Saturday, April 16, 2016

حوار الفضيلة الغائبة

تغريدة

حوار أم جدل؟

إبراهيم فرغلي

دعاني حسن الحظ للتعرف إلى الدكتور فهد راشد المطيري، استاذ اللسانيات في جامعة الكويت، حين وجهت له الدعوة، بالتنسيق مع المكتب الثقافي المصري في الكويت ليكون بين المتحدثين عن كتاب "التفكير العلمي" للدكتور فؤاد زكريا، في إطار احتفاء السفارة المصرية بذكرى المفكر المصري الراحل، خلال أسبوع ثقافي مصري قدم عدة أنشطة فنية وفعاليات علمية وثقافية مكثفة.

فوجئت بالحيوية، والذكاء واللباقة التي يتمتع بها الدكتور فهد المطيري، وبالموسوعية في طرحه لأبرز أفكار فؤاد زكريا، ونقده للكتاب محل الطرح. كما لفت انتباه الحضور بقدرته على الحوار والنقاش مع الجمهور الواسع الذي أعقب المحاضرة. وتبينت أن له مريدون من شباب الكويت، وطلبته في الجامعة،بين الحضور. 

خلال النقاش تبينت أن الدكتور المطيري أسس ظاهرة بين طلبته تعتمد على فكرة النقاش والحوار؛ بمعنى الاتفاق على موضوع معين، وبحيث يتبنى فريقان من راغبي النقاش وجهة نظر، ثم يتم بدء حوار حول الموضوع على كل طرف أن يقوم بطرح وجهة نظره. 

عقب اسبوعين من هذه الأمسية علمت أن جماعة ثقافية شابة باسم "الصالون الثقافي"، قامت بدعوة دعت الدكتور المطيري لمناقشة حول مفهوم العقلانية. وقررت حضورها على الفور.
لكنها لم تكن أمسية تقليدية، فقد قرر هؤلاء الشباب كسر احتكار المحاضر للحديث، من أجل توسيع دائرة النقاش، وتلاقح الأفكار. يتحدث المحاضر لعشردقائق فقط، ثم يبدأ النقاش لمدة ثلث ساعة بين الحضور وبعضهم البعض أو مع المحاضر، وهكذا على مدى ساعتين.

تعلمت خلال هذا اللقاء الاستثنائي الكثير، وأدركت أن هناك أفرادا لا يستهان بهم في هذا الجيل، لديهم الرغبة والوعي في تأسيس ثقافة حوار في مجتمعاتنا العربية التي تسودها، مع الأسف، ثقافة حوار الطرشان، ونفي الآخر، والفهم المغلوط لفكرة الحوار باعتباره صراع ينبغي أن ينتهي بسحق الآخر، أو الانتصار عليه، بدلا من المفهوم الجوهري للحوار باعتباره ثقافة قبول الاختلاف، واحترام المختلف معه. 
ولعل أبرز ما لاحظته في هذا الحوار الموسع الذي تنقل بين المصطلحات، إلى الأفكار، ومن نظرية التطور إلى مفهوم العقلانية، ومن القيم الغائبة إلى سبل التربية الحديثة، ومن الفارق بين الموقف الأخلاقي والموقف العقلاني إلى تناقضات العقل في فكر ما بعد الحداثة وغيرها، أقول لاحظت غياب سمة "التحذلق" التي أصبحت سمة كل مدّعي الثقافة في عالمنا العربي، ومستخدمي وسائط الاتصال الاجتماعي التي يعتبرها الكثيرون منصة الاستعراض للسان المقطوع. أقصد أننا، بعد عقود من الكبت وتكميم الأفواه، تصورنا أننا حين نمتلك لسانا، فلا ينبغي له إلا أن يكون: حادا، ولاذعا، ساخرا، بحيث لا يبدو أنه يهتم بجوهر ما يعبر عنه، قدر الاهتمام بإبراز قدراته في استعراض المعرفة، من دون الانتباه إلى أن هذا اللسان المتحذلق يتسلح بهذه الحدّة لأنه ورثها من ثقافة الثنائيات الطائفية، والعقائدية، والأخلاقية البعيدة عن العقلانية وفضيلة الموضوعية.
أدركت أن هناك وعيًا لدى الحضور، بالرغبة في الحوار، والفهم، واحترام قيمة العقل، والالتزام بنزاهة النقاش، وبالتالي احترام أصحاب الأفكار المختلف عليها وحولها. 
وأعتقد أنه لا بد من توسيع انتشار مثل هذه المبادرة النبيلة، لاستعادة فضيلة الحوار بديلا لخطيئة "حوار الطرشان" المتوارثة من أزمنة الاستبداد والتخلف. 


Monday, April 11, 2016

The Smiles of The Saints



I got a message from the Danish Author Kiresten Thoroup about The Smiles of The Saints 

Kiresten Thoroup
Photo: Finn Frandsen
Dear Ibrahim,

I have read your novel "the Smiles of The Saints" (from Amazon). I loved its spirituality, the "other world" present alongside the beautiful and dramatic love story. 

It was interesting for me by reading your novel to get to know, how religion can disturb people's´ lives and the tragic difficulties of mixed marriages. So it was a great pleasure reading "The Smiles of The Saints". 

Warmest wishes and regards

from Kirsten

Sunday, April 3, 2016

فاطمة ناعوت متهمة بازدراء الأديان


عودة محاكم التفتيش العصرية في القاهرة

بعد البحيري فاطمة ناعوت متهمة بازدراء الأديان






إبراهيم فرغلي


خلال فترة وجيزة شهدت المحاكم المصرية حكمان قضائيان أثارا ضجة وجدلا كبيرا في القاهرة، بتهمة واحدة هي ازدراء الأديان، حيث حكم بالسجن لمدة عام واحد على إسلام بحيري، ثم بالسجن ثلاث سنوات على الكاتبة فاطمة ناعوت، وتغريمها أيصا مبلغ 20 ألف جنيه (نحو 2500 دولار).

الجدل المتسبب من مثل هذه الأحكام يعود لعدة اعتبارات، أولها أن ازدراء الأديان  مفهوم واسع نسبيا، خصوصا حين نرى، على سبيل المثال، أنه اتهام سبقت به بعض المحاكم المصرية إلى كل من نصر حامد أبوزيد، والكاتبة نوال السعداوي، و كذلك الشاعر الراحل حلمي سالم، وعدد كبير آخر من كتاب وفنانين في ظروف وسياقات مختلفة بينهم مثلا الفنان الشعبي حكيم، بسبب فيديو أغنية مصور، بل وهناك أخبار تتناول اتهام المطرب الشعبي شعبان عبدالرحيم بالتهمة ذاتها. مما يبدو معه أن ازدراء الأديان يتم تطبيقه على سياقات مختلفة وربما متباينة يستوي فيها مفكر عليم بشؤون اللغويات والفقه مثل نصر أبوزيد وبين مطرب شعبي بسبب لقطة مصورة في فيديو أو فيلم!

الاعتبار الثاني يعود لأن الدستور ينص على حرية العقيدة، وحرية التفكير والتعبير في مادتين متتاليتين هما  مادة 64 وتنص على أن "حرية الاعتقاد مطلقة. وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية، حق ينظمه القانون".

ثم المادة 65 التي تنص على أن "حرية الفكر والرأي مكفولة. ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو الكتابة، أو التصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر".

