Saturday, March 19, 2016

أبيض ..أحمر

تغريدة

أبيض..أحمر!

تذكرت عنوان أولى قصصى المنشورة، عاليه، وأنا أستعيد عددا من الحوارات التى جمعتنى بأصدقاء؛ بعضهم أكاديميون، وبينهم كتاب رواية ومترجمون وشعراء، هالنى أن المشترك فى أغلب تلك الحوارات التى جمعت بينى وبينهم إصرار على إسباغ سمة واحدة وحيدة على الطرف محل انتقادهم. لو كان عبدالناصر مثلا فهو بالنسبة لمنتقديه، شيطان أوقع مصر فى كوارث كبرى، دون التفات لأى إنجاز أو مشروع قومى أو ثقافى أو صناعي. لو الكلام عن الجيش فهم أيضا نموذج للتسلط والديكتاتورية دون إيلاء أى عنصر آخر للدور الوطنى للجيش على مدى تاريخه، لو الحديث عن نص أحمد ناجى الذى تعرض بسببه إلى السجن، وفيما نناقش أن الأولوية الأولى الآن هى الكلام عن إشكالات التشريع وتعارضه مع روح الدستور، والعقلية المحافظة لرجال القانون والنيابة، فيتحول الحوار إلى تقديس نص ناجي، والقائمة طويلة. والخلاصة الآن أن الذهنيات التى تتحدث باسم الحرية والليبرالية والحرية الأكاديمية وحرية الرأى والتعبير، فى الحقيقة لا تحتمل أى خلاف، ولا تستطيع أن ترى أى مسألة إلا من خلال ذهنية الإخوان الراديكالية: الحلال والحرام، أو ذهنية المثالية الرومانسية الراديكالية : الأبيض والأسود.

فى الحقيقة، ولولا بعض الاستثناءات التى لا تزال تحترم الاختلاف ولا تضع أفكار الشخص مقابلا لوجوده، وتقوم بإقصاء المختلف ونبذه بضغطة زر، فإن الغالبية ترى فى الخلاف مبررا لخسارة أى شخص أو صديق أو زميل، طالما أنه لا يتمتع بنفس آلية تفكيرهم. إقصاء قادم من ثقافة «الخلاف» لا «الاختلاف»، واحتقار الآخر على الرأي، بعد الطائفة والمذهب والعقيدة. ثقافة الإقصاء بدلا من الحوار.

لكن من المسئول عن هذا كله بينما تتوالى الخسارات كما نرى على أرض الواقع على حساب حرية التعبير؟ فى اعتقادى بأننا كلنا مسئولون، نحن مجتمع يعيش اليوم مراهقة متأخرة، وللأسف فإن الأعلى قدرة على استعراض مراهقته هو الأعلى صوتا، وهكذا يغيب صوت شخص نبيل مثل مجدى يعقوب الذى يعيش من أجل إنقاذ حياة البشر، بينما لا يعلو إلا صوت بعض أعضاء البرلمان الذين يتراوح كلامهما بين الفحش والبذاءة. يغيب صوت الإعلامى الناضج المتوازن لصالح أصوات مراهقى الإعلام؛ الذين يتصورون أن الإعلام مصاطب لاستعراض آرائهم الشخصية على الجمهور، وكلها آراء تافهة وسطحية. يغيب صوت رجال الشرطة الذين يقدمون أرواحهم من أجل القضاء على بؤر الإرهاب، بينما يعلو صوت مراهقى الشرطة الذين يعانون عقد النقص والدونية وقلة التربية ويعبرون عنها فى ظلم البشر والتربص بالمواطنين، وتعذيب البشر بحقارة. يغيب صوت المثقفين الذين يمتلكون الرؤى لصالح مراهقى الثقافة الذين يتشدقون بالقشور ويغازلون الغرب. ويغيب صوت السياسى المعارض المدرك أنه لا ديمقراطية دون عمل سياسى منهجى وعلمى وأحزاب، بينما يعلو صراخ وسباب مراهقى الشارع الثورى الذين استعاروا المصطلحات من الكتب دون أى محاولة لاختبار الكيفية التى يمكن بها أن تتحقق على أرض الواقع بعمل مدنى منظم.


أما الكارثة الكبرى فتعود لمنظومة تعليم مأساوية لا يمكن إلا أن تنتج هذا العدد من المراهقين، لا معرفة حقيقية، ولا تخصص، ولا منهجية، ولا شيء. هكذا نعيش زمن الأبيض والأحمر فى عالمنا العربى السعيد.

صفرا إفريقيا

تغريدة
صفرا إفريقيا
إبراهيم فرغلي

منذ خروج مصر الفضائحى من قرعة تنظيم كأس العالم التى فازت بها جنوب إفريقيا بجدارة ونحن نتندر على الصفر العظيم وعلى دلالاته المذهلة حول وضع مصر إفريقيًا وتراجع دورها الذى كان مشهودا خلال الفترة الناصرية واكتفى الجميع بذلك، إذ استمرت العلاقة الوحيدة القائمة تقريبا مع إفريقيا من خلال أنشطة الرياضة القارية ويا للمفارقة!

ورغم قوة صفعة الصفر الشهيرة، لم ينتبه أحد آنذاك للأهمية، ثم للكيفية التى ينبغى أن تستعيد بها مصر مكانتها فى إفريقيا، حتى جاءت الصفعة التالية أقوى بكثير؛ لأنها فى هذه المرة تخص مستقبل المياه التى ستتوفر لحياة الأجيال القادمة، ممثلة فى أزمة سد النهضة فى إثيوبيا.

اكتفى الإعلام المراهق بإثارة هوجة «مهرجانات الوفود الشعبية» كهبة ريح انتهت بلا أى أثر، بالرغم من أهمية هذا التأثير الشعبى المتبادل على المدى الطويل.

