Thursday, December 18, 2014

وجه مارلين مونرو

وجه مارلين مونرو

د.شاكر عبد الحميد



Marilyn_Monroe_Warhol_by_Angbrennil

رسم الفنان الأمريكي آندي وارهول (1928 – 1987) سلسلة من اللوحات لوجه مارلين مونرو عقب انتحارها في أغسطس عام 1962..

وقد كان ذلك التكرار الآلي الميكانيكي لصورتها الشخصية يجعلها تبدو ورقية الطابع، مما يسلبها أي إحساس يتعلق بوجودها الخاص خلف هذه الصورة السطحية.

إنها هنا تجسد حالة من الاختلال العدمي للشعور بالشخصية، كما أنها تردد أصداء ذلك القلق الذي قام بتقويض صورة الفنان-الفنانة عن نفسه.

في عام 1975 كتب وارهول يقول "تستحوذ علىَّ حد المرض تلك الفكرة الخاصة بالنظر إلى المرآة، ثم لا أرى أحدًا هناك، لا أرى شيئًا".

لقد كانت مارلين موجودة في التليفزيون وفي السينما وفي الحياة، وبعد موتها، كذلك بعد جنازة جون كيندي قام التليفزيون بالتغطية لهذين الحادثين المأساويين على المستوى القومي، وقد كانت المقاطع نفسها من الفيلم نفسه يتم تكرار عرضها مرة بعد أخرى، ويومًا بعد يوم.

وقد قام وارهول بالانتباه إلى ذلك العامل الخاص بالتكرار الموجود في ثقافة الميديا والثقافة الشعبية، هكذا كرر صورة شفاه مارلين في أحد أعماله، كما كرر صورتها هي نفسها حوالي ثلاثين مرة في عمل آخر، وأيضًا قام برسم زجاجات الكوكاكولا والحساء أكثر من ثلاثين مرة بتنويعات بسيطة في كل مرة.

والتكرار مرتبط بثقافة تركز على البيع للأشياء، وتهمل الحيوية والتنوع، لكن الفنان الذي يكون واعيًا بهذا الأمر يضع بعض لمساته البسيطة، لكنها المتقنة، المرهفة كي يحاول إبعاد الإنسان المعاصر ولو قليلاً عن حسن الاستهلاك وهواية التكرار.




http://commons.wikimedia.org/wiki/File:In_the_style_of_Andy_Warhol.jpg


هكذا قام وارهول في لوحته الخاصة عن مارلين مونرو، وهي أشبه بتجسيد واضح لفكرة أو تكنيك التسلسل والصور المتسلسلة المتتابعة الذي تقوم عليها فنون السينما والتليفزيون، بالاستكشاف لفكرة التعدد في علاقته بالتماثل أو التشابه، فكيف يمكننا أن نعرف من هو الشخص الحقيقي إذا كانت كل صورة خاصة به مختلفة؟

هنا تتجسد فكرة الغرابة أيضًا، التي تجمع بين المألوف وغير المألوف، المتماثل والمختلف للشخص نفسه في ثقافة الاستهلاك والميديا.

واللوحة كلها مربع كبير يضم عددًا (ثمانية وعشرين) مربعًا صغيرًا، وعندما ننظر إلى كل مربع منها نرى تباينًا صغيرًا بالغ الدقة أو اختلافًا في كل واحد منها، وقد يحدث التغيير في ظل العين (الأي- شادو) الأخضر، أو في أحمر الشفاه، أو الشعر أو في هذه الأشياء الثلاثة معًا، وقد يحدث الاختلاف في النظرة أو البسمة أو خلفية الصورة أو في النوعية المتعلقة بكثافة اللون، لكن في كل مرة تظل الصورة الفوتوغرافية بخصائصها الأصلية موجودة كما هي بشكل عام.

إن وارهول لا يستكشف هنا تلك الفروق البصرية فقط، لكنه يستكشف أيضًا الطريقة التي يستطيع التعدد من خلالها تغيير إحساسنا بما هو حقيقي أو واقعي. فكل صورة من هذه الصور تمثل مارلين مونرو، لكن أين هي مارلين مونرو من هذه الصور كلها؟ ما الصورة التي توجد بها مارلين أكثر من غيرها؟

إن وجودها هنا يتجلى في أنحاء شتى، وهي ليست موجودة على نحو خاص في واحد بعينه من هذه التجليات، إنها واحدة ومتعددة، متماثلة ومختلفة، غير مألوفة لوجه مألوف، غريبة وأليفة تثير الرغبة في التواصل معها، كذلك الوحشة التي ترتبط بالقلق الملازم لها ولحياتها وموتها.