ما يجعل الكثير ممن يتلقون أخبار هذه المحاكمات يتشككون في الدوافع الحقيقية، ومدى كونها دوافع سياسية، تحركها جهات مستفيدة منها، في توقيت دقيق يتعرض فيه الأزهر في مصر لانتقادات حادة حول مسؤوليته في انتشار خطابات الكراهية والتحريض التي انتشرت على مدى العقد الأخير، وأسهمت في كوارث عديدة ممثلة في الفتن بين الأقباط والمسلمين تارة، أو بين السنة والشيعة خصوصا خلال فترة وجود الإخوان في الحكم. وهو ما سلط عليه الضوء بعض المختصين والإعلاميين، من خلال الإشارة إلى مقتطفات بعينها بين مناهج الأزهر التي تدرس الآن موادا تحرض على كراهية الملل الأخرى، إما في غياب التدقيق والمراجعة من الجهات الإشرافية على المناهج التعليمية للأزهر، أو ربما بعلم من يعلمون.


لقد كان خروج الجموع التي خرجت في مصر في 30 يونية 2013 تأكيد على رفض شعبي مطلق ليس فقط للإخوان، بل ولمنطق دس السم في العسل، ولأي مشروع سياسي يستخدم الدين في مجتمع متدين على طريقته، ولم يعرف عنه التطرف. وربما لا يبدو أن جهات عديدة في مصر اليوم تستوعب العبرة من ذلك الخروج الذي أنار ليل القاهرة بحشود غير مسبوقة. ولا أظن بشكل شخصي أن تزايد حملات التكفير ووسم الكتاب أو كل صاحب رأي نقدي بالخروج على الملة يمكن أن تستمر مطولا، خصوصا في دولة طالبت فيها القيادة السياسية، ربما لأول مرة في التاريخ المعاصر، قيادات الأزهر بتحمل مسؤولياتها في تجديد الخطاب الديني، في توقيت لم يعد يحتمل أي تأخير.

أعتقد أن المثقفيناليوم مطالبون بوقفة جادة لمطالبة الحكومة المصرية بفحص مواد القوانين المقيدة لحرية التعبير، وبينها المادة  98 من قانون العقوبات والتي تعود للسبعينات حين وضعت في عهد الرئيس الأسبق أنور السادات تخوفا من هجوم المتشددين الإسلاميين بالهجوم على المسيحيين على المنابر وفي خطب المساجد.
تنص هذه المادة  على أن يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر ولا تتجاوز الـ5 سنوات أو بغرامة لا تقل عن 500 جنيه ولا تتجاوز الـ1000 جنيه؛ كل من استغل الدين في الترويج بالقول أو الكتابة أو بأية وسيلة أخرى لأفكار منطوقة بقصد الفتنة أو تحقير أو ازدراء الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي، فيما تنص المادة 161 على أن يعاقب بتلك العقوبات على كل تعد يقع بإحدى الطرق المبينة بالمادة 171 على أحد الأديان التي تؤدي شعائرها علناً. ويقع تحت أحكام هذه المادة كل من طبع أو نشر كتاباً مقدساً في نظر أهل دين من الأديان التي تؤدي شعائرها علناً إذا حرف عمداً نص هذا الكتاب تحريفاً يغير من معناه أو قدم تقليداً أو احتفالاً دينياً في مكان عمومي أو مجتمع عمومي بقصد السخرية به.
وهاهي المادة نفسها اليوم، بعد ثورة شعبية يفترض أنها قامت أولا باسم الحرية، ولا زالت المادة نفسها تستخدم من قبل أشخاص لا صفة لهم. فما هي الصفة التي تؤهل المحامي الذي رفع الدعوى القضائية على فاطمة ناعوت أن يقوم بذلك؟ وما هي الفئة التي يمثلها في الحقيقة؟ هل يمثل عموم المسلمين؟ هل يمثل الإسلام؟ من الذي منحه حق الحديث باسم المسلمين واتهام فاطمة بازدراء الأديان؟ ثم هل عقوبة السجن تعني عدم اقتناع ناعوت بما قالته أو كتبته واتهمت بناء عليه بازدراء الأديان؟

إن هذه الأحداث بالغة الخطورة ستولد أسئلة عديدة وإشكالات أكبر مما يتخيله من يلعبون بالنار اليوم.

في النهاية ليس هذا دفاعا عما تقولهناعوت أو أي شخص آخر، فليس مضمون ما يقال أو يكتب هنا أو هناك هو الموضوع، بل القضية هي الدفاع عن حق ناعوت في أن تقول ما ترى أو تعتقد  طالما تملك الأسانيد، وعلى من يعارض ذلك أن يقدم الحجة والرأي البديل، الدفاع هنا عن حق حرية التعبير، وحرية النقاش، والتفكير، والرد على الرأي بمثله أيا كان، فعقوبة صاحب الرأي لا يمكن لها أن تمنع الناس عن التفكير، أو التوقف عن الجدل، أو عن الرجوع لمصادر التراث، وقراءة المسكوت عنه في نصوص التراث التي تتنافر مع المدونات الرسمية التي يعتبرها أهل السنة موثوقة، حتى لو كانت منقولة عن بشر آخرين وليس لها صفة القداسة، وكذلك الأمر بالنسبة لكل أصحاب عقيدة أو طائفة.
ربما أن ما يجبأن تقوم به الدولة في مصر اليوم اليوم هو الإيعاز بمراجعة كافة القوانين المقيدة للحريات والتي تتنافى مع مواد الدستور، القوانين التي تعرقل حرية الرأي والحرية الشخصية وحرية التعبير وايضا عن الرأي السياسي المعارض للسلطة، كما ينبغي أن تعمل وزارة الثقافة على الضغط من أجل هذا الغرض، خصوصا أن مثل هذه القوانين وضعت أساسا لأسباب سياسية وسوف تستمر كذلك وسيساء استخدامها دائما وأبدا.
الإصلاح الديني يحتاج إرادة قانونية جديدة جنبا إلى جهد الأزهر المأمول ووزارة التعليم، ولا يمكن لأي طرف أن ينتهج إصلاحا من دون إصلاح المنظومة كاملة. أما القمع والإرهاب، فلن يعود على من يقوم به إلا من جنس ما يقوم به.


 نشرت في (النهار) اللبنانية في مارس 2016

Friday, April 1, 2016

شر البلية في قضية قتل وتعذيب الضحية الإيطالية



شر البلية


إبراهيم فرغلي

يقال أن شر البلية ما يُضحك، تمامًا كما التناقضات والسيناريوهات التي تتوالى من وزارة الداخلية في قضية تعذيب وقتل الباحث الإيطالي.
لا أعرف من المسؤول عن تصريحات الداخلية التي لا تثير إلا الشكوك، والغضب؛ بسبب إحساس عائلة الضحية بالاستخفاف بمشاعرهم، ثم إحساس المجتمع المصري بالاستهانة بعقول أفراده، فما بالك بالمجتمع الدولي الذي يترقب نتائج التحقيقات في هذه القضية الخطيرة، ويضع عينه على شرطة مصر وأداءها، خصوصا وأن الشرطة المصرية، مع الأسف، لها سمعة عالمية في مسألة التعذيب، بلغت حدا فضائحيا خلال الفترة التي سبقت اشتعال الانتفاضة على حكم حسني مبارك وأدت إلى إسقاط حكمه بإرادة شعبية عنيدة.