لكن من المهم، فى هذا السياق، الإشارة إلى ظاهرتين جديرتين بالاهتمام، ويمكن البناء عليهما، أولاهما مؤتمر «إفريقيا فى قلب مصر» الذى عقد برئاسة الدكتور جابر عصفور، وزير الثقافة الأسبق، بينما تولى رئاسة أمانته العامة الدكتور محمد عفيفى الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للثقافة، فقد أتاح المؤتمر التعريف بعدد من وجوه الفن الإفريقى فى السينما والمسرح، وأتاح، بعد غياب طويل، الفرصة لاحتكاك المناخ الثقافى المصرى بإفريقيا والتعريف بمن يهتم بالثقافة الإفريقية من المثقفين والمبدعين المصريين أيضا. أما الظاهرة الثانية فتتعلق بحدث سيقام على ما أظن بعد عدة أيام تحت عنوان مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية، وهو ما سيتيح للجمهور المصرى التعرف على جانب خفى وخصب من الثقافة الإفريقية عبر الأفلام التوثيقية. وربما يمكن فى مراحل مقبلة التوجه لصناعة السينما الإفريقية التى تشهد مثلا موجة لا تقل أهمية وثقلا عن موجة بوليوود الهندية فى نيجريا والمعروفة باسم سينما «نوللى وود» ولو بتسليط الضوء على التجارب غير التجارية فيها فى أرجاء قارة إفريقيا.

maaza mengiste



لكن هذا الجهد فى الواقع ينبغى أن يبنى عليه من خلال التوجه لترجمة أبرز اعمال كتاب القارة وبينهم قامات مرموقة فى الأدب، قد لا نعرف منهم سوى ما وصلنا عبر ترجمات المركز الأوربى مثل شينوا آشيبي وول سوينكا أو الصومالى نور الدين فارح وكتّاب جنوب إفريقيا الحاصلين على نوبل مثل كويتزى والكاتبة الراحلة نادين جوردينر. بينما يفوتنا طابور طويل من المبدعين من أجيال مختلفة، بينهم مثلا ممن أتمنى أن تُترجم ولو رواية من رواياتها الست، الكاتبة الزيمبابوية إيفون فيرا Yvonne Vera (1964-2014) أو الكاتبة النيجيرية الشابة شيماماندا ناجوزى أديتشي Chimamanda Ngozi Adichie، أو الكاتبة ماآزا مانجيستو الإثيوبية، وغيرهم الكثير ممن ستضيق المساحة هنا عن ذكرهم.

Yvonne Vera

السؤال هو لماذا لا تدعو مصر مجموعة من أبرز شعراء إفريقيا وإقامة أمسية شعرية كبيرة هنا تتم فيها ترجمة القصائد فوريا خلال إلقائها أو إتاحتها مترجمة للجمهور أو إقامة ندوة موسعة للأدب الإفريقى المعاصر؟


إفريقيا تمتلئ بالثقافة الشعبية والفلكلور والأدب الرفيع وفى التعرف عليها إضافة ثقافية مهمة لمجتمعنا الذى يحتاج للانفتاح على الآخر، شمالا وجنوبا، خصوصا أن الجنوب على وجه التحديد سيكون ذراع مصر القوية لاستعادة دورها المهم فى إفريقيا ثقافيا وسياسيا واقتصاديا.

نشرت في جريدة القاهرة في 15 مارس 2016

Tuesday, March 15, 2016

القرصنة الالكترونية.. تغيير جديد لخارطة القوة في العالم!


 القرصنة الإلكترونية..

 تغيير جديد لخارطة القوة في العالم!





إبراهيم فرغلي


قبل نحو شهرين، لعبت الثقافة الافتراضية والقرصنة والتجسس دورا كبيرا في توتر العلاقات بشكل غير مسبوق بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا. كان ذلك تحديدا  في 11 أغسطس الماضي، حين أعلن البيت الأبيض عن إلغاء قمة مفترضة بينالرئيس الأمريكي باراك أوباما ونظيره الروسي، وهو اليوم الذي شهد قبول روسيا طلب اللجوء السياسي الذي تقدم به إدوارد سنودين، خبير المعلومات الأمريكي، والموظف السابق والعميل في وكالة الاستخبارات الأمريكية، والذي كان قد ظل معلقا في مطار العاصمة الروسية لعدة أيام على أمل قبول طلبه للجوء السياسي.


ادوارد سنودن



أما الاتهام الذي وجهتهالولايات المتحدة إلى سنودين، في 21 يونية الماضي، واضطر بسببه لبدء رحلة البحث عن ملجأ آمن خارج وطنه فقد تمثل في: التجسس وسرقة ممتلكات حكومية ونقل معلومات تتعلق بالدفاع الوطني دون إذن، والنقل المتعمد لمعلومات مخابرات سرية لشخص غير مسموح له بالاطلاع عليها.

وجاءالاتهام بناء على قيام سنودين، في اثناء عمله مع وكالة الأمن القومي، بتسريب مواد مصنفة على أنها سرية للغاية، منها برنامج بريسم إلى صحيفة الغارديان وصحيفة الواشنطن بوست.
أما برنامج "بريسم" PRISM  فهو برنامج تجسس رقمي مصنف بأنه سري للغاية يُشّغل من قبل وكالة الأمن القومي الأمريكية. وهو، وفقا للمستندات التي سربها سنودن، برنامج يتيح مراقبة معمقة للاتصالات الحية والمعلومات المخزنة، ويمكّن من استهداف أي عميل لشركة منخرطة في برنامج بريسم، في حال كان هذا العميل يسكن خارج الولايات المتحدة، أو كان مواطنًا أمريكيًا له اتصالات تتضمن محتويات وخصوصا من له اتصالات بأشخاص خارج الولايات المتحدة.