وهي في النهاية، هنا، مجرد صورة، سطح، أثَر بقايا من بقايا حياة كانت صاحبة ضجة بالأحداث والعلاقات والصور، ولم يبق من ذلك كله سوى الصور والموت، سوى الذكريات.

لقد اختلط اسم مارلين بصورتها، صورتها بوصفها نجمة سينمائية وصورتها صورةً فوتوغرافية، إنها هنا أشبه بظل أو شبح ونوع من التجسيد لذلك الخوف القديم من الصور التي تعيد الموتى، وتجسد حالات فقدان للروح والحياة.

لقد كان وارهول واحدًا من أعضاء حركة فن البوب التي انتشرت منذ ستينيات القرن العشرين، التي تبنت العودة إلى الموضوعات التشخيصية المستمدة من الواقع المعاصر في نوع من رد الفعل المضاد لحالة الغموض البصري التي هيمنت على التصوير التجريدي، هكذا طالبنا وارهول أن نواجه عالم الإعلانات والسينما والسوق ونتفاعل معه، إن اللوحة الموجودة فوق حائط في قاعة عرض تتطلب من المشاهد أن يشارك وينظر ويفكر في دلالات ما ينظر إليه.

أما المواجهة مع الميديا، حيث كل شيء مغلف ومجهز بالنسبة إلينا، فإننا نكون مدفوعين لأن نتقبل على نحو سلبي ما هو مقدم إلينا أو أمامنا. في البداية قد نتعجب مما قد تحتويه هذه اللوحات، ذلك لأن كل ما هو موجود بداخلها موجود حولنا في الحياة وفي وسائل الإعلام: المشروبات الغازية والأحذية وصور الفنانين... إلخ.

لكن عند التأمل سوف ندرك أن وارهول من خلال استكشافه الفروق الدقيقة بين الصور ربما كان يطلب منا أن نتساءل ونفكر في مدى هذه الصور والأشخاص والأحداث. فما قد يبدو أمامنا على أنه نسخة أو صورة تامة مكتملة ظاهريًّا من التماثل والتنظيم المتقن قد يخفى وراء تعقيدات وحالات غموض خاصة بالمعاني التي يمكنه أن ينقلها إلينا ربما بشكل يفوق ما يفعله الأصل.

وقد اهتم وارهول بعالم المال والميديا والإعلان والسوق والدور الكبير الذي لعبته النقود في الجوانب السطحية للحياة في الثقافة الأمريكية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، إذ جعلت مادية الحياة الناس في هذين العقدين يشعرون بالاغتراب الزائد على بعضهم البعض وعن المجتمع نفسه، كذلك بالاغتراب بالنسبة لأنفسهم.

وتفككت الهوية فتحولت إلى حالة خاصة بإنسان يفتقر للوجود والكينونة، إنه مراقب يختلس النظر إلى الحياة عبر الشاشات التليفزيونية وومضات الإعلانات وأغلفة المجلات، هنا الحياة الموجودة على السطح، هنا السطح هو الحياة والعرض هو الحقيقي، بينما القلب والوجدان والفن الأصلي أو الأصل حفريات تنتمي إلى الماضي، هكذا قال وارهول أيضًا: "عندما تحدث الأشياء بالنسبة إليك هكذا، سوف يشبه الأمر مشاهدة التليفزيون، لا تشعر خلال ذلك بأي شيء" وسيبدو كل شيء صناعيًّا أو مصطنعًا، وأنا لا أعرف أين ينتهي الاصطناعي ومتى يبدأ الحقيقي.


في عام 1978 قال أيضًا:"إن كل شيء أقوم به يرتبط على نحو وثيق بالموت". وهكذا فإنه وكما يقول فاينبرج: فإن الخواء المادي وتفكك الذات، ووقوع الإنسان المعاصر في براثن اختلال الشعور بالشخصية والواقع، هو ما حاول وارهول في رأينا أن يجسده.

نشرت في بوابة الأهرام الالكترونية في ١٦ ديسمبر ٢٠١٤ ، والصور هنا من اختيار مدونة مخطوط