوائم الجوائز رغم أنها تحظى بقبول القراء والنقاد؟
·       هناك في كل الجوائز مثل هذه المفارقات بطبيعة الحال، وهي أمور تعتمد على آليات عمل اللجان، وعلى القواعد العامة التي تحددها اللجان في اختياراتها للكتب التي تراها وفق ذائقتها الخاصة أفضل من غيرها. وشخصيا شاركت مرة سابقة في جائزة ولم يحظ عملي بانتباه اللجنة، أظن أن هذا الجدل سيستمر، ودور النقد الثقافي العمل على حث لجان الجوائز، باستمرار، على الالتفات للروايات التي قد تكون ذات تقنيات مختلفة، شكلا أو مضمونا، وتقدم إضافة حقيقية لمسيرة السرد العربي. لأني أعتقد أن هذا هو دور الجوائز، ولي آراء عديدة في نقد جائزة نجيب محفوظ في بداياتها، وفي بعض دورات جائزة البوكر لنفس الأسباب.

-         هل الجوائز معيارا للأدب الجيد؟
في الحقيقة أن الشائع في الغرب أن الجوائز معيار أو ينبغي أن تكون معيارا للأدب الجيد، ومع ذلك حتى الجوائز في الغرب، وبينها نوبل للآداب لا تفتقر إلى النقد والانتقاد من قبل النقاد، مع الفارق طبعا، وربما تسهم الجوائز في انتشار روايات معينة، لكن دور الجائزة ينتهي أيضا بعد أن تقرأ الرواية وعندها يأخذ النص مساره، ويستمر نجاحه لو يستحق النجاح، أو العكس.

-         يحب القراء الروايات الخفيفة القصيرة، ألم تخف من كتابة رواية من 500 صفحة؟

·       ولماذا يحب القراء الروايات الخفيفة القصيرة؟ من هم القراء؟ وما هي سلطتهم التي سمحت بوضع هذا الكلاشيه؟ هذه أسئلتي لك، ولا أريد إجابات، لكني أضيف أنني قارئ قبل أن أكون كاتبا، وأذكر أنني قرأت في عمر مبكرة ما بين 14 و15 عاما أعمالا ضخمة مثل ثلاثية محفوظ والمراهق لدوستويفسكي واستمتعت بها جدا، وأقبلت بسببها على أعمال أكبر مثل الإخوة كرامازوف، وقرأتها باستمتاع. كانت الحياة بالنسبة لي في ذلك الوقت، تعني لي استراق الوقت لأجل مضي أوقات أكبر للحياة مع شخصيات تلك الروايات. وهكذا قرأت ثلاثية أبناء وعشاق لـ"دي إتش لورانس"، وألف ليلة، وملحمة سيرة أبو زيد الهلالي، والحرافيش، ودون كيشوت لسرفانتس، ومؤخرا مثلا أيضا وباستمتاع قرأت الجبل السحري لتوماس مان، وموبي ديك لميلفل، ولم اشعر بملل في روايات عديدة أخرى. والحقيقة أنه ساد كلاشيه يقول باقتران الأعمال القصيرة بالحداثة مطلع التسعينات، لكني حين زرت ألمانيا وأوربا وجدت الشباب يمسكون في المترو بروايات ضخمة. وبالتالي أدركت أنني يجب أن أتخلص من الكلاشيهات. اليوم للأسف تطالع وسائط الاتصال الاجتماعي أو حتى مواقع القراءة فتجد بعض القراء الهواة، ممن يبدو جليا أنهم محدثين قراءة، يتبارون في إظهار آرائهم في أعمال أدبية لا يستسيغونها بوقاحة يحسدون عليها، ويتصورن بفضل هذه الوسائط أنهم يمثلون "سلطة" نقدية ما.
 أنا أقرأ الآن رواية بديعة بعنوان فريدوركه للكاتب البولندي "فيتولد غرومبروتش" فيها مشهد يتصارع فيه مجموعة من البشر في موقف فضائحي ضبط فيه اب وأم ابنتهما مع عشيقين واختلطت كومة البشر في قتال موصوف بشكل متقن على الأرض، وبينما كان طرف خامس متورط ويراقب عن بعد، اكتشف أن الوقوع على الأرض ليس أسوأ من الوقوف في موقف كهذا فألقى بنفسه على الأرض بعيدا عنهم. ضحكت كثيرا وأنا أقرأ المشهد، وهو نفس ما يصيبني حين أرى تعليقات بعض القراء الهواة على روايات أعلم جيدا أنها روايات عظيمة صعب على أي منهم بذائقته البدائية أن يدركها!
لهذا كله لا أغازل القراء، وأكتب ما أحب أم أكتبه وأستمتع تماما بكتابته، لو اقتضى 100 صفحة أو الف صفحة.