وبالنسبة  للبيانات التي يقالأن بريسم يمكِّن من الحصول عليها فتتضمن، رسائل البريد الإلكتروني، ومحادثات الفيديو والصوت، والصور، والاتصالات الصوتية ببرتوكول الإنترنت، وعمليات نقل الملفات، وإخطارات الولوج وتفاصيل الشبكات الاجتماعية.
الجدير بالذكر أن الرئيس الأمريكي أوباما أعلن في مؤتمر صحفي عشية إعلان إلغاء القمة الروسية الأمريكية عن نيته، في نفس الوقت، إعادة النظر في القوانين الخاصة بمكافحة الإرهاب، في إشارة ضمنية للرد على محتويات برنامج بريسم؛ الذي يبدو جليا أنه يمكن الأمن القومي الأمريكي من اختراق خصوصية الكثير من المواطنين الأمريكيين.
كانت هذه هي إحدى أبرز الأحداث التي تلعب فيها شبكة الإنترنت دورا كبيرا من حيث قيام عميل في المخابرات الأمريكية بتسريب معلومات عن برنامج استخباراتي سري.

من سنودين إلى اسانج






كان قد سبق هذه الواقعة المشهودة، الحدث الذي شهد اهتماما كبيرا من أرجاء العالم، وتحديدا في إبريل 2010، حين قامت ويكيليكس (وهي منظمة دولية غير ربحية تنشر تقارير وسائل الإعلام الخاصة والسرية من مصادر صحفية وتسريبات إخبارية مجهولة. بدأ موقعها على الإنترنت سنة 2006 تحت مسمى منظمة "سن شاين" الصحفية)  بنشر مشهد فيديو عن ضربة الطائرة في 2007 التي قتلت فيها قوات أمريكية مجموعة من المدنيين العراقيين والصحفيين، ونشرت ويكيليكس هذا الفيديو على موقع على شبكة إنترنت يسمى Collateral Murder .

وفي يوليو من العام نفسه سربت ويكيليكس يوميات الحرب الأفغانية، وهي مجموعة  مستندية لأكثر من 76900 وثيقة حول الحرب في أفغانستان لم تكن متاحة للمراجعة العامة من قبل. ثم سربت في أكتوبر 2010 مجموعة مكونة من 400000 وثيقة؛ فيما يسمى بسجلات حرب العراق بالتنسيق مع المؤسسات الإعلامية التجارية الكبرى، حيث سمحت تلك الوثائق بإعطاء فكرة عن كل وفاة داخل العراق وعلى الحدود مع إيران. وفي نوفمبر 2010 بدأت ويكيليكس بالإفراج عن برقيات الدبلوماسية للخارجية الأمريكية.
أدى ذلك بطبيعة الحال الى استهداف شخصية مؤسس ويكيليكس، خبير تقنية المعلومات والإنترنت الأسترالي ويليام أسانج.  ولم يكن منشئي ويكيليكس معروفين رسميا، باستثناء أسانج. فقد أظهر جوليان أسانج هذه الهيئة المختصة بتسريب معلومات عبر الإنترنت، ومن معه إلى العلن بداية من يناير 2007. ووصف أسانج نفسه بأنه عضو في مجلس ويكيليكس الاستشاري وإن قالت تقارير إخبارية في أستراليا بأنه مؤسس ويكيليكس. ووفقا لمجلة "وايرد" فإن أحد المتطوعين قال إن أسانج قد وصف نفسه في جلسة خاصة بأنه "قلب وروح هذه المنظمة فهو المؤسس والفيلسوف والناطق الرسمي والمبرمج الأصلي والمنظم".
وصرحت الويكيليكس أن "مهمتها الأساسية فضح الأنظمة القمعية في آسيا والكتلةالسوفيتية السابقة، ودول جنوب الصحراء والشرق الأوسط، لكن نتوقع أيضا أن تكون هناك مساعدة لأناس حول العالم ممن يرغبون في الكشف عن سلوكيات غير أخلاقية في الحكومات والشركات".

وأدى هذا الحدث الذينشرت بمقتضاه تفاصيل العديد من البرقيات بين الخارجية الأمريكية والسفراء الأمريكيين في العالم إلى العديد من الفضائح السياسية في أرجاء

العالم، طرفها الرئيس هو الدبلوماسية الأمريكية، أما الأطراف الأخرى فهي دول منالمنطقة العربية وآسيا وأوربا، وهو ما أثار الجدل مرة أخرى حول تفسير ما قام به أسانج، ومدى كونه يخضع لمفاهيم حرية التعبير، أم أنه يتجاوز القوانين التي تقضي بسرية الوثائق الدبلوماسية والأمنية.


حرية الصحافة أم الأمن القومي؟



لكن أسانج اغتنم فرصة ظهوره في إحدى المقابلات التلفزيونية  ليشرح مفهومه  لحدود الحرية بالقول أنها ليست الحرية المطلقة بالتأكيد، وأنها تعني ماتقرره الحكومة وينظمه القانون، لكن وثيقة الحقوق في دستور الولايات المتحدة تقول ان الكونغرس لم يسن أي قانون يحد من حرية الصحافة، وحرية الصحافة تعني أنها تسمو فوق القانون لأنها في الحقيقة هي التي تصنع القوانين، فأي دستور أو أي جزء من القانون يستمد وجوده من حرية تدفق المعلومات.
وفي سبيل الدفاععن منطق اسانج علق الكثير من المعلقين بالقول أن الجرم لا يتحمله أسانج الذي نشر معلومات أتيحت له، لكن المجرم الحقيقي هو من قاب بتسريب هذه الوثائق من وزارة الخارجية أو من أي جهة أخرى.