ويبدو أن عددا من أفراد الداخلية يظنون أن غضب المصريين ونقمتهم على الإرهاب والإرهابيين، قد يؤدي إلى تغافلهم عن قضايا التعذيب التي لا تزال مستمرة كما تشير تقارير عديدة، وكما شهدنا من وقائع خلال الشهور الفائتة. وهو ما أظنه تقدير في غير محله، خصوصا وأن حالة الغضب الشعبي، مهما تغاضى البعض اليوم عن كثير من التجاوزات من مبدأ تقدير الأفراد المجدين في جهاز الداخلية ممن يبذلون جهدا بارزا في القضاء على الإرهاب، أو تحقيق الاستقرار، لا تزال تعكس عدم ثقة كبير من الجمهور تجاه رجال الشرطة الذين يتجاوزون في حق الشعب.
وقد كان قرار الإفراج عن "معتقل التي شيرت" كاشفا للكيفية التي تتعامل بها بعض الأجهزة في مصر بتعسف مقصود، قد لا يؤدي سوى للمزيد من الغضب الشعبي تجاه ممارسات الشرطة السلبية، أيا كانت أسبابها: سوء التقدير، أو انعدام الكفاءة، أو التربص، أو غيرها.
نحن في الواقع أمام معضلة كبيرة، فإذا كان التفويض الذي منحه الشعب للرئيس لمحاربة الإرهاب قائم في جانب كبير منه على الثقة في جهاز الداخلية باعتبارها الجهة المتخصصة في هذا الصدد، وإذا ثبت أن هناك دلالات عدم كفاءة عديدة لدى هذا الجهاز، فكيف سيستمر أصحاب التفويض في هذه الثقة بنفس اليقين الذي كان لديهم في 30 يونية؟

هذه السلبيات تتسبب أيضا في إحراج الدولة والنظام أمام العالم، بل أمام المواطنين الذين ينعدم إحساسهم بالأمان بسبب ممارسات غير مسؤولة من أفراد يفترض أنهم مسؤولين مباشرة عن أمن المواطنين.
كما أن الفئات التي تعاني من عدم الكفاءة في جهاز الشرطة، باستخدام وسائل التعذيب التي تغطي بها على عدم قدراتها على الحصول على المعلومات أو أداء واجبها الشرطي بنزاهة، أو حتى لأسباب تعود إلى مشكلات نفسية، تسيئ بشكل مضاعف لأفراد الشرطة أنفسهم في الأقسام التي تقف على خط المواجهة المباشر مع نيران الإرهابيين.
أما الخسائر الفادحة التي يتكبدها الاقتصاد المصري بسبب هذه التجاوزات فقد أصبحت اليوم باهظة، ليس فقط على مستوى التأثير في عدد السياح الوافدين إلى البلد، ولا بسبب هذه السمعة التي تثير مخاوف الكثيرين من دولة لا زالت تعذب البشر. بل وصولا للتأثير سلبا في صفقات استثمارية دولية بينها ما تردد عن انسحاب واحدة من كبريات شركات النفط الإيطالية من عمليات إنتاج الغاز في الحقول المصرية. إصلاح جهاز الشرطة أصبح أولوية وتجارب الإصلاح ليست بعيدة أو مستحيلة، كما رأينا في تجارب العالم، لمن يمتلك الإرادة.


تغريدة .. مقالي الأسبوعي في جريدة القاهرة في 29 مارس 2016

Sunday, March 27, 2016

وداعا للعقل



تغريدة

وداعا للعقل!

إبراهيم فرغلي

أشعر بخسارة مضاعفة مع كل خبر لوفاة عقلاني عربي، في زمن أصبح التفكير فيه خطيئة. زمن يُغتال فيه العقل في عصرنا العربي المكبّل بالغيبيات، والنقل عن ناقلي التراث، وبانتقال جينات الديكتاتورية من السلطة للفرد، ومكبل أيضا، بصلافة المراهقة الفكرية، وشللية القبائل الثقافية!
نعم أشعر بخسارة فادحة لغياب المفكر والمثقف والعقلاني الموسوعي جورج طرابيشي، وإن كنت أعرف أن وفاته، كما الشائع في ثقافتنا، سوف تكون تكأة لإنعاش أفكاره ومشروعه الرائد في نقد مشروع "نقد العقل العربي" للمفكر المغربي الراحل عابد الجابري، مقدما نموذجا فريدا في كيفية وضرورة تخلي حارس المعرفة، أيا كان، عن تقديس آباء المعرفة، المفترضين، وكشف ثغرات مشروعاتهم التي قد تبنى على اقتباسات، أو نقل عن فرع، من دون تمحيص.
نقد "نقد العقل العربي" اقتضى من طرابيشي ربع قرن بالتمام، عاد خلالها لمصادر التراث التي استعان بها الجابري، ليتأمل ويقارن، ويتعرف على مواطن التراث التي جاءت بما يتناقض مع معارفه الشخصية، أو مع ثوابت ووقائع ومقولات تاريخية، كأن يعود لقراءة رسائل إخوان الصفا للتحقق من مقولة عابرة للجابري؛ زعم فيها أنهم أنكروا الفلسفة، وهو ما يتناقض مع الكثير من منجزهم مثلا، وبهذا كان مشروعه الأساس كشف المنطلقات المزيفة في نقد العقل العربي لأجل عقلانية غير مزيفة.

كم مقولة ومشروع فكري نحتاج اليوم لإعادة تأملها وفحصها ونقدها، وخصوصا تلك المقولات التي يتناقلها بعض المثقفين عن الديمقراطية المستلبة من النموذج الغربي، والتي يستخدمونها لمغازلة الغرب، لكي يصفهم بالمستنيرين على حساب فهم الواقع الذهني والثقافي للمجتمع المصري، وبناء الطريقة التي يمكن بها تجذير مفاهيم الثقافة الديمقراطية بعدل كامل بين فئات متنافرة ومتباينة طبقيا وثقافيا واجتماعيا. كيف يمكن تثوير المعرفة في مجتمع تسوده الأمية الأبجدية، ويرفل متعلميه في أمية ثقافية مروعة؟ وكيف يمكن تحقيق مساواة الفلاح الأمي الذي يأتي "أكل العيش" في أعلى سلم أولوياته، مع الثوري النقي المتحذلق المتعالي بقشور المعرفة بلا إدراك حقيقي لجوهرها على تراب هذه الأرض وثقافة أهلها؟ والذي ينادي بالحرية بينما يخلط بينها وبين التحرر؟
كم مقولة نحتاج لإعادة تأملها لتفضح كيف أصبحت الديمقراطية مجرد مقولات مزيفة يستخدمها شارع ثوري مزيف لأجل أن يظل محسوبا على "شلّة الثورة"، ويحقق شعبية عابرة للأجيال، أوخوفا من أن يتعرض للتجاهل والإقصاء عن جنة الديمقراطية الثورية الشابة؟ وجنة المنح والدعوات والمؤتمرات "الديمقراطية" الغربية؟
كم مقولة نحتاج لتمحيصها لندرك أن نقد السلطة وإن كانت واجبا، فإن نقد المعارضة من داخلها فريضة، ومسؤولية من يريد حقا أن يقوّم السلطة أو يقاومها؟ فلا أمل لبناء مدني من دون معارضة قوية.
في كتابه الاستثنائي "من النهضة إلى الردة"، حذر طرابيشي من الغلو في تحويل الديموقراطية إلى معجزة، موضحا أنه بقدر تحولها لمذهب من مذاهب العصر الذهبي، فإنها قد تكون قاتلة لنفسها. فالديموقراطية منطق لا لاهوت، معادلة جبرية لا صيغة سحرية. ومؤكدا أنه من دون "ثقافة الديموقراطية" فإن الإجرائية، أو الشكلانية الديموقراطية، قد تنقلب وبالاً على الديموقراطية نفسها. وبالمناسبة، لم يكن يقصد الدعوة للديكتاتورية طبعا، بل داعيا لتأمل المفاهيم، بل محذرا من ديمقراطية مزيفة قد تهوي بالجميع إلى هاوية.

