Sunday, November 2, 2014

السباحة في بحيرة هادئة قبل لقاء الحوت..اليس مونرو

قصص لأليس مونرو..
السباحة في بحيرة هادئة قبل لقاء الحوت!




إبراهيم فرغلي
أعترف أنني لم أكن قرأت لأليس مونرو شيئا قبل أن تقع في يدي مجموعة بعنوان "قصص" من ترجمة الكاتب والمترجم أحمد شافعي، والصادرة عن "كتب خان"، ولاحقا عرفت أن المترجم أحمد الشيمي ترجم عددا ضخما من قصصها سبق حصولها على نوبل في كتاب بعنوان كتاب "العاشق المسافر وقصص أخرى"، عن هيئة قصور الثقافة. لكن ما يهمني قوله هنا أن عالم هذه الكاتبة القصصي عالم غير مسبوق في تقديري. تبدأ القصص عادة من مشاهد عادية وعائلية لكنها تغوص بعيدا في أعماق النفس البشرية، وتنقلب هذه العادية بلا أي صخب أو افتعال لتجد نفسك إزاء مأزق إنساني كبير، شيئا يشبه أن يسبح المرء في بحيرة هادئة ثم يجد نفسه وقد ارتفع عن المياه على ظهر حوت عملاق.
ثمة شئ بارع في البناء القصصي لأليس مونرو، إذ أنها تبدو وكأنها تشيد بناء مسلحا راسخا تحفر اساساته عميقا، من دون أن يرى القارئ شيئا من هذا، إذ ينشغل بداية بالمظهر الخارجي الخادع الذي يبدو كأنها تكسوه بغطاء خشبي خفيف وملون بألوان خافتة وهادئة. حين يدلف القارئ لمبنى النص الخارجي  في بداية العمل يبدو الأمر مثل نشوة الوصول إلى حفل عشاء مع أصدقاء مألوفين، لكن ما أن يضع قدمه داخل البناء حتى يتبين أن ضحكات الأصدقاء الخافتة ليست إلا عويلا قويا، مع ذلك فليس ليس هيستيريا بقدر ما هو عويل مكتوم من فرط قوة الدراما الماثلة في خلفيته، ولكن من دون أي ابتذال عاطفي.
 في قصة بعنوان "البعد" نرى سيدة تعرف باسم "دوري" تغير اسمها وتعيش حياة جديدة تماما، خادمة في فندق تنظف الغرف حتى تنهك قواها، ثم تدريجيا، تستغرقنا تفاصيل يومها، الحافلات الثلاث التي تستقلها لكي تصل إلى عملها، ومشقة الحياة، وتفاصيل من واقع يومها، حتى يصلها مظروف مكتوب عليه اسمها، ومنه تبدأ تداعيات نصل بها إلى أزمتها في الإجابة عن سؤال حول مدى قدرتها على زيارة زوجها في مصح عقلي، تأخذنا الكاتبة إلى الحياة الذهنية لأشخاصها عبر تفاصيل يومية، أو عبر حوارات مستفيضة يحكي فيها كل منهم طرفا من قصة حياته، ثم نشعر، فيما نسبح في دوائر البحيرة الهادئة بحركة غامضة لندرك أننا نجلس فوق حدبة حوت ضخم. حين ندرك أن الزوج قاتل، والضحايا هم أبنائهما الثلاثة، ثم ينفجر الألم في قلبنا قادما من قبل الأم "دوري"، لنرى لاحقا كيف ستبحث الأم في حادث عابر عن وسيلة تعبر بها على الذكرى بتجاهل الأب تماما، بانقطاع الرحلة خلف محاولة بث الحياة في شاب صغير، تعرض لحادث. فتصبح القدرة على منح الحياة وسيلة لمواجهة الموت العبثي لثلاثة أطفال كان اختيارها لزوج هش نفسيا في هذه الدورة المأساوية.


في القصص الأربعة الأخرى سنجد دوما شيئا من هذا، تفاصيل حياة يومية لدورة حياة تنقطع بالانفصال وبداية دورة جديدة، تأمل تقاطعات دورتي الحياة عبر الصدف التي تلقي بها الحياة الينا. نتعرف على شخصيات أغلبها ذات خلفية ثقافية، اساتذة جامعة أو كاتبات شباب، أو ربات بيوت يعانين الوحدة، ثقافة كندا، التي لا نعرف الكثير عنها، هذا المزيج الفريد بين الفردية الأوربية ومظاهر من طبيعة الحياة الأمريكية. الاحتفاء بالحياة، ورفض الفاجعة في الحزن بتحدي الشفقة والتعاطف، هكذا سنرى مثلا في قصة شوارد حرة التي تبدأ بها المجموعة نجد نيتا الوحيدة تجتر أحزان وفاة ريتش، وفي وحدتها ورفض زيارات المتعاطفين نتعرف على تفاصيل علاقتها بريتش كزوجة ثانية، وتاريخهما المشترك، وفيما نسبح في بحيرة العلاقة يرن الجرس ويدخل عامل الكهرباء، وسرعان ما ندرك أنه محتال، لص في زي عامل الكهرباء المزيف، ويبدأ بينهما حوار يعترف فيه بجرائمه وبينها جريمة قتل، فتبدأ نيتا بالرد عليه بكذبة تتقمص فيها شخصية الزوجة الأولى وتتخيل أنها سممت عشيقته، وهي تتبادل أدوارهما في الحياة، ويصاب الرجل بوهم أنها سممت له الكعك الذي قدمته له، وتنقذها الحيلة.

أليس مونرو بارعة بحيث يمكنها أن تخطف القارئ في كل قصة إلى عوالم رغم عاديتها وواقعيتها فإنها تشع بوهج مبهر من الغرائبية وعجائب تدابير القدر وكيفية الاحتيال أو التواؤمات النفسية التي يبذلها الفرد في موجهة القدر. وترجمة أحمد الشافعي التي تضئ جمال النصوص تؤكد جمالها وقدرتها على بلوغ جوهر نصوص مونرو.