وبعيداعن التفاصيل، يمكننا هنا أن نرى في نموذجين مختلفين من عملية تسريب المعلومات كيف أن الشبكة الدولية للمعلومات تقوم بغربلة بعض المفاهيم المستقرة، وبشكل حاد وصارم. ففي حالة العميل إدوارد سنودين نجد أنه رأى في الإدارة الأمريكية في عهد بوش اختراقا لمفاهيم الديمقراطية التي تضمن الحرية الشخصية لأفراد المجتمع، وحين جاء أوباما كان قد تفاءل باعتبار أن أوباما سوف يقوم بتصحيح هذه الأوضاع، وهو ما شرحه في مواضع ونشرتها وسائل إعلامية مختلفة، لكنه حين رأى أن أوباما يسير على نهج سلفه قرر أن يقوم بتسريب البرنامج السري الذي يخترق الحريات الشخصية للمواطنين للصحافة الأمريكية.
أي أن الجريمة التي تراها الإدارة الأمريكية اختراقا لسرية معلومات الأمن القومي، هي من وجهة نظر سنودين مجرد وسيلة لفضح اللاشفافية والمخالفة الدستورية لجوهر الديمقراطية الأمريكية التي يضرب بها العالم المثل.
وتقريبا هو نفس الهدف الذي يصل إليه أسانج عبر تسريب الوثائق السرية التي يثبت بها كيف تتدخل الولايات المتحدة في شؤون العالم، وكيف تدير مشروعها للهيمنة على الدول الصغيرة في العالم النامي، وفي علاقاتها حتى مع الدول الغربية. بينما تتدخل في كل كبيرة وصغيرة في ارجاء العالم بدعوى الدفاع إما عن حقوق الإنسان أو عن الديمقراطية.
لكن أسانج أيضا أوضح أن جزء من هدف ويكيليكس، إن لم يكن هدفها الرئيس هو ضمان منع تعرض الصحفيين للسجن عند قيامهم بتسريب معلومات أو وثائق.وهدف المنظمة المحدد هو ضمان عدم سجن المخبرين والصحفيين لإرسالهم وثائق حساسة أو سرية عبر البريد الإلكتروني، كما حدث للصحفي الصيني شي تاو، الذي حكم عليه بالسجن 10 أعوام سنة 2005 بعد نشر رسالة بالبريد الإلكتروني من مسؤولين صينيين حول ذكرى مجزرة ساحة تيانانمن.

العقل والضمير في مواجهة الأخلاق



إن هذه القضية في الحقيقة تفتح الباب واسعا أمام فكرة أن التجسس هنا لم يعد مجرد عمليات تمس الأمن القومي في دولة أو أكثر، بل هو يمارس من قبل أفراد مستقلون لفضح ممارسات دولة أو اخرى تتعارض مع المواثيق الدولية المعلنة، أي أنه صراع الضمير والعقلانية ضد أخلاقيات دول ترفع الشعار الأخلاقي علنا وتمارس ضده سرا.
لكن ما تثيره هذه الظاهرة أيضاً أن العلاقات الدولية في ظل ظاهرة التجسس السيبرنطيقي، أو التجسس الافتراضي، أي عبر استخدام الوسائط الالكترونية، يمكن أن يأخذ هذه الدول إلى مستوى مختلف من العلاقات، والتوتر بين روسيا والولايات المتحدة دليل ماثل أمامنا اليوم، ولكن قبل ذلك لا يمكن أن ننسى أنه طالما كان هناك اليوم أفراد قادرون على فك الشفرات واختراق المواقع فما الذي يمنع إذن أن تصل الصين إلى بعض الأسرار التقنية العسكرية في الولايات المتحدة مثلا؟
ثم هل يمكن أن تكون نتائج مثل هذه القرصنات وعمليات التجسس الالكترونية المتبادلة مؤثرة في تغيير صورة دولة ما؟ او الإخلال بهيبتها؟ إنها أسئلة مهمة لكن إجابتها لا تزال اليوم تتراكم في الخفاء.
تفتح هذه القضايا الباب واسعا لتأمل كيف تطورت فكرة التجسس أو القرصنة على الإنترنت من مجرد كونها عمليات استيلاء على مواقع الكترونية إما للاستفادة من المعلومات التي تحتويها، أو حتى لتشغيلها لصالح القراصنة إلى أن تصبح لها أهداف ذات طبيعة أخلاقية، وهو ما ينبغي لأجله أن نتتبع مفهوم وتاريخ فكرة القرصنة على شبكة الإنترنت.
والمعروف اليوم أن القرصان الافتراضي أو الـ(هاكر) Hacker هوالمختص المتمكن من مهارات في مجال الحاسوب وأمن المعلوماتية. واطلقت كلمة هاكر أساسا على مجموعة من المبرمجين الأذكياء الذين كانوا يتحدوا الأنظمة المختلفة ويحاولوا اقتحامها، وليس بالضرورة أن تكون في نيتهم ارتكاب جريمة أو حتى جنحة، ولكن نجاحهم في الاختراق يعتبر نجاحا لقدراتهم ومهارتهم. إلا أن القانون اعتبرهم دخلاء تمكنوا من دخول مكان افتراضي لا يجب أن يكونوا فيه. والقيام بهذا عملية اختيارية يمتحن فيها المبرمج قدراته دون أن يعرف باسمه الحقيقي أو أن يعلن عن نفسه.
ولكن بعضهم استغلهابصورة إجرامية تخريبية لمسح المعلومات والبعض الآخراستغلها تجاريا لأغراض التجسس والبعض لسرقة الأموال.