-         تقول الرواية على لسانها، ينبغى أن تدركوا انى رواية حاوية للمعرفة، هل تظن أن الأدب يمكنه أن يكون مادة للمعرفة؟
·       الرواية بالأساس هي كتاب معرفة، معرفة بالنفس البشرية وصراعاتها وتناقضاتها، ومعرفة بالتركيب الطبقي لمجتمع ما، وبالبيئة والجغرافيا الخاصة التي يعبر عنها، ناهيك عما قد يقتضيه تناول موضوع علمي مثلا أو تخصص وظيفة لشخصية من الشخصيات. ليحاول مثلا كاتب مصري أن يكتب عن المجتمع الألماني، سيجد أنه أعمى تقريبا، من دون معرفة بالمجتمع الألماني والشخصية الألمانية وتفاصيل التاريخ وخصوصية الجغرافيا لن يكتب شيئا له قيمة، ولكن لأنه يملك "المعرفة" بالمجتمع المصري مثلا فهو يكتب عنه بسهولة أكبر. شخصيا مثلا توقفت عن كتابة أنامل الحرير ست أشهر من أجل شخصية ميهريت الإثيوبية التي ظهرت لي فجأة في النص، وعدلت مسارات وأحداث، لكني اكتشفت أنني أعمى. خلال ستة أشهر التقيت هنا شخصيات عديدة من إثيوبيا وجيبوتي، وترددت على المطاعم الإثيوبية، وتناولت أغلب الوجبات، ووقعت على أكاديمي إيطالي زودني بكتابين أحدهما تاريخ إثيوبيا كاملا، والآخر رواية لكاتب إثيوبي مهاجر. حاولت فهم طبيعة صراعاتها مع الدول المجاورة خصوصا الصومال وطبيعة الانتقالات التاريخية، والتركيب القبلي، ثم استمعت لعشرات المحاضرات على اليوتيوب بالإنجليزية عن الثقافة والتعليم في إثيوبيا، وشاهدت عشرات الحلقات الدرامية لكي آلف اللغة الأمهرية وأتأمل الشخصيات، بالإضافة للأفلام الوثائقية ولقطات الرحالة عن الحياة اليومية في إثيوبيا. ماذا نصنف هذا كله؟ اليس هذا كله حد أدنى من المعرفة؟

-         إذا كانت الرواية تنوب عن صاحبها فى الحكى ،تروى سيرته وتدافع عنه، أنت تؤمن أن الفن أقوى من صاحبه إذن؟
·       يساورني الإحساس بذلك منذ فترة، فعادة ما يكون لدي خطة أولية بسيطة وفق فكرة عامة أود تناولها، لكني أعتقد أن النص بعد فترة من الكتابة، يبدأ في فرض مسارات أو شخصيات على الكاتب. وعلى الكاتب الاستجابة بما يتماشى لضغط الفكرة الفنية التي لا يكون قد خطط لها، وفق معايير محددة في النهاية للشكل العام أو لإيقاع العمل إلى آخره.

-         تعاملت مع الرواية على أنها كائن حى ينطق ويتكلم، هل تعتقد أن أى نص أدبى أم غير أدبى يحاور قارئه ويتفاعل معه؟
·       بالتأكيد، النص يتحول إلى كائن مستقل، يتقدم ويواجه كاتبه، انامل الحرير قدمت لي فجأة يد سمراء نحيفة لفتاة تمسك بمخطوط المتكتم الوارد في النص. لا أعرف من أين جاءت أو لماذا انبثقت في خيالي. حاولت تجاهلها لفترة حتى لا أعقد مسار الوراية، لكني شعرت أن النص يتهمني بالتكاسل وقبلت التحدي. الفترات الأخيرة في كتابة الرواية لم أكن أستطيع النوم إلا في عزلة، كنت أشعر أن أطياف الشخصيات تحيط بي، والشخصيات تتحاور، كما أنني كنت في انتظار حل لنهاية نص متشعب ومتشابك وعلي أن أنصت له بكل جوارحي للنهاية. وقد كان.

-         هل استدعيت التاريخ المصرى القديم لكونه عصر حرية وحضارة تحلم بالعودة إليه؟
·       طبعا، هذا كان تصوري لاستعادة مصر لرقيها كما قدمته في أبناء الجبلاوي مثلا، وكما أعود إليه هنا، وكما فعلت كذلك في روايتي الفتيان اللذين نشرتهما مؤخرا. أعتقد أن الفجوة الكبيرة التي تفصل بيننا وبين فهم حقيقي وواعي لحضارتنا القديمة، مأساة، ربما أسهم فيه فتح مصر على يد العرب واستمرت حتى الآن. لكني لا أخلط الأمور، ففهمنا لحضارتنا لا يعني محاولات مراهقة للادعاء مثلا بأن الكتابة ينبغي أن تكون بالعامية، فهذا تخريب لتراثنا، لأن هويتنا العربية الآن هي جزء من تراثنا، لكن المهم هو هضم المنجز الحضاري واستعادته، في العلوم والمعرفة وفي الكتابة وأدب والفكر. لا منقذ لنا إلا العودة لجذور هذه الهوية الأساس.

-         يفضل أهل الأنفاق السرية العيش فى العتمة لأنهم أحرار مقابل العيش فوق الأرض حيث سيكونون عبيد، هل تفضل العيش فى أنفاق معتمة يؤمن اهلها بالخرية، أم العيش فوق أرض لا يؤمن اهلها سوى بمصادرة الكتب والإبداع؟


·       هذا ما فضله من عاشوا في مدينة الظلام، المدينة التي احتلتها الفاشية الدينية، وهي كل مدينة وأي مدينة تعيش على مصادرة حرية المعرفة والفكر والحياة الخاصة للبشر. أما في الأنفاق تحت الأرض فقد كانت هناك مرحلتين أو سياقين، سياق يعيش فيه أشخاص يولون الحرية أولوية أولى من دون أن يعرفوا ما جدوى الحرية، وهناك سياق آخر يؤمن بأن الحرية مسؤولية والدفاع عنها يقتضي أن يبذل جهدا منظما وعلميا لكي ينقذ مجتمع الظلام من ظلمته، أنا أفضل أن أعيش في أنفاق تحت الأرض مع النساخين الذين ينقذون المعرفة من خراب المخربين ومن استهتار العبثيين والعدميين معا.