نشرت في القاهرة في 22 إبريل 2016



Tuesday, March 22, 2016

عن الجنس والكتابة


عن الجنس والكتابة





بين ظواهر المصادرة العديدة التي شهدتها خلال العقدين الأخيرين، كثيرا ما استوقفتني المصادرات أو منع الكتب التي استندت على مبررات تتكيء على الجنس.
 طبعا كل وأي مصادرة بالنسبة لي: صادمة ومذهلة، وتحمل قدرا كبيرا من العنف المعنوي الذي يمارسه الرقيب والتواطؤ معه جريمة لا تقل عن جريمته في رأيي أيا كان التابو.
لكن بالفعل يبدو تابو الجنس بالنسبة لي محيرا. في رواية "أبناء الجبلاوي" يقول كاتب الكاشف، أحد ابطال الرواية، أن الجنس دليل على ديموقراطية النص، وأن النص الخالي من الجنس نص مقموع ومكبوت، وأظنني متفق معه تماما فيما يذهب إليه.
بشكل شخصي لا أعتقد ان هناك قاريء ما في أي مكان وأيا كانت ثقافته، بما فيهم دعاة المصادرة أنفسهم يأنف من القراءة عن الجنس، إلا إذا كان معقدا أو مكبوتا، أو ضحية للنفاق الاجتماعي، لأن الجنس هو في الحقيقة غريزة طبيعية في الإنسان، وليس فيها ما يشين.
 أرغب، منذ فترة طويلة، في كتابة نص إيروتيكي لمجرد التجريب، والتأكد من قدرتي على كتابة نص حر تماما، أخلاقيا، وهي مغامرة لم تكتمل في ذهني بعد لخوفي من ان يكون الجنس بمفرده مملا، ولكن من يعرف فربما أجد يوما الصيغة التي ابحث عنها، كما فعلت في اشباح الحواس بشكل ما.
لكني لا أتوقف عند الجنس، إطلاقا. تلقيت تربية متحررة ومتخففة من الكبت، وقرأت مبكرا عن الجنس، بلا رقيب، وشاهدت المجلات الجنسية والأفلام في سن صغيرة، وعندما قررت الكتابة كنت قرأت "الجدار" لسارتر، وهو أحد الأعمال القصصية التي تاثرت بها كثيرا، خصوصا في الجانب الأوديبي لتشريح الوعي بالجنس بناء على خبرات المراهقة، وكذلك في مستوى الاختلاف في معنى الحميمية والإحساس بالجنس من وجهتي النظر الذكورية والأنثوية، وكذلك في منطقة العقد النفسية وعلاقتها بالجنس، فهذه المجموعة القصصية (نشرت منها طبعة أخرى مختصرة بعنوان الغرفة) تتداخل مع البعد النفسي بشكل عميق، وتأكدت أن الجنس عنصر اساسي في التفكير والوعي والحياة وفي القرارات المصيرية في حياة البشر، بلا تعقيد ولا ادعاء.
في حوار مع الصديق يوسف رخا حول الموضوع، وعن دلالة استخدامي للجنس في أعمالي قلت له: لذلك أنا أعتبر الجنس عندي مثل اللغة أساسي جدا، والسؤال عنه مزعج كأنك تسالني لماذا تستخدم لغة جميلة؟! ومع ذلك فانا أعرف أن اللغة الجميلة وحدها تصنع حالة كتابة من أجل الكتابة، وهذا ليس طموحي، فانا اقدر أن البعد الاجتماعي أوالفكري والسياسي قد يمكن تسريبها جميعا بفنية وبراعة داخل النص على طريقة ساراماجو، وبالتالي النص الجنسي ايضا قد يكون مملا مثل النص اللغوي.
لهذا اظن ان الجنس عندي يدخل في متن النصوص ويتوزع فيها كأي عنصر آخر، وعلى أي حال فيما يلي مقال او بالأحرى تحقيق  صحفي اجريته منذ فترة طويلة ونشر في مجلة "الأهرام العربي" نهاية التسعينات إثر ازمة ما عرف آنذاك باسم "أزمة الروايات الثلاث"، ولا أزال أرى الموضوع صالحا للقراءة اليوم كأنه كتب بالأمس، وليس قبل نحو عشر سنوات:


الجنس في الأدب ازمة مجتمع أم أزمة كتابة؟

أغلب الذين رددوا المقاطع المحظورة من الروايات الثلاث التي صادرها وزير الثقافة ـ فاروق حسني أخيرا بدعوى أنها كتابات بورنو ـ بدهشة كشفوا عن بعد من أبعاد أزمة كبيرة يعانيها المجتمع المصري‏..‏ وهي الازدواجية‏..‏ التي تقبل بالإباحية في الخفاء بينما الإعلان عنها يكون خطيئة ‏..‏ كما كشفوا في نفس الوقت عن أزمة أكبر في تلقي الأعمال الأدبية‏..‏ إذ أن الأدب العالمي في غالبيته العظمي تناول الجنس بدرجات متفاوتة تصل إلي حد الإباحية كما في كتابات هنري ميللر كما أن الأدب العربي المعاصر بدءا من نجيب محفوظ مرورا بإدوار الخراط ويوسف إدريس ثم جيل الستينيات لا يخلو من مشاهد جنسية صريحة‏..‏ فأين هي المشكلة؟ وهل هناك أزمة جنس في الأدب العربي أم أن هناك أزمة جنس في المجتمع؟
الناقد والشاعر د‏.‏ محمد بدوي في مقال كتبه عن الموضوع في صحيفة أخبار الأدب يري أن البعد الأساسي للأزمة يتمثل في انعدام تقاليد القراءة مما يجعل القاريء غير مدرب علي نحو معقول علي التفريق بين أدب وأدب‏,‏ كما أن هذا القاريء المثقل بالكبت سوف يرفض علنا هذه الكتب لكنه سيجهد نفسه لاقتنائها والاطلاع عليها‏.‏
والذين اتهموا هذه الكتابات بأنها بورنو قد لا يعرف التعريف الدقيق له وهو ما فعلته د‏.‏ فريال غزول أستاذ الأدب في الجامعة الأمريكية في ندوة عن حرية التعبير حيث أوضحت‏,‏ أن بورنو منتزعة من كلمة بورنوغرافي وهي مصطلح أجنبي متشكل من جذرين هما ‏graphy‏ وتعني كتابة و‏porno‏ وتعني البغي‏.‏ والكتابة البورنوغرافية لا تقتصر علي ما هو جنسي بل تتاجر بالجنس وتجعل منه سلعة للبيع كما يفعل العاهر أو العاهرة‏,‏ وبالتالي فالبعد التجاري والتكسب أساسيان وهو ما يميز البورنو عن غيره من المجالات ‏(..)‏ ولأن الغاية تجارية في البورنو فالكتابة فيها تبتعد عن التعقيد والتركيب ليسهل استهلاكها‏,‏ وكتابات البورنو لا تكتفي بتقديم مشهد جنسي تقتضيه ضرورة الحبكة بل يكون العمل كله من الغلاف إلي الغلاف مشغولا بالجنس انشغالا كليا‏(..)‏ وأما الروايات الثلاث التي نحن بصددها فوقوعنا علي مشهد جنس لا يزيد علي أماكن قليلة ومتفرقة ولا يقع القاريء علي هذه الفقرات إلا بعد أن يكون قد قرأ عشرات وعشرات من الصفحات مما لا يرتبط بالجنس علي الإطلاق‏.‏
الدكتورة سامية محرز أستاذ الأدب العربي في الجامعة الأمريكية تؤكد أنها تختار الكثير من النصوص لطلبتها لقرائها وقد يكون بها نصوصا جنسية لكنها ليست بورنو لأن البورونو يتعامل مع الجنس بمنطلق تجاري ولا علاقة له بالأدب‏..‏ أو أنه يستدعي إثارة المشاعر الجنسية للقاريء‏.‏
مع ذلك فحتي البورنو يمكن أن يدرس كنوع قائم بذاته مثل الخيال العلمي والروايات البوليسية وأدب الجريمة وغيرها‏..‏ لأن البورنو في النهاية نوع أدبي له سمات وظرائق معينة في البني ويمكن أن يكشف عن مواصفات اجتماعية وسلوكية خاصة بالمجتمع‏.‏
وفيما يتعلق بالروايات الممنوعة ليس بالضرورة أنها جيدة  من حيث المستوى الفني، وهذا ما سيحسمه النقاد في النهاية، لكنها سلكت طرائق تجريبية لابد من تشجيعها حتي لو أنها ناضجة بما يكفي‏..‏ لأنها تمثل قطاعا من الأصوات الجديدة في خريطة الكتابة‏.‏
في كتابه المهم أزمة الجنس في القصة العربية يتتبع د‏.‏ غالي شكري تاريخ كتابة الجنس في الأدب ومدي الكشف أو التستر والترميز الذي يستخدم به الجنس وفقا لظروف العصر ووضع المرأة فيه ‏..‏ فكلما قل وضع المرأة قل التعبير عن الجنس مثلما حدث في القرن الثامن عشر فبهذه النظرة الرومانسية رأي الإنسان الجديد حاجته الملحة تتحول رويدا رويدا إلي حاجة ثانوية‏,‏ بعد أن أحاط المرأة بهالة نورانية من ضوء سماوي خالد وانزوي الجنس من صفحات الأدب الرومانسي إلي الهوامش لأنه لم يصدق أن المرأة ـ هذه القديسة الملائكية ـ يمكن لجسدها أن يحتوي هذه الحاجة الملحة‏.‏ حتي ظهر بلزاك وموباسات وفلوبير وما أسهموا فيه من إعادة الربط بين الحب والرغبة والجنس‏.‏
ثم اختلف الأمر بظهور رواية عشيق الليدي تشاترلي لـ د‏.‏هـ‏.‏ لورانس والتي أثارت ضجة كبيرة لأن لورانس كانت لديه نظرية محورها أن الجنس ليس مظهرا لنشاط الإنسان بل هو أصل هذا النشاط‏.‏