هنا وجدت الكثيرمن الشركات مثل مايكروسوفت ضرورة حماية أنظمتها ووجدت أن أفضل أسلوب هو تعيين هولاء الهاكرز بمرتبات عالية مهمتهم محاولة اختراق أنظمتها المختلفة والعثور على أماكن الضعف فيها، واقتراح سبل للوقاية اللازمة من الأضرار التي يتسبب فيها قراصنة الحاسوب. في هذه الحالة بدأت صورة الهاكر في كسب الكثير من الايجابيات. إلا أن المسمى الأساسي واحد. وقد أصبحت كلمة هاكر تعرف مبرمجا ذا قدرات خاصة يستخدمها في الصواب كما يمكن استخدامها في الخطأ.
قراصنة إيجابيون ومع ذلك فالمعروف اليوم ايضا أن الدور الذي يقوم به القراصنة في البناء في شبكة الإنترنت، وفي ممارسة أعمال إيجابية ربما تكون اكثر بكثير من الدور السلبي، وعلىسبيل المثال أسهم  قراصنة الحاسوب أو الهاكرز في تصميم بنية وتقنيات الإنترنت، ومازالوا يقومون بالكثير من الجهود لتحسين بنية الشبكات وتطوير التقنيات المستخدمة في التشبيك. كما أنهم قاموا ويقومون بالكشف عن عيوب أمن المعلومات، وعرض الحلول لها وبذلك الحماية من المستخدم السلبي،  القيام بإنجاز مشاريع مفتوحة المصدر، وعرضها مجاناً على الإنترنت مثل نظام تشغيل لينكس،أو تقديم استشارات أمنية لكبرى الشركات مثل مايكروسوفت، وشركات بناء الطائرات، والمؤسسات الصناعية الكبرى، وكذلك أرشيفات المعلومات الحكومية، لمنع سلب تصميمات الأجهزة والآلات من قبل منافسين على المستوي الوطني أو المستوى الدولي، ومنع دخول العابثين إلى شبكاتهم التي تحتوي على مسائل سرية أو حساسة ومنع التخريب.
وقد أشرتفي موضوع سابق في هذه الزاوية قبل عدة سنوات إلى أن ما نعرفه باسم "فيروس" هو برنامج من تصميم أحد الهاكرز يمكنه الدخول على ملفات مستخدمي الكمبيوتر واختراق الحسابات الخاصة بهم، ولذلك فإن برامج مقاومة السلب الالكتروني هي أيضا تعتمد على هؤلاء المبرمجين لأنهم يعرفون اسرار برامج "الفيروسات"وبالتالي يمكنهم برمجة برامج جديدة تفك شفرات تلك الفيروسات.



وهناك إقبالشديد من قبل الشركات المختصة في أمن المعلومات والأمن القوميوالمؤسسات النوويةوالبنوك وغيرها اليوم على تظيف مختصين على درجة عالية من المهارة، خصوصا بعد أن طور الكثير من الهاكرز السلبيين من طريقة عملهم بحيث يتمكنوا من اختراق العديد من البرامج على شبكة الإنترنت، ولعل نموذج كيفين متنيك هو أحد اشهر نماذج هؤلاء الهاكرز الخطرين، والذي ادت أعماله في اختراق نظم محاسبية والكترونية لعدد من الشركات والمؤسسات الضخمة إلى اعتباره أحد الأشخاص الأكثر خطرا في العالم.
وهو أحد أشهر مخترقي الأنظمة الذين تم سجنهم. تم اعتقاله من قبل مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكيFBI في 15 فبراير 1995. تم تجريمه بالتلاعب الإلكتروني واختراق أنظمة الحاسوب لدى كل من فوجيتسو وموتورولا ونوكيا وصن مايكروسيستمز. قضى ميتنيك خمسة سنوات في السجن (اربعة منها قبل المحاكمة)، 8 أشهر منها في الحبس الانفرادي، وتم إطلاق سراحه في 21 يناير 2000. وخلال فترة مراقبته بعد إطلاق سراحه، والتي انتهت في 21 يناير 2004، منع من استخدام أي شكل من تكنولوجيا الاتصالات، باستثناء الهاتف الأرضي، مع بعض الاستثنائات. يرى المحققون الفيدراليون في أمريكا أن كيفين الملقب بالكوندور – نسر أمريكي - خطر لدرجة أنه قادر باتصال هاتفي واحد على وضع البلاد في حالة استنفار قصوى، بفضل قدرته على اقتحام أخطر المواقع، عبر شبكات الكمبيوتر والهاتف!

ما وجه الخطورة هنا؟لو أن هذا الشخص لم يكن امريكيا، بل لنقل أنه من بلد صغير آخر في العالم واستطاع مثلا ان يخترق النظام الخاص بالعمليات النووية في روسيا أو امريكا، فما الذي يعنيه ذلك؟ والمعنى ببساطة أن الفضاء الالكتروني خلق عالما جديدا، قد يصبح فيه جزء من الولايات المتحدة موجودا في دولة صغيرة أخرى، وقد يجعل هذه الدولة الصغيرة التي لا تمتلك سلاحا نوويا، بين ليلة وضحاها تمتلك قرار إطلاق قنبلة نووية في الولايات المتحدة.
ولهذا فمستقبل القرصنة ومدى تطور إمكانات مقاومتها أو ضبطها سيقرر العديد من التغييرات التي يحتمل أن يشهدها مستقبل العالم في القريب العاجل أو حتى في المستقبل المنظور.


 نشرت في مجلة العربي - الكويت - زاوية ثقافة الكترونية - اكتوبر 2013

أمبرتو إيكو يبوح بأسرار الصنعة الروائية



اعترافات روائي ناشئ

أمبرتو إيكو يبوح بأسرار الصنعة الروائية




إبراهيم فرغلي





لعل أمبرتو إيكو اراد أن يقدم درسا في التواضع حين اختار لكتابه هذا عنوان اعترافات روائي ناشئ، أو كما أوضح في المقدمة أنه يعد نفسه ناشئا لأن عمر ممارسته لكتابة الرواية يبدأ فقط من العام 1980 مع روايته الشهيرة "اسم الوردة"، "وبذلك لا يتجاوز عمر ممارستي لكتابة الرواية ثمانية وعشرين سنة، ولهذا السبب، أعتبر نفسي روائيا ناشئا، وبالتأكيد واعدا، لم يكتب إلى حد الآن سوى خمس روايات، وسيكتب الكثير منها في الخمسين سنة المقبلة". وهذه الجملة الأخيرة هي التي تجعلنا نرى لونا ما من السخرية، التي يمكن أو يروق لي بالأحرى أن أحيلها على كثير من روائيينا الذين ينشرون كتابا أو اثنين ثم يشرعون في التعامل مع العالم باعتبارهم أساتذة العالم!

هذا الكتاب، الذي صدر بالإنجليزية قبل فترة وترجم للفرنسية التي ترجمت منها هذه النسخة للعربية على يد الكاتب والمترجم المغربي سعيد بنكراد، يضم، أو يحتوي خلاصة ما راكمه هذا الكاتب الناشئ أمبرتو إيكو، على مدى ما يناهز الثلاثين عاما، من خبرات الكتابة. وآثر أن يقدم عصارة هذه الخبرات للقراء والمهتمين.

 لكن هذه الخبرة المتراكمة أيضا ليست وصفة للكتابة، أو تعريفا لأي من خصائص عملية التخليق الأدبي. لكنها بالأحرى سيرورة تفكير الكاتب أمبرتو إيكو في اثناء عمله، ومحاولة لتأمل كيفية تداخل الخلفية الثقافية في متن هذا التخليق، ثم من جانب آخر محاولة لفحص الكيفية التي يتلقى بها القارئ العمل، ومقارنة من يسميه القارئ الساذج بالقارئ المثقف صاحب الخبرة في القراءة.

يقسم إيكو كتابه إلى أربعة فصول، يقدم في أولاها ما يظنه خصائص أسلوبية لكتابته، ويتتبع اللحظات التي انبثقت فيها فكرة كل رواية من روايته الخمس، ويحاول أن يجيب عن سؤال جوهري هو "كيف نكتب؟"، فيما الإجابة التي استغرق تفصيلها هذا الفصل كان ملخصها الجملة التي عنون بها هذا الفصل مجيبا أنه "يكتب من اليسار إلى اليمين".

لكن هذه الإجابة المستفزة بتعبيره تحتاج إلى شرح مطول يبدأ من يقينه بأن فكرة العبقرية بالنسبة لديه وكما يقول المثل القديم، لا تغطي سوى عشرة في المئة من الإلهام. أما التسعين في المئة المتبقية فمصدرها الجهد الفردي.

وبعد أن يتناول الكثير مما ذكر عن روايته الأولى اسم الوردة من انها كتبت تحت تأثير الهام واشراق، او غيره يوضح بحسم "عليّ أن اعترف ان كتابة اسم الوردة لم يتطلب مني سوى سنتين، لسبب بسيط هو أنني لم أكن محتاجا للقيام ببحث في القرون الوسطى، إذ أن اطروحتي لنيل الدكتوراه كان موضوعها الجماليات القروسطية، ومع مرور الزمن كنت قد زرت أديرة رومانية كثيرة وزرت كنائس قوطية ومنشآت قروسطية أخرى. وعندما قررت كتابة الرواية كان الأمر كما لو أنني أفتح رفا كبيرا حيث كانت ملفاتي مكدسة من سنين عديدة. لقد كانت المادة هناك ولم يكن عليّ سوى انتقاء ما كنت في حاجة إليه".

 يوضح إيكو أنه باستثناء اسم الوردة، فقد استغرقت كل رواية من رواياته الأخرى: "بندول فوكو"، "جزيرة اليوم السابق"، "باودلينو" ما بين ست أو ثماني سنوات، بينما استغرقت كتابة رواية "الشعلة الغامضة للملكة لوانا" منه أربع سنوات.

ويعرج في هذا الفصل على المفارقات التي انبثقت منها أفكار الروايات، وبينها صدف من مثل أنه قبل سنوات من كتابة اسم الوردة تلّقى عرضا من دار نشر صغيرة طلبت منه وعدد من  الأكادميين وغير الروائيين كتابة قصة بوليسية صغيرة، ولكنه رفض العرض قائلا أنه لو اضطر لكتابة رواية بوليسية فسوف تدور أحداثها في القرون الوسطى ولن تقل عن 500 صفحة. وحين عاد إلى مكتبه وجد مخطوطا قديما كتب فيه عدد من أسماء بعض الرهبان في العصور الوسطى ومن هنا بدأ كتابة الرواية.


لكنه يتأمل كذلك كيف قام بعض قرائه بزيارة أديرة معينة باعتبارها الدير الذي وصفه في اسم الوردة، بينما كان الدير متخيلا تماما بالنسبة له، اخترعه من المخيلة وكذلك طبوغرافيته. كما يضرب أمثلة مما جاء به النقاد يحاولون الربط بين وردة إيكو، ووردات أخرى جاءت في كتابات أخرى معاصرة وقديمة، أو محاولات من قراء للتفتيش عن أنفسهم داخل النصوص، وغير ذلك، مما يراه إيكو مجموعة أمثلة على التأويلات التي قد يتيحها نص، ولا تكون لها علاقة حقيقية بما قصده النص أو المؤلف.