وعندما يتناول د‏.‏ شكري رواية نابكوف الأشهر لوليتا التي تحكي علاقة بين رجل في الأربعين وحبيبة في الثانية عشرة يرصد إحدي فقراتها وفيها يقول الرواي‏:‏إن شبقي الشديد إلي تلك الطفلة كان أول شاهد علي فرديتي الانعزالية المنطوية ويصف د‏.‏ جون راي أستاذ الفلسفة أوصاف الراوي وخيالاته بأنها قد تثير الخجل والذعر عند المنافقين الاجتماعيين لكنها في الحقيقة ليست إلا رواية واقعية تبسط الواقع بصراحة وصدق‏.‏
وفي هذا الكتاب نالت كتابات نجيب محفوظ القسم الأكبر من الاهتمام بدراسة الجنس فيها ثم يحيي حقي وإحسان عبد القدوس ويوسف إدريس وكوليت خوري وليلي بعلبكي‏..‏ ويتراوح بالتأكيد تناوله لدي كل منهم بشكل كبير لكنه كان مقبولا لدي القاريء بشكل عام‏.‏
ومع ذلك فهناك آراء تري أن الكتابة الإباحية استفزازية وسنجد مثلا أن الشاعر الفلسطيني محمود درويش في حواره مع أخبار الأدب يقول في هذا الموضوع‏:‏ مبدئيا لا أعترض علي حرية المبدع في كسر أي تابو لكن ضمن مشروع إبداعي حقيقي أما إذا كان هذا الكسر للاستفزاز فقط ولا يفيد العملية الإبداعية وليس جزءا عضويا من النص يصبح أمرا مجانيا صحيح أنا لا أكتب في هذه الموضوعات أنا شاعر محتشم لكن أحبّ الشعر الإيروسي ‏(..)‏ ولكن لا أحب البورنو أو الأدب الإباحي ليس لأن لي موقفا مضادا للجنس ولكن دفاعا عن الإثارة الجنسية ‏..‏ أفضل الإيروسية علي الإباحية حتي من الناحية الشهوانية‏..‏ العمل الإيروسي يخدم أكثر من العمل الإباحي‏.‏

لعل أفضل ما كتب في التفريق بين الإيروتيكي أو الإيروسي والإباحي ما كتبه الشاعر أوكتافيو باث في كتابه اللهيب المزدوج حيث يقول‏:‏علاقة الشعر باللغة هي علاقة مماثلة لتلك القائمة بين الإيروسية والجنس‏(..)‏ الكلمات لا تقول الشيء نفسه كما في النثر‏,‏ فالشعر لم يعد يتطلع إلي أن يقول بل إلي أن يكون واضعا وظيفة التواصل بين قوسين كما تفعل الإيروسية مع التناسل‏.‏ وكأنه يقول أن الإيروسية هي الجنس الشعري‏.‏
علي النقيض من هذه الآراء يقف د‏.‏ فؤاد زكريا أستاذ الفلسفة والذي كتب في الأهرام‏:‏ إنني لا أتردد بوصفي أستاذا ظل يقوم بتدريس مادة فلسفة الجمال والفن في جامعات مصرية وعربية لمدة لا تقل عن أربعين عاما ـ بالإجابة عن السؤال بالنفي‏.‏
أما السؤال فهو‏:‏ هل يعد التمادي في الحديث عن الجنس والوصف المفصل للتجارب الجنسية نوعا من أنواع الإبداع؟
أما الأسباب التي يبرر بها د‏.‏ زكريا نفيه فيوضحها بقوله‏:‏ إن الإبداع بطبيعته وحسب تعريفه يتعلق بتجربة متفردة لا تتكرر والجنس تجربة عادية ذات أصول بيولوجية يشترك فيها الناس جميعا بل يشتركون فيها مع الحيوانات أيضا فأين الإبداع في هذا؟‏(!!)‏

إن الكاتب الذي يلجأ في عمله الأدبي إلي الوصف التفصيلي المكشوف للجنس يستطيع أن يجد وصفا قد يكون أفضل من وصفه لدي العامل الذي يقدم إليه القهوة والشاي كل صباح ‏(..)‏ وهكذا فإن التوسع في الأوصاف الجنسية ليس تعبيرا عن قدرات الكاتب الإبداعية مادام الجنس تجربة عادية يشترك فيها القادر علي الإبداع الأدبي مع أولئك الذين لا صلة لهم علي الإطلاق بالإبداع‏!!‏ ولا نمتلك سوي علامات التعجب تعليقا علي رأي د‏.‏ زكريا الذي ترجم أهم كتب النقد وعلم الجمال في أوروبا وهو ما تعلق عليه د‏.‏ سامية محرز بقولها لا يوجد أدب إباحي وآخر غير إباحي وإنما أدب جيد وأدب غير جيد والأدب الجيد قد يتضمن مشاهد جنسية أو إباحية لكنها ليست سوي جزء من عمل كبير‏.‏
الدكتورة مني طلبة أستاذ الأدب العربي في جامعة عين شمس تري أن تناول الجنس من أجل الجنس مرفوض بالنسبة لها وتضيف‏:‏ أنا ضد أدب التنفيس والذي يركز علي تصوير قبح الواقع لكن علي أي حال فهذه القضية معقدة لأنها ترتبط بمجموعة كبيرة من العوامل‏:‏ فهناك عوامل متعلقة بالعمل الأدبي الذي يتداخل مع ثقافة الكاتب وقراءاته ومدي إلمامه بالأدب العالمي ومدي الجهد الذي يبذله في الكتابة وتوظيفه للجنس ومدي نجاحه في هذا ومن جهة فالجيل الجديد من الكتاب لا يحظون بالرعاية التي توفرت لجيل الستينيات سواء من مواكبة النقد لأعمالهم وعملية التثقيف‏..‏ إلخ بالإضافة إلي أنهم يكتبون في مناخ لا يهتم بالكتابة‏..‏ لذلك لا يتجهون للقاريء بقدر ما يكتبون من أجل الكتابة‏.‏