يقول إيكو: "ان النص جهاز الغاية منه انتاج قارئ خاص به. وهذا القارئ ليس شخصا قادرا على طرح تخمينات تكون وحدها دون غيرها جيدة: الأمر على عكس ذلك، يمكن للنص أن يتوقع قارئا نموذجيا له الحق في إسقاط تخمينات لا متناهية".
يكرس إيكو في الفصل اللاحق جهده للتحقق من الكيفية التي يتم بها استقبال الشخصية التخييلية، التي تجعل البعض يتماهى مع آلام تلك الشخصيات ومصائرهم كما هو الأمر مثلا عند بكاء القراء عند انتحار مدام بوفاري، أو مع لجوء عدد كبير من الشباب الألمان للانتحار بعد قراءة آلام فيرتر لجوتة. يحاول أن يقترب من السلطة الأخلاقية للشخصية التخييلية، والكيفية التي تعيش بها هذه  الشخصية، في ذهن القارئ، والتي تجعل البعض يحيل سمات الشخصية الواقعية عليها، كما شرلوك هولمز مثلا بالنسبة للبريطانيين، أو كما "سي السيد" في أعمال محفوظ – وفق ملاحظة المرتجم-، ويتأمل الكيفية التي يتعامل بها التلقي مع الشخصية التخييلية مقارنة بما يفعله أو ينبغي أن يفعل في حال أن الشخصية محل الاهتمام شخصية من الواقع ماتت بالفعل وأخرى لا تزال حية.

يوضح إيكو "ان شخصيات التخييل تعيش في عالم ناقص أو- لكي نكون وقحين وغير لبقين- في عالم معوق . ولكننا عندما ندرك فحوى مصيرها يساورنا الشك في اننا نحن ايضا مواطني الهُنا والآن نكون أمام مصيرنا فقط لأننا نفكر في عالمنا كما تفكر شخصيات التخييل في عالمها. يوحي الينا التخييل بأن الرؤية التي نكونها عن العالم الواقعي قد تكون هي الأخرى ناقصة تماما كنقصان الرؤية التي تملكها شخصيات التخييل الذي تتحرك فيه. ولهذا السبب عادة ما تصبح الشخصيات التخييلية الكبرى نماذج للشرط الانساني الواقعي".

أما الفصل الأخير فيمنحه عنوان "لوائحي"، ويقصد إيكو باللائحة كل سجل يحتوي على مجموعة من الأشياء الموضوعة في مكان ما كما هو حال السلع في الأسواق والكتب التي تحتويها خزانة ما او مفردات القاموس الخ.

وهوهنا يتقصى بداية فكرة اللائحة الخاصة بعدد من الكتاب، والتي تعود إلى ثقافة كل منهم الخاصة، والموروث الثقافي.
ويعرجعلى عدد كبير من اللوائح أو التراكمات التي قام بها العديد من الكتاب في نصوص مختلفة، ثم يوضح كيف قام هو بتعداد الكتب الموجودة في إحدى مكتبات الدير في اسم الوردة. مختتما أن اللوائح هي نوع من الالعاب التي تحقق السعادة للكاتب والقارئ. وهو بهذا الاعتراف يختتم اعترافاته ككاتب ناشئ.
هذا كتاب يوضح الكيفية التي تؤثر بها ثقافة الكاتب الموسوعية، ومرجعيته الثقافية ايضا، في تأمله لخبراته في الكتابة، وهي كاشفة للقارئ والكاتب معا، وأهميتها إضافة لمحتواها المضئ، أنها تكشف الكثير من زيف المدعين الذين يملأون حياتنا صخبا وزيفا بكتابين أو ثلاثة، وأحيانا حتى بلا كتب!


 الكتاب: اعترافات روائي ناشئ
المؤلف: أمبرتو إيكو
المترجم: سعيد بنكراد
الناشر: المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء
عدد الصفحات: 221


نشرت في صحيفة "الأهرام" - صفحة كتب- في 11 يونية2014

لم يعد ممكنا للكاتب أن يسكت عما يسكت عنه الجميع


طرق الأبواب الموصدة في "شامات الحسن"



تعليق الناقد والكاتب محمود عبد الشكور على مجموعة شامات الحسن 






يطرق إبراهيم فرغلى بابا موصدا فىمجموعته القصصية "شامات الحسن" الصادرة عن دار العين، يفتح طريق التأمل والتحليل لعالم الجسد والرغبات الإيروتيكية متسائلا عن حدود اللذة والألم، حدود الجسد وآفاق الخيال، مازجا بين الحلم والواقع.

 تجربة خاصة وجريئة للغاية تفتتح المغامرة بعبارة أوكتافيو باث :" الجسد عند المحبين فكر يفكر، والروح جسد قابل للّمس"، وتبدأ كل قصة باقتباس من أشعار إيروتيكية ترتبط بمعناها، بعضها للشاعرة المصرية السيريالية الشهيرة جويس منصور، وتنتهى المغامرة (12 قصة قصيرة) وقد جعلت قارئها فى تأمل مما قرأ، وفى دهشة من أبطال الحكايات الذين يكتشفون أنفسهم والآخر من خلال الجسد، ودوما يظل التواصل الجسدى تعبيرا عن فكرة ما : سائق هندى يذيب الفروق الطبقية مع أميرة خليجية، نحات كفيف يستلهم موهبته الضائعة مع راقصة محترفة، لقاء فى غابة مجهولة بين شاب وفتاة تعرّف عليها فى العالم الإفتراضى، فوضى العولمة وقد تحولت الى فوضى جسدية تتجاوز حتى عالم ما بعد الثورة الجنسية.

المرأة حاضرة فى الحلم وفى الواقع، والجسد لايرتبط فقط بالغريزة ولكنه متصل أيضا بالعواطف وبالخيال، الجانب الغريزىالحيوانى فى الإنسان يندمج مع مفاهيم معقدة ومركبة كالفن والحرية حتى كأن الجسد يفكر مثلما قال باث، لا نستطيع إنكار الجانب الحسى فى الإنسان، ولايمكننا أن نستوعب حدوده، نستطيع فقط وصفه وتأمله، وهذا ما فعلته "شامات الحسن" دون أن تلزم قارئها برأى، تركت له مساحة واسعة للإتفاق وللإختلاف، فتحت أمامه الباب ثم أعطته المفتاح، هى مجموعة تنحاز فقط الى أن الجانب الشهوانى فى الإنسان أعمق وأكثر تعقيدا مما نعرف أو نشاهد أو نقرأ عنه، وإذا لم تصدق فاقرأ وتأمل، وفرغلى كما عرفناه سارد بارع، ووصّاف مصوّر.

هل أبطال الحكايات أصبحوا أفضل عندما تحررت أجسادهم؟ لا نستطيع أن نجزم بذلك، بعضهم انتهى الى الموت، وبعضهم يطرح أسئلة معلقة، وكثيرون تألموا، وبعضهم اختلط لديه الحلم بالواقع، شخصيات أثقلت أجسادها أرواحها،طمستها وفرمتها، ونماذج أخرى تحررت من خلال الجسد .

 يمكن أن تعتبر المجموعة حجرا كبيرا ألقى فى بحيرة متجمدة، وأحسب أن نجيب محفوظ ، الذى يظهر فى حلم إيروتيكى فى احدى القصص، كان سيندهش من جرأة كتابة الأحفاد، وهو الذى كانت أعماله مثارا للدهشة من جرأتها فى زمنه وعصره، 

المعنى:لم يعد ممكنا للكاتب أن يسكت عما يسكت عنه الجميع

Saturday, March 12, 2016

الكسالى الرائعون


تغريدة

الكسالى الرائعون

إبراهيم فرغلي



انشغلت فئات من المحسوبينعلى النخبة، تضامنا مع الشارع المدعو "ثوري"، بتبرير الكسل السياسي الذي تعاني منه، بالتباهي بالدعوة لمقاطعة الانتخابات النيابية، بالمبررات المعروفة سلفا منذ أكثر من ثلاثة عقود: هذه تمثيلية، الانتخابات لا تعنيني، لا أعرف من سأنتخب، لا يوجد من يمثلني. إلى آخر الحجج والتبريرات المعروفة.
 وبعيدا عن أن هذه الدعوة، بكل ما تتضمنه من إحساس مرير بالعجز، والوقوع في أسر الإحباطات الكبيرة التي سببتها الفجوة الرهيبة بين الأحلام وبين ما وصل إليه الحال، فإن ما يدعو للأسى هنا أن هذا الثوري النقي المثالي يختار الحل الأسهل في الحقيقة، كأنه يصر على ارتكاب الخطايا السياسية والمزيد منها بلا توقف، بدلا من مواجهة الذات، وإعادة تأمل التجارب السياسية الناجحة في تاريخ العالم وتاريخ الثورات.

وهكذا تبدو هذه النخبة الثورية النقية الداعية للكسل الانتخابي أو المقاطعة أو "الاحتقار"، تخيلوا أن أحد "المناضلين" دعا لفعل "احتقار" الانتخابات البرلمانية في سابقة من سوابق اللافعل الثوري التي أظنها ستسجل في موسوعة جينيس يوما.

أقول أن هذه النخبة تبدو وهي تسبح في بركة من سراب اللغو واللافعل، متعامية عن جمهور عريض يرى أن الواقع والحقائق على الأرض تقتضي من كل منهم أن يمارس دوره، وأن يشارك بصوته فيما يراه صوابا، أو يحقق به أمله في المستقبل حتى لو بدا له اليوم بعيدا.
تتعامى النخبة عن آمال الجماهير لا مبالية بالحق الذي انتزع بفضل الحراك الثوري ممثلا في اكتساب الوعي بالحق في التصويت في الانتخابات، وباستبعاد فكرة تزوير الانتخابات أيضا. ناهيك عن أن هذه الدعوات تلقى هوى في نفس الفصيل الذي لا يتورع عن تفجير مصر وترويع أهلها؛ ممثلا في الإخوان وأنصارهم، وهذا شأن آخر لا يوليه الثوري النقي أي أهمية، تماما كما هو شأنه مع مشكلات الناس الحقيقية ومعاناتهم، والتي يستخدمها الجميع اليوم لكي يبيع قضيته لمكاسب خاصة أو يقنع بها ذاته على أسوأ التقديرات.  
لا تتحقق الأماني في يوم وليلة،تعرف ذلك السلطة، والنخبة والجماهير رغم آمالهم العريضة، ولا يمكن أن يتحقق تغيير من دون علم للتخطيط، وجهد للتنفيذ، مع صدق النوايا.

قلة كفاءة؟ طبعا، فلا يمكن أن تنتج منظومةالتعليم البائسة لدينا إلا أشباه المتعلمين، وهؤلاء، كل في موقعه، إلا من رحم ربي وقدّر نفسه حق قدرها، يواري فشله بالمؤامرات أو التفرغ لتتبع نقائص من حوله لإخفاء عوراته. وقس على ذلك منظومة كاملة.
لا تتحقق الديمقراطية بالأمنيات، ولا بالمقاطعات، ولا الاحتقار، فهذا عمل العاطلين والفشلة، ولا يمكن أن تقوم دولة بعد ثورة وتنهض إذا لم تقدم القوى الوطنية، نماذج وكيانات حقيقية في الشارع، تؤمن بالشعب فعلا وحقه في "الوعي" و"النهضة"، وتكتسب شرعيتها تدريجيا من ثقة الناس وشعبيتهم، أيا كانت المعيقات. وعدا ذلك فالصمت سيكون أجدى كثيرا، فأضعف الإيمان ألا تتسبب مثل هذه المقولات المحبطة في إرباك أو إضعاف عزيمة الكثير من الواقعيين، الذين يؤمنون بكل مبادئ الثورة حقا وصدقا، لكنهم يعرفون أن الأحلام تسكن أعلى قمم لا يصل لها إلا المخلصين، لا يرون الصعاب ولا ييأسون لأن أعينهم على الحلم وفقط.




 نشرت في جريدة القاهرة