 القاريء نفسه الآن لا يجد نوعية تجعله يقرأ عن فهم أو يشاهد فيلما‏..‏ ناهيك عن الهجمة الدينية التي لا تهتم سوي بمن خلعت ثيابها والإباحية بينما تتجاهل المشاكل الأساسية في المجتمع‏.‏
د‏.‏ فتحي أبو العينين أستاذ علم الاجتماع الأدبي في جامعة عين شمس رؤيته لقضية الجنس في الكتابة الأدبية بقوله‏:‏ الأدب في كل مكان في العالم وفي تاريخ الثقافات علي اختلافها اقتحم مجالات من حياة الإنسان وعالجها أدبيا لأنه في النهاية تعبير عن رؤية للعالم يضطلع بها فنان كاتب أقدر من غيره في التعبير عنها‏.‏
وقضايا الثالوث المحرم الجنس والدين والسياسة جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان‏، وبالتالي لا ينبغي أن تكون هناك أي محددات أو عوائق تحول دون الاتخاذ من هذه القضايا خامة أو مادة تعالج أدبيا‏ً،‏ لأن الجنس موجود في حياتنا‏، ونمارسه بأشكال وصيغ تخضع للسياق الثقافي فلا ينبغي حرمان الأدب من التعامل مع أي من هذه القضايا‏.‏
 الأمر يخضع في النهاية للمعالجة الفنية واستخدام الجماليات للتعبير‏,‏ ولكل فنان حريته في الانتقاء بين العناصر الجمالية وبناء عمله الفني سواء كان رواية أم لوحة أم قطعة موسيقية‏.‏
فالسؤال عن إمكانية معالجة الأدب للجنس سؤال غير وارد لأنه يعيدنا إلي الخلف ـ لأنه مسألة مشروعة وطبيعية لأن الأدب يعالج قضايا الإنسان وإحباطاته ووعيه وأفكاره وأحلامه المكبوتة التي يمكن أن تتضمن حتي الحلم أو الرغبة في اختراق المحرمات وهو ما كشفه التحليل النفسي للأحلام بالإضافة للعقد النفسية والجنسية ـ والجنس في النهاية رغبة عادية ومشروعه لدي كل الناس وتتم ممارستها من قبل الجميع وفقا للثقافة السائدة‏..‏ فلماذا يتم تحريمها "فقط" في الكتابة؟‏!‏

وأضيف أن هناك بعض التجارب اللافتة التي تناولت الجنس مؤخرا وأظنها تحتاج لنوع من الرصد مثل تجارب رؤوف مسعد عموما وهي من افضل ما قرأت في هذا الصدد، وأعمال علوية صبح، ثم رواية برهان العسل لسلوى النعيمي، لتأمل الظاهرة بشكل مختلف في ظل غياب الكتابة النقدية عن هذا الموضوع تقريبا منذ تجربة د.غالي شكري المميزة.

التنوير والعقلانية على الفيس بوك



التنوير والعقلانية على الفيس بوك

إبراهيم فرغلي



قبل أن يتحول استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا الموقعين الأشهر فيس بوك وتويتر،إلى ظاهرة، تستغرق اليوم زمنا كبيرا من وقت البشر، خصوصا في عالمنا العربي، كان الاهتمام منصبا بشكل كبير على المدونات، بكل ما تضمنته من ألوان الكتابة، سواء كانت خواطر ويوميات، أو تأملات وأفكار خاصة وذاتية، أو ملاحظات اجتماعية وسياسية، أو فرصة للتعبير عن المحظور أو المسكوت عنه في وسائط النشر الورقية والنمطية، وصولا للأدب والفن.
وكان من السهل ملاحظة مدى الشعبية التي تتمتع بها المدونات، من خلال العدد الكبير من التعليقات التي تتذيل بها تدوينات المدونين في المواقع المختلفة، أو من خلال رصد ارقام المتصفحين للمدونات، عبر خدمة توفرها شركات الإنترنت ويبثها المدونون في صفحاتهم لتأكيد مدى شعبية مدوناتهم أو مقروئيتها، وصولا إلى مسابقات المدونات العالمية، واشهرها جائزة "بوبس" التي كانت تقام بالتعاون منظمة مراسلون بلا حدود، واذاعة دويتش فيلا.
لكن بعد اتساع رقعة الثورات،أو الانتفاضات الشعبية ضد أنظمة الحكم في كل من تونس ومصر وسوريا وليبيا واليمن، وانتقال الحراك الاجتماعي والسياسي إلى مستوى غير مسبوق في أغلب الدول العربية، تحول الجميع تقريبا من التدوين إلى ساحات التواصل الاجتماعي، باعتبارها الوسائل الافتراضية الأكثر تأثيرا والأوسع انتشارا، مع تردد المستخدمين عليها بشكل يكاد يكون مستمرا طوال اليوم، حيث يتم لفت الانتباه فيها إلى مواعيد التظاهرات، أو تأييد فكرة، أو مرشح، أو إعلان وقفة احتجاجية، وغير ذلك من الأنشطة الاحتجاجية المرتبطة بأجواء التمرد والعصيان الجماهيري على الحكومات الانتقالية التي أعقبت سقوط النظم الديكتاتورية التي سقطت في كل من تونس ومصر وليبيا، واحتجاجا على أنظمة أخرى في بقع مختلفة من العالم العربي.

بريق المدونات يخبو

في ذروة الحراك السياسي، تمتعت المدونات ببعض البريق من خلال استغلال الكثير من أصحابها التدوين فيها عما يودون التعبير عنه سياسيا، واغتنام فرصة الاهتمام بالفيس وتويتر لبث روابط المدونات عليها، لتوسيع مجال الاهتمام بالأفكار. وقد اخذت في بدايات الحركات الثورية جانبا تنظيريا مهما، ركز على أفكار لها علاقة بضرورة توسيع الطابع المدني، وكيفية تأسيس أنظمة ديمقراطية، أو توسيع دائرة الاهتمام الشعبي بالانتخابات، وغير ذلك.

لكن بالتدريج، ومع المسارات المختلفة التي اتخذتها حركات الاحتجاج السياسي في كل من مصر وتونس حيث وصلت السلطة الدينية للحكم باسم الثورة، وحتى إسقاط نظام الإخوان في مصر، وارتفاع مواجهة التيار المدني للحكومة الإسلامية في تونس، مع ما صاحب ذلك من صراعات أو توافقات بين الأطراف المختلفة من خارج الدولتين، بدأ الاهتمام بالمدونات يقل كثيرا، وظلت التعليقات المبتسرة على ما يحدث من خلال الوسائط الاجتماعية تأخذ في الاتساع، ولكن حتى على حساب الأفكار الموسعة للأفكار.

هناك عدد من النقاط التي يمكن تأملها  بخصوص ظاهرة الانسحاب من المدونات إلى الوسائط الاجتماعية، من بينها أولا أن تراجع الاهتمام بالمدونات هو في الحقيقة تراجع أيضًا في عملية "القراءة"، إذ أن تصفح المدونات في جوهره عملية قراءة لأفكار أو معرفة أو أدب، إلخ. وهذا التراجع غالبا ما يكون في صالح مساحة جديدة، تبتغي التصفح اللاهث السريع لما يقوم الآخرون في قائمة الأصدقاء في الفيس بوك أو تويتر ببثه، وجلها تعليقات مبتسرة سريعة، بعضها ساخر، وبعضها شخصي وعائلي، وأحيانا قد يكون محتوى البث صور، أو ربما إشارة إلى مقال أو فكرة في صحيفة او لقطة فيديو. بل إن الأمر أخذ بعدا آخر أيضا بعد تحول الساحة السياسية من إرادة جماعية مع التغيير ضد نظم حكم فاسدة إلى استقطابات بين مشروعين إسلامي وعلماني، في مرحلة من المراحل، ثم استقطاب بين مشروع مدني وآخر عسكري كما هو الأمر في مصر الآن مثلا. وفي هذا الاستقطاب ظهر لون من الردود المتبادلة التي تأخذ كثيرا أشكالا من النكاية المتبادلة وليس "الحوار".
ثانيا: لا يتعلق الأمر هنا،كما قد يبدو، بطبيعة الوسيط أي صفحات التواصل الاجتماعي التي قد يعتبر البعض أنها لا تعد وسيلة للتثقف أو القراءة، لأن الفترة التي أعقبت بدء الحراك السياسي وسقوط الأنظمة العربية التي سقطت، شهدت لونا من الحوارات العميقة عن العديد من القضايا السياسية مثل الدستور، وفكرة مدنية الدولة، ومدى أهمية فكرة وجود وزارة ثقافة، أو وزارة للإعلام في مصر، وكان العديد من مستخدمي الفيس بوك يكتبون تدوينات مطولة يبحثون فيها هذه القضايا بالتفصيل، وعبر نماذج تاريخية وأفكار فلسفية وسياسية. وكان التعليق عليها يتخذ مساحات هائلة، مما يعني أن الوسائط الاجتماعية في ذلك الوقت لعبت دورا بديلا للمدونات كمساحة للقراءة الواعية، والنقاش الفاعل، والحوار العقلاني.


الفيس بوك .. مرايا الفشل!

يعني ذلك في تقديري أن ظواهر الخفة الشديدة الطافية الآن على سطح مساحات التواصل الاجتماعي، وسيادة منطق السخرية نكاية في السلطة أو وسيلة لنقد السياسي، وغياب الأفكار يعكس فشل الانتفاضات الشعبية في تعميق أفكارها، وتحويلها إلى خطط عمل، كما يعكس فشل استيعاب الحركات المدنية لأن الثورة ليست مجرد الاعتصام في الميادين، بل هي خطة طويلة الأجل تبنى وتتطور بإنشاء مؤسسات مدنية سياسية واجتماعية تمتلك خطط عمل شاملة لرفع الوعي السياسي للمجتمع، والتأثير في الجمهور لاكتساب أرضية وشعبية تمكنها من تحقيق وسائل ضغط على فلول النظم القديمة ومؤسساته التي يضرب فيها الفساد. ثم تقديم البديل المؤسسي المتخلص من آفات الفساد وسوء التنظيم واللاكفاءة.
بقول آخر، إن ما أثبته هذا الفشل للكيانات الثورية التي تشرذمت، يقول في المحصلة أن سبب الفشل، والإحباط بالتالي الذي أوصلهم لحالة السخرية والنكاية المتبادلة مع الأطراف المتعارضة مع رؤاهم يعود إلى سبب جوهري كان أحد أسباب اندلاع الانتفاضات الشعبية، وهو سيادة ظاهرة انعدام الكفاءة، إما بسبب سوء مستوى التعليم أو بسبب الواسطة والمحسوبية. بمعنى أن القوى التي أطلق عليها القوى الثورية الشابة، لم تتعامل مع الموضوع بشكل يعبر عن نضج سياسي، أو حتى وفقا لخبرات تاريخ الثورات المختلفة، أولاً  بالإصرار على ألا تمثلهم قيادة، وهو ما ثبت فشله في التعامل على توحيد المواقف في أي مرحلة من مراحل الحراك السياسي، والإصرار على تحويل فكرة الثورة من موقفها الثوري إلى منطق المقاومة التي تعتمد على رد الفعل وليس المبادرة وفرض منطقها السياسي. 

التنوير الافتراضي!

أقول هذا حتى أصل إلى النقطة الثالثة الخاصة بظاهرة تراجع تصفح المدونات، والتي كان لها بديلا إيجابيا مهما على صفحات الفيس بوك يتمثل في الدور الذي لعبه عدد من الأفراد، الذين يحسبون على النخبة المثقفة بشكل أو آخر، سواء كانوا أكادميين، أو إعلاميين وكتاب، أو نشطاء سياسيين، والذين رأوا في هذا الوسيط الذي يلقى شعبية كبيرة في التصفح، فرصة لنشر أفكارا يمكن اعتبارها في تقديري افكارا تنويرية، وأظن أن هذا هو الدور البديهي والطبيعي للتنظير في فكرة الثورة والتغيير، من خلال توضيح مواقفهم من الأحداث المختلفة وذلك منذ وصول الإخوان للحكم، وصولا بخروجهم من السلطة وحتى اليوم.

وتتنوع أفكارهؤلاء الأفراد بين التعريف بالفكر المدني العلماني، والبعض يعتمد على نقد الفكر الرأسمالي من خلال تعليقه على الأحداث المختلفة، بينما يتبنى البعض النقد الاجتماعي وربطه بظواهر التاريخ السياسي والاقتصادي في المجتمع.
وهناك من يحاول تأمل العديد منالأحداث والظواهر الإعلامية والتعليق عليها بتحليلها من أكثر من جانب، بما يجعل من فحص وتفنيد وجمع هذه الآراء، لو تم بشكل تراكمي، يقدم ما يشبه سجلا افتراضيا لنوع من العقلانية وأفكار التنوير.
ومن بعض نماذج هذه الأسماءالتي تقدم هذه الأفكار على صفحاتها على سبيل المثال لا الحصر، وذلك في حدود متابعتي الشخصية للحالة المصرية يمكن أن نرى صفحات كل من الدكتور خالد فهمي رئيس قسم التاريخ في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، والدكتور شريف يونس أستاذ التاريخ بجامعة حلوان، د.جليلة القاضي  وحامد عبد الصمد أستاذ الدراسات الإسلامية في برلين، وسيف نصراوي، والكتّاب مثل رؤوف مسعد، مهاب نصر، ناصر فرغلي، خالد البري، وأشرف الصباغ، وبعض النشطاء الساسيين ممن يعملون في حقول الفن أو المجال الحقوقي مثل باسل رمسيس أو خالد منصوروغيرهم. بالإضافة قطعا الى إسهامات بعض رموز التنوير من الكاتبات والتي قد تتخذ تعليقات نقدية مكثفة لكنها تصب في خانة الانحياز إلى وتراكم الأفكار الخاصة بالعقلانية والحرية وتأكيد ذلك فيما يعتقد بوضع المرأة خصوصا من مثل بعض الكاتبات والناشطات مثل سمر علي، ومنى برنس ومي التلمساني وغيرهن. والأسماء هنا أمثلة فقط، ونماذج وليست حصرا دقيقا أو نفيا لغيرهم، لأن هناك إسهامات أخرى عديدة من العديد من المثقفين والنشطاء وخصوصا الشباب.
كتابات هؤلاء الكتاب تمثل لونا من العقلانية والتنوير، لأنها تقدم أو تحاول أن تقدم شكلا من أشكال النقد المشفوع بالتحليل. تقدم رؤى مختلفة كإضاءات لمن يهتم، سواء من الجمهور العادي أو للقوى المدنية والمثقفين. كأنهم يحاولون تقديم الحد الأدنى من المساهمة في إضاءة طريق طويل قد ينتهي يوما بالحرية والديمقراطية والعدالة.
ويختلف هذا الدور عن دور آخر يمارسه الكثير من الكتاب في الصحف، في شكل مقالات ثابتة أو دورية وبعضها له أهمية تنويرية حقا، ولكنها قليلة. وموضع الاختلاف أولا في أن الأفكار التي تكتب على صفحات الفيس بوك قد لا تلتزم بقواعد الكتابة باللغة العربية الفصحى، على اعتبار أن العديد من مستخدمي الفيس بوك يتحاورون إما بالفصحى أو بالعامية أو بلغة وسيطة، مايمنحها صبغة شعبية من حيث القدرات التعبيرية، وبها أيضا قدر من فك تعقيد الأفكار المركبة لكي تتلاءم مع هذه اللغة.
أما موضع الاختلافالثاني بين هذه الأفكار والمقالات الصحفية وبين "تدوينات التنوير" على الفيس بوك، هو حالة النقاش والجدل التي تثيرها الثانية، والتي يصبح كاتبها طرفا أساسيا فيها مع أطراف أخرى من قوائم أصدقائه ممن قد يتفقون أو يختلفون مع الطرح، مما يوسع من أطر وزوايا النظر لهذا الموضوع أو ذاك.
وأهمية هذه الطروحات في تقديري أنها تؤسس للتغيير، أو تفتح الطريق لأسس الحوار العقلاني ومناقشة كافة الثوابت السياسية والاجتماعية التي سادت بفضل الفراغ السياسي والفكري الذي استمر أو امتد على مدى عقود طويلة.
وأعتقد أن مثل هذه الأفكار رغم اهميتها اليوم باعتبارها وسيلة لمناوشة أفكار واهتمامات جمهور مختلف المشارب على الفيس بوك، لكنها ربما ستختمر أكثر وربما تتطور أو تلهم آخرين لتكوين أفكار مهمة في ترسيخ وتجذير مفاهيم العقلانية والتفكير في المستقبل.

عصر الأنوار

وهذا تقريبا الدورالذي لعبه رموز التفكير والتنوير في عصر التنوير في القرن الثامن عشر، أنه لم يؤجج الثورات في اوربا بقدر ما أسس لأفكار مختلفة خلقت موجات من الإصلاح السياسي والفكري والديني والاجتماعي من جهة، وساهمت، من جهة اخى طبعا في انتقال الثورات من بلد لآخر أيضا تأسيسا على دعائم فكرية وعقلانية.
ومن المناسب هنا تعريف القارئ أو تذكيره بأن عصر التنوير هو حركة ثقافية  فكرية بدأت في أوربا أواخر القرن السابع عشر، استهدفت إعلاء شأن العقلانية والفردية على حساب المفاهيم التقليدية وكان الغرض منها إصلاح المجتمع باستخدام الأسباب العقلية، لتحدي الأفكار ترتكز على التقاليد والأفكار المرتكزة على النقل، وعلى دفع عجلة المعرفة من خلال المنهج العلمي.  لتعزيز الفكر العلمي والشك، والتبادل الفكري. وكان التنوير ثورة في الفكر الإنساني. إذ انه جسد وسيلة جديدة للتفكير العقلاني الذي يستخدم المنطق الصحيح للوصول إلى استنتاجات ، واختبار الاستنتاجات ضد الأدلة، ومن ثم تنقيح المبادئ في ضوء الأدلة.

وبالرغم من مرور ما يقرب من نحو ثلاثة قرون على بدء عصر التنوير أو عصرالأنوار فإن تلك الحقبة المهمة لا تزال تشغل بال المؤرخين والمفكرين في الغرب لأهميتها الشديدة في ترسيخ أفكار  تمجد العقل والحرية وتبشر بقيم الانعتاق من نير الاضطهاد باسم المطلق اللاهوتي أو باسم الحقيقة القديمة أو باسم الحاكم بأمره الفردي المدعوم بعصمة الكنيسة. وارتبطت بأسماء عدد من المفكرين الكبار مثل إيمانويل كانت الذي يعد أول من قدم صياغة تعريفية لفكرة التنوير، وجان جاك روسو وفولتير وديفيد هيوم ومونتسيكو وغيرهم حتى ذهب المفكر الفرنسي تودوروف  للقول بأن الأنوار هي في آخر التحليل فكرة الاستقلالية والتحرر من أشكال الوصاية التي تفرض على الجميع نفس أسلوب التفكير والممارسة. ويؤكد "تودوروف" أن الوصاية قد اتخذت حينها شكل هيمنة دينية باسم الكنيسة مما يجعل الاستقلالية تحمل بعدين يتمثل الأول في استقلال الفرد في إدارة حياته الشخصية ويحيل الثاني إلى استقلالية المجموعة وحقها في إدارة شؤونها باشتراع القوانين المنظمة لحياتها وتعيين من يدير سياسة البلاد بكل حرية.
وقد عمل  فكر الأنوار، عبر إسهامات العديد من المفكرين الكبار في كل من فرنسا وانجلترا ثم ألمانيا وباقي أوربا على تحديد العلاقة بين حرية الفرد واستقلاليته وحرية المجموعة واستقلاليتها بصياغة شروط التوافق بين المصلحة العمومية التي تحد من النزعات الفردية المنفلتة وبين مصالح الذات. ولعل ذلك فعلا ما سيترجم في بروز نظريات التعاقد الاجتماعي وعلاقات السيادة بالمواطنة.
كان عصر التنوير وما أنتجه من أفكار وضعية وعقلانية ملهماً لعدد من الثورات الاجتماعية والسياسية شهدتها أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أسفرت عن قيام الدولة الحديثة بالصورة التي نعرفها اليوم في الغرب. وقد ارتكز قيام هذه الدولة على وجود بيروقراطية، وقيام جيش كمؤسسة قوية ومتمتعة باستقلال نسبي، وسيادة جو من العقلنة في التنظيم. وقد سادت في هذه الدولة أنظمة سياسية بديلة من أنظمة القرون الوسطى، بحيث قامت هذه الأنظمة بانتزاع الصفة الإلهية عن سلطة الملوك فاصلة الدين عن الدولة.
شكلت هذه الحركةأساسا وإطارا للثورة الفرنسية ومن ثم للثورة الأمريكية وحركات التحرر في أمريكا اللاتينية. كما مهدت هذه الحركة بالتالي لنشأة الرأسمالية ومن ثم ظهور الإشتراكية لاحقا. كما أنها مهدت للعديد من ثورات الفكر التي أدت لحركة علمية وفلسفية قوية وتسببت في نشأة العديد من النظريات السياسية الجديدة والأفكار الاقتصادية والكشوف العلمية والجغرافية وهو ما أثر على تقدم البشرية بشكل عام وبالرغم من أن المنطقة العربية قد عرفت العديد من حركات الإصلاح في بدايات القرن الماضي أسهمت في تحرير المنطقة العربية من نير الاستعمار، لكن أغلب الحكومات المحلية التي تسلمت السلطة من المستعمر الغربي تحولت إلى نظم شمولية عادت بالمجتمعات العربية الى الفترات التي تذكرنا بمجتمعات ما قبل الثورات في الغرب، وهو ما يجعل من تلك الفترة اليوم محلا للتحليل والتنقيب وإعادة القراءة، لفهم وقراءة، ما يدور على الساحة العربية اليوم، ومن هنا تأتي الأهمية الشديدة لأفكار التنوير والعقلانية على ساحات الوسائط الاجتماعية الافتراضية.

 نشرت في مجلة العربي - زاوية (ثقافة الكترونية) – يونية